نصيحة .. في زمن أغبر

نصيحة .. في زمن أغبر

المسلة كتابات – حسين الذكر:

( علمني الفراق ازعل واحن واشتاق .. لو ابقى طول العمر .. ما القى مثل عراقنا عراق ) .. هكذا تذكرت سعدون جابر ينبش الضمائر ويجهش الدموع في ساحة الميدان في اغنية ثمانينية ما زالت تنبض عراقا مكتنز الاعراق .. بمعزل عما حدث ويحدث في المجتمع من تغيرات هجينة، تتكدس فيها الناس والانتيكات والتراث والذكريات . ثم مررنا بشارع المتنبي وقاعة شناشيل التي تنوء بوجع خالد السامرائي وهو ينحب كل صباح جمعة مقامات الاستغاثة لكل اصيل ، وطالعنا ضفاف نهر دجلة نستطلع وجوم اجندة شحة المياه بعد ان كذبتها زخات المطر ، واخذت امشي وامشي حتى حططت على مشهد بين ساحتي الفردوس وكهرمانة وسط العاصمة.

شعرت بدوار اضطرني الاتكاء على مقعد خشبي مضعضع قرب ( بسطية شاي ) ، فطلبت قدحا انهمكت باحتسا رشفات دفء عراقي عصي النسيان برنة ملعقة بغدادية شهيرة ، ثم اخذت اجلد الذات واهمهم النفس عن كيفية انتشار البسطيات سيما غير النظامية منها واسقاط هيبة اغلب الشوارع الرئيسية.. والكيفية التي سمحت بها الدولة حدوث مثل هذا الخرق الحضاري ؟ !.

فيما كنت اجتهد لتبرير ما ، سلم علينا رجل يرتدي دشادشة ويحمل عصى يهش بها على عشرة اغنام – تقريبا – تركها تدوس العشب وتاكل الزهور وتخدش ضمير الاحياء وتنهش قلب العاصمة دون أي اكتراث .. تحت انظار المارة والمسؤولين ومنبهات سياراتهم . عند ذاك لم اعد ابحث عن اجابة ، بعد تكدس مشاهد محزنة حد الدهشة والبكاء. فوجهت سؤالي لصاحب الاغنام مستفسرا .. كيف وصلت اغنامك هنا ، هذا المكان ليس للرعي ويفترض هنالك جهات مختصة تمنعك ؟.

فرد بقسوة : ( من انت كي تسالني .. ثم من يستطع منعي ، اشق فمه وادوس راسه ) . تعجبت وبقية الحضور من الجهل والعبثية والاستهتار بالممتلكات العامة.

حاولت احكي له قصة مع غرابتها في منطقنا لكنها طبيعية في بلدان العالم المتحضر . بعد رفض وتعنت وتدخل آخرين وافق ، باستهزاء : ( هات الدرة الي عندك ) !! ، فقلت له : ( كنت مرافقا صحفيا مع وفد رياضي في سنوات خلت بإحدى الدول الأجنبية واخذ بعض لاعبينا يهرول في حديقة عامة استنشاقا للهواء العذب .. لم تمر الا دقائق واذا بجمع ( رجال ونساء ) عجائز كانوا يستريحون في الحديقة تجمعوا حولنا منددين مرددين … وربما يسبون بلغتهم ، ففهمنا لاحقا السبب اذ قال احدهم بلغة مفهومة : ( هذه حديقة وجدت لراحة الناس ،وهي ملك عام لا يجوز لكم الركض فيها .. ان احذيتكم تضر العشب وتشوه المنظر ، كما انكم تحدثون ضجيج لن نسمح لكم العبث والتخريب المتعمد لممتلكات الدولة ) . بعد ان أكملت كلماتي التي نبشت قلبي حزنا وبكاء على امة تمتلك الكثير من مقومات النور لكنها تفضل العيش بالظلام ، التفت الي صاحب الاغنام ، قائلا : ( وين الرباط ، ما فهمت … ثم قال اسكت احسن لك ، هذا بلدنا واني حر فيه ، والي يحكي احرق امه وابوه ) .

 

ينشر موقع “المسلة كتابات” جميع ما يرد اليه، شرط أن يكون خاليا من السب والشتم والأوصاف غير اللائقة على الجهات والشخصيات.

“المسلة كتابات” لا يتحمل مسؤولية الأفكار والآراء الواردة. المقالات والنصوص المنشورة تعبّر  عن وجهة نظر الكاتب فقط. 

Please follow and like us:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *