نظرة على التعديل المقترح على قانون المحكمة الجنائية العراقية العليا

المسلة كتابات – زهير جمعة المالكي:

من اساسيات القاعدة القانونية هي الصياغة القانونية، حيث أن الصياغة هي التي تخرج الفكرة إلى حيز التنفيذ والتطبيق، ولكن يعتمد نجاح هذه القاعدة على ملائمة أدوات الصياغة ودقتها، ولذلك يجب أن يراعى تحري الدقة في صياغتها عن طريق اختيار التعبيرات الفنية العملية، بالإضافة إلى أفضل الأدوات والطرق التي تحقق الهدف المرجو منها . فالمضمون التشريعي عبارة عن قواعد الهدف منها تحقيق المصالح، ويتم صياغتها على شكل نصوص، هذه النصوص هي فن الصياغة القانونية. المقصود بفن الصياغة القانونية هو مجموعة القواعد والوسائل المستخدمة في صياغة الأفكار القانونية، إلى نصوص تشريعية تهتم بتطبيق القانون بطريقة عملية، من خلال وضع الوقائع الحياتية في قوالب تشريعية، تساعد على تحقيق الهدف المرجو من السياسة القانونية.

وان اول ابجديات الصياغة القانونية لاي تشريع هو ان أي فكرة لتشريع قانون او تعديل قانون وقبل المضي في كتابتها ان يتم عرضها على الدستور لمعرفة مدى مطابقتها لاحكام الدستور والتزامها بالحدود التي وضعتها المواد الدستورية . فاول قواعد التشريع القانوني تقول ان أي نص قانوني سواء كان قانون او تعليمات او أنظمة او أوامر إدارية تخالف الدستور تكون معيبة وبالتالي تكون قابلة للطعن والالغاء . لللاسف ان تتبنى اللجنة القانونية في مجلس النواب العراقي مشروع لتعديل القانون رقم 10 لسنة 2005 الخاص بانشاء المحكمة الجنائية العراقية العليا دون ان تلتفت الى النصوص الدستورية التي تتعامل مع هذه المحكمة بل ولا تلتفت الى العديد من النقاط التي تحكم على هذا القانون بالالغاء وسنتناولها بالتفصيل.

أولا التعديل المقترح يضيف بند الى المادة (1) من قانون المحكمة الجنائية العراقية العليا التي تاسست وفق احكام المادة (1) من القانون رقم (10) لسنة 2005 لتشمل الجرائم التي ارتكبها تنظيم داعش وقد اغفل المقترح ان المحكمة الجنائية العراقية العليا قد تأسست بنص البند أولا من المادة (1) . أولاً- تؤسس محكمة تسمى (المحكمة الجنائية العراقية العليا) وتعرف فيما بعد بـ(المحكمة) وتتمتّع بالاستقلال التام .” . وهذه المحكمة قد ذكرها الدستور العراقي لسنة 2005 كونها قد تأسست قبل إقرار الدستور لذلك نصت المادة (134) من الدستور على مايلي ” تستمر المحكمة الجنائية العراقية العليا بأعمالها بوصفها هيئةً قضائية مستقلة، بالنظر في جرائم النظام الدكتاتوري البائد ورموزه، ولمجلس النواب إلغاؤها بقانونٍ، بعد إكمال أعمالها” . واستنادا لهذا النص فلا يجوز تعديل قانون المحكمة واخاصاصها الا بتعديل الدستور ، حيث ان الاختصاص النوعي للمحكمة محدد بنص الدستور ليقتصر على جرائم النظام الدكتاتوري البائد ورموزه واضافة اختصاص جديد يتطلب تعديل الدستور.

بالإضافة الى ذلك فان اخضاع الجرائم التي ارتكبتها داعش الى ولاية المحكمة الجنائية العليا يخالف نص الفقرة (تاسعا ) من المادة (19) من الدستور التي تنص على ” ليس للقوانين أثرٌ رجعي ما لم يُنص على خلاف ذلك، ولا يشمل هذا الاستثناء قوانين الضرائب والرسوم” . أي ان الجرائم التي وقعت مابين قبل إقرار هذا التعديل لايجوز احالتها للمحكمة الجنائية العراقية العليا لانها ارتكبت قبل هذا التاريخ لان التعديل لم ينص على ذلك.

في المادة الثانية من التعديل المقترح العى نص المادة (2) من القانون رقم 10 التي تنص على ” مقر المحكمة في مدينة بغداد، ولها عقد جلساتها في أية محافظة من محافظات العراق بقرار من مجلس الوزراء بناءً على اقتراح من رئيس المحكمة ” . وقد حاول المقترح تخويل مجلس القضاء الأعلى قرار عقد جلسات المحكمة بدلا من مجلس الوزراء وبافتراح من رئيس مجلس القضاء بدلا من رئيس المحكمة كما ورد في القانون وهي محاولة لربط المحكمة بمجلس القضاء الأعلى . وقد اغفل المقترح نص البند ” خامسا ” من المادة (3) التي تخول مجلس الوزراء نتداب قضاة من غير العراقيين ممن لهم خبرة في مجال المحاكمات في الجرائم المنصوص عليها في هذا القانون وممن يتحلّون بقدر عال من السمو الأخلاقي والاستقامة والنزاهة للعمل في المحكمة في حالة كون أحد أطراف دولة وينتدب هؤلاء القضاة بمساعدة المجتمع الدولي بما في ذلك الأمم المتحدة ” . وكذلك نص البند “ثالثا ” من المادة (4) من القانون رقم (10) التي تنص على ” أ- يرشح مجلس القضاء الأعلى جميع القضاة والمدعين العامين في هذه المحكمة ويتم تعيينهم بقرار من مجلس الرئاسة بعد موافقة مجلس الوزراء والبند رابعاً من نفس المادة التي منحت مجلس الرئاسة بناء على اقتراح مجلس الوزراء نقل أي قاض أو مدّع عام من المحكمة إلى مجلس القضاء الأعلى لأي سبب كان .” . وهذا يخالف القانون رقم قانون مجلس القضاء الاعلى رقم 45 لسنة 2017 الذي جعل إدارة الشؤون القضائية حصريا لمجلس القضاء الأعلى وان تدخل مجلس الوزراء في شؤون المحاكم يعد خرقا لمبداء الفصل بين السلطات الذي نص عليه الدستور في المادة (47) والتي تنص على “تتكون السلطات الاتحادية، من السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، تمارس اختصاصاتها ومهماتها على أساس مبدأ الفصل بين السلطات” .

المادة (3) من التعديل المقترح تضيف بندا رابعا لنص المادة (18) من القانون اشارت الى استعانة المحكمة بالادلة التي جمعها فريق التحقيق الدولي وقد اغفل المقترح ان إحالة الدعاوى الى المحكمة الجنائية العراقية العليا يخالف مبدأ حق التقاضي امام ” القاضي الطبيعي ” الذي اكدت عليه لجنة الأمم المتحدة لحقوق الانسان حسب ما ورد في قرارها المرقم ” 32/1989 ” . كون هذه المحكمة قد انشات خارج اطار مجلس القضاء الأعلى وبتدخل من مجلس الوزراء في عملية تعيين القضاة وإدارة الأمور الإدارية للمحكمة.

في المادة (4) من التعديل المقترح تم الغاء البند أولا من المادة 24 من القانون رقم (10) وهي المادة التي تتحدث عن العقوبات وقد اغفل المقترح ان هذا النص لا يمكن ان يشمل الجرائم التي وقعت قبل نفاذ القانون والا تكون مخالفة للبند (عاشرا ) من المادة 19 من الدستور التي تنص على ” عاشراً:- لا يسري القانون الجزائي بأثرٍ رجعي إلا إذا كان أصلحَ للمتهم”.

مما تقدم يتبين ان النص المقترح لا يخالف نصا واحدا في الدستور بل يخالف خمسة نصوص دستورية تجعله عرضه للالغاء بل ويكون طوق نجاة للدواعش الذين ستتم محاكمتهم استنادا لهذا التعديل كون محاكمتهم ستكون امام محكمة ليس لها ولاية قضائية وبذلك لايمكن ملاحقة المحكومين الموجودين خارج العراق استنادا للاحكام التي تصدرها المحكمة . ان تبني اللجنة القانونية لهذا المقترح واجتيازه للقراءة الأولى يعتبر عيب خطير في أسلوب تمرير القوانين فمن الواضح ان من كتب هذا المقترح لم يطلع على الدستور وكذلك لم يطلع على الدليل الذي وضعته الأمم المتحدة للمحاكم العادلة وتوصيات المنظمات الدولية ، الا اذا كانت الغاية منح فرصة للدواعش للافلات من العقاب .

 

ينشر موقع “المسلة كتابات” جميع ما يرد اليه، شرط أن يكون خاليا من السب والشتم والأوصاف غير اللائقة على الجهات والشخصيات.

“المسلة كتابات” لا يتحمل مسؤولية الأفكار والآراء الواردة. المقالات والنصوص المنشورة تعبّر  عن وجهة نظر الكاتب فقط. 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *