نقطة الخلاف

نقطة الخلاف

المسلة كتابات – محمد زكي ابراهيم:

لم يعد ثمة أحد في مشرق الوطن العربي أو مغربه، يتمتع بالقليل من التفاؤل إزاء المستقبل المنظور. أو يؤمن بمجيئ سنوات انفراج بعد طول معاناة، أو يعتقد أن القادم أفضل بكثير من الماضي، في واحد من الملفات النادرة التي تحظى بالإجماع في هذا الجزء من العالم.

إن أحد أهم أسباب هذا اليأس يعود إلى الخلافات الحادة التي تعصف بالفئات، والمجتمعات، والمؤسسات، والطوائف، في هذه البلدان. وإلى الفشل الذريع الذي منيت به عملية التنمية، إلى الحد الذي جعلها عاجزة عن تلبية المتطلبات العادية للأفراد والجماعات.

ولكي تتضح الصورة، فإن ما ينقل عن الآخر الغربي من أفكار ومفاهيم ومناهج، هو نقطة الخلاف الأساسية في هذه البلدان. ولا تشمل هذه الأمور التي تحولت إلى مورد تنافس مرير، الاقتصاد والسياسة والنزاعات والحروب فحسب، بل jتجاوزتها إلى الآداب والفنون والعقائد والأديان، وكل ما له علاقة من قريب أو بعيد بعملية الوعي!

إن هذه الشعوب التي ورثت عبر قرون طويلة وجهات نظر محددة إزاء الحياة والكون والسلوك الاجتماعي، لا تستطيع التوائم مع ما يفد إليها كل يوم من تجارب غربية تتقاطع معها في الصميم. وتتسلل عبر ما ينقل إليها من سرديات، فيتلقفها البعض بانبهار شديد، وينشغل بها البعض الآخر، لحد الصدمة.

حينما يجد المرء أن هناك الكثير مما ينتج في مناطق متقدمة من العالم، وعليه أن يكون قريباً منه، حتى يبرهن على عصريته وحداثته، مع ازدراء واضح للسلوك الاجتماعي في الداخل، فإنه يقوم دون وعي منه، بنثر بذور الخلاف في مجتمعه. ويؤسس لصراعات جديدة بين فئاته. فالمجتمع الذي لا يستطيع بإمكاناته البسيطة، وثقافاته المتوارثة، أن يتعايش مع هذه المستجدات، لا يتعرض – كما يتخيل البعض – إلى عملية تحريك الراكد، بل إلى قتل الطاقات الحية فيه.

إن أفكاراً مثل الدادائية والسوريالية، والماركسية والوجودية، والحداثة وما بعد الحداثة، والبنيوية وما بعد البنيوية، وغير ذلك من المسميات، لم تستطع أن تخلق نهضة ما في أي بلد عربي طوال قرن كامل. ولم تتمكن من التعايش في هذه البيئة، رغم إعجاب الملايين بها، والولع بمتبنياتها، في بعض الحقب المنصرمة.

ومعنى ذلك أنها لم تلاق نجاحاً، أو قبولاً في هذه المجتمعات، التي بات عدد أفرادها يقترب من النصف مليار إنسان. وليس من المعقول أن تتواصل الدعوة إليها، بعد كل ما حصدته من إخفاق. فالعبرة ليست في عدد من مال إليها، أو افتتن بها، بل في حجم التغيير الذي صنعته في البلاد. أو التقدم الذي أحدثته في صفوف المجتمع.

ومن الغريب أن كثيراً من هؤلاء الذين اعتنقوا هذه المفاهيم تخلوا عنها بعد برهة ما. أي بعد ما اكتشفوا ما فيها من قصور أو تهافت أو مجافاة للواقع. في حين وضع غيرهم اللائمة على رجال السياسة، وزعماء الدول، وقادة الأحزاب، لأنهم فشلوا في إدارة بلدانهم. دون أن يدركوا أنهم طرف في هذا التخبط المرير. فالسياسة ليست شيئاً منفصلاً عما يدعون إليه.

لا ريب أن عجز السلطة في إدارة ملف التنمية ومهمة إقرار النظام سببه الخلافات الحادة التي حدثت نتيجة ضخ مفاهيم غربية لا تلائم هذه المجتمعات. ففي بعض الأحيان أحدثت ردود أفعال عنيفة مثل العودة للسلفية، التي كانت قد أفلت منذ سنوات طويلة. وتسببت بفوضى، وانغلاق، وتزمت، وتخلف، وفساد. بل أفضت إلى قيام نظم استبدادية حيناً، أو هجينة أحياناً أخرى.

إن العلاج الناجع لهذه العلل إنما يكمن في العودة إلى روح المجتمع، واستعادة حيويته، واستثارة طاقاته، وليس القفز عليه إلى آفاق لم يبلغها بعد، أو النظر إليه على أنه قاصر لم يبلغ سن الرشد، إلا إذا تبنى مفاهيم ونظماً غربية لا تمت إلى تاريخه بصلة !

 

ينشر موقع “المسلة كتابات” جميع ما يرد اليه، شرط أن يكون خاليا من السب والشتم والأوصاف غير اللائقة على الجهات والشخصيات.

“المسلة كتابات” لا يتحمل مسؤولية الأفكار والآراء الواردة. المقالات والنصوص المنشورة تعبّر  عن وجهة نظر الكاتب فقط. 

Please follow and like us:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *