يوم عاشوراء..والتحدي الأكبر

يوم عاشوراء..والتحدي الأكبر

المسلة كتابات – د. خالد الخفاجي:

ما‭ ‬زلت‭ ‬مصدوما‭ ‬حين‭ ‬شاركت‭ ‬في‭ ‬إحياء‭ ‬مراسيم‭ ‬العاشر‭ ‬من‭ ‬محرم،‭ ‬بل‭ ‬كنتُ‭ ‬أتابع‭ ‬عن‭ ‬قرب‭ ‬الحشود‭ ‬المليونية‭ ‬التي‭ ‬ضمت‭ ‬مختلف‭ ‬الشرائح‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬شبابا‭ ‬وشيوخا،‭ ‬أطفالا‭ ‬ونساء‭ ‬من‭ ‬مختلف‭ ‬المدن‭ ‬العراقية،‭ ‬وهم‭ ‬يركضون‭ ‬عبر‭ ‬مسافات‭ ‬طويلة‭ ‬متجهين‭ ‬نحو‭ ‬ضريحي‭ ‬الإمام‭ ‬الحسين‭ ‬وأخيه‭ ‬العباس‭ ‬عليهما‭ ‬السلام‭ ‬في‭ ‬كربلاء‭ ‬المقدسة‭ ‬يضربون‭ ‬على‭ ‬الرأس،‭ ‬رافعين‭ ‬الرايات،‭ ‬ويهتفون‭ ( ‬هيهات‭ ‬منا‭ ‬الذلة‭ )‬،‭ ‬هذا‭ ‬الشعار‭ ‬الخالد‭ ‬الذي‭ ‬رفعه‭ ‬سيد‭ ‬الشهداء‭ ‬الإمام‭ ‬الحسين‭ ‬بن‭ ‬علي‭ ‬عليهما‭ ‬السلام‭ ‬قبل‭ ‬1381عام،‭ ‬وهو‭ ‬يواجه‭ ‬الباطل‭ ‬والظلم‭ ‬والانحراف‭ ‬في‭ ‬معركة‭ ‬الطف‭ ‬الخالدة‭ ‬التي‭ ‬رسمت‭ ‬المسار‭ ‬الصحيح‭ ‬لرسالة‭ ‬جده‭ ‬المصطفى‭ (‬ص‭)‬،‭ ‬هذه‭ ‬الحشود‭ ‬البشرية‭ ‬التي‭ ‬اغتسلت‭ ‬بعرقها‭ ‬تحت‭ ‬اشعة‭ ‬الشمس‭ ‬الحارقة‭ ‬وهي‭ ‬تتلهف‭ ‬بروح‭ ‬ملأها‭ ‬الإيمان‭ ‬بما‭ ‬تؤديه‭ ‬من‭ ‬مراسيم‭ ‬مقدسة‭ ‬وبدافع‭ ‬العشق‭ ‬الحسيني،‭ ‬هي‭ ‬خير‭ ‬دليل‭ ‬على‭ ‬إعلان‭ ‬الوقوف‭ ‬بوجه‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬طبلت‭ ‬له‭ ‬القوى‭ ‬العالمية‭ ‬المجرمة‭ ‬وما‭ ‬صدرته‭ ‬إلى‭ ‬شعوب‭ ‬العالم‭ ‬بالتعاون‭ ‬مع‭ ‬الحكومات‭ ‬السارقة‭ ‬لقوت‭ ‬الشعب‭ ‬وعملائها،‭ ‬وآخرها‭ (‬المدحور‭ ‬فيروس‭ ‬كورونا‭).‬

وعلى‭ ‬الجانب‭ ‬الآخر‭ ‬خدام‭ ‬الحسين‭ ‬من‭ ‬أهالي‭ ‬كربلاء‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬المدن،‭ ‬لكن‭ ‬كربلاء‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬قدست‭ ‬ثراها‭ ‬الدماء‭ ‬الطاهرة‭ ‬الزكية‭ ‬التي‭ ‬فاضت‭ ‬على‭ ‬الدنيا‭ ‬بالحق‭ ‬وثبات‭ ‬المبادئ‭ ‬والعدل‭ ‬والمعاني‭ ‬السامية،‭ ‬هؤلاء‭ ‬عشاق‭ ‬الحسين‭ ‬كانوا‭ ‬يفيضون‭ ‬كرما‭ ‬وسخاء‭ ‬في‭ ‬دعم‭ ‬هذه‭ ‬الحشود‭ ‬والزوار‭ ‬بتوزيع‭ ‬مختلف‭ ‬أنواع‭ ‬الطعام‭ ‬والماء‭ ‬والشاي‭ ‬في‭ ‬ثواب‭ ‬الإمام‭ ‬الحسين‭ ‬عليه‭ ‬السلام،‭ ‬ناذرين‭ ‬أرواحهم‭ ‬له‭ ‬الفدى،‭ ‬فصار‭ ‬الجميع‭ ‬حضنا‭ ‬ومأوى‭ ‬للجميع،‭ ‬ناسين‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬كورونا‭ ‬التي‭ ‬فتكت‭ ‬بالملايين‭ ‬من‭ ‬البشر‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬دول‭ ‬العالم‭.‬

‭ ‬هذه‭ ‬الطقوس‭ ‬الحسينية‭ ‬الخالدة‭ ‬التي‭ ‬تحتضنها‭ ‬كربلاء‭ ‬هي‭ ‬ليست‭ ‬عفوية‭ ‬ولا‭ ‬وليدة‭ ‬لحظة‭ ‬ما،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬انتماء‭ ‬حقيقي‭ ‬لرجل‭ ‬إمام‭ ‬قام‭ ‬وإن‭ ‬قعد،‭ ‬وهو‭ ‬سيد‭ ‬شباب‭ ‬أهل‭ ‬الجنة‭ ‬وريحانة‭ ‬رسول‭ ‬الله‭ (‬ص‭) ‬وضحى‭ ‬بنفسه‭ ‬وأولاده‭ ‬واصحابه‭ ‬بشجاعة‭ ‬وصلابة‭ ‬لم‭ ‬تشهدها‭ ‬سوح‭ ‬الوغى‭ ‬لا‭ ‬قبله‭ ‬ولا‭ ‬وبعده،‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬إصلاح‭ ‬أمة‭ ‬جده‭ ‬الرسول‭ ‬الأعظم،‭ ‬وفي‭ ‬هذه‭ ‬السنة‭ ‬الكورونية‭ ‬التي‭ ‬أرعبت‭ ‬العالم‭ ‬بأكمله،‭ ‬سواء‭ ‬أسس‭ ‬لها‭ ‬لتكون‭ ‬حرب‭ ‬بيولوجية‭ ‬عالمية‭ ‬ثالثة،‭ ‬أو‭ ‬فعلا‭ ‬هو‭ ‬فيروس‭ ‬دفع‭ ‬به‭ ‬لغاية‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬الإمبريالية‭ ‬والصهيونية،‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬الأحوال‭ ‬هو‭ ‬فيروس‭ ‬جعل‭ ‬الناس‭ ‬تصحوا‭ ‬وتغفوا‭ ‬على‭ ‬وسادة‭ ‬من‭ ‬خوف،‭ ‬لكن‭ ‬هذه‭ ‬الفوضى‭ ‬والرعب‭ ‬لم‭ ‬ينالا‭ ‬من‭ ‬إحياء‭ ‬ذكرى‭ ‬واقعة‭ ‬الطف‭ ‬وبطلها‭ ‬الإمام‭ ‬الحسين‭ ‬عليه‭ ‬السلام‭ ‬الذي‭ ‬استشهد‭ ‬من‭ ‬إنقاذ‭ ‬البشرية‭ ‬من‭ ‬ما‭ ‬تمر‭ ‬به‭ ‬اليوم،‭ ‬وهكذا‭ ‬ظلت‭ ‬هذه‭ ‬الذكرى‭ ‬خالدة،‭ ‬وظل‭ ‬هذا‭ ‬الاستشهاد‭ ‬خالدا‭ ‬في‭ ‬ذاكرة‭ ‬ووجدان‭ ‬الإنسانية‭ ‬جمعاء،‭ ‬والتاريخ‭ ‬هو‭ ‬الشاهد‭ ‬الحي‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الخلود‭.‬

من‭ ‬يدلني‭ ‬على‭ ‬رجل‭ ‬مهما‭ ‬كان‭ ‬شـأنه‭ ‬وقف‭ ‬عنده‭ ‬الزمان‭ ‬خاشعا‭ ‬وذاكرا‭ ‬وباكيا‭ ‬وسائلا‭ ‬ومفتخرا‭ ‬كما‭ ‬يقف‭ ‬اليوم‭ ‬عند‭ ‬إسم‭ ‬الحسين‭ ‬عليه‭ ‬السلام؟
نعم‭ ‬ربما‭ ‬هدأت‭ ‬فورة‭ ‬واقعة‭ ‬كربلاء،‭ ‬وتوقف‭ ‬صليل‭ ‬سيوفها،‭ ‬وأصوات‭ ‬حوافر‭ ‬خيلها،‭ ‬لكن‭ ‬دروسها‭ ‬ومعانيها‭ ‬النبيلة‭ ‬لم‭ ‬تنته،‭ ‬بل‭ ‬ظلت‭ ‬شاخصة‭ ‬وتتجدد‭ ‬كل‭ ‬عام‭ ‬بروح‭ ‬متوهجة‭ ‬ومحبة‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬العام‭ ‬الذي‭ ‬يسبقه،‭ ‬وهذا‭ ‬العام‭ ‬الموبوء‭ ‬والمخيف‭ ‬لم‭ ‬يثنِ‭ ‬محبي‭ ‬وعشاق‭ ‬الحسين‭ ‬بل‭ ‬البشرية‭ ‬جمعاء‭ ‬تستقبل‭ ‬طقوس‭ ‬عاشوراء‭ ‬بخشوع‭ ‬وإجلال‭ ‬،‭ ‬وما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬يوم‭ ‬عاشوراء‭ ‬هذا‭ ‬العام‭ ‬هو‭ ‬التحدي‭ ‬الأكبر،‭ ‬والوقوف‭ ‬بوجه‭ ‬الأوبئة‭ ‬والطغيان‭ ‬والاستبداد‭ ‬،‭ ‬ولأن‭ ‬الإمام‭ ‬الحسين‭ ‬هو‭ ‬منهج‭ ‬وعقيدة‭ ‬لكل‭ ‬الأرض‭.‬

 

ينشر موقع “المسلة كتابات” جميع ما يرد اليه، شرط أن يكون خاليا من السب والشتم والأوصاف غير اللائقة على الجهات والشخصيات.

“المسلة كتابات” لا يتحمل مسؤولية الأفكار والآراء الواردة. المقالات والنصوص المنشورة تعبّر  عن وجهة نظر الكاتب فقط. 

Please follow and like us:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *