ملاحظات على مشروع قانون مناهضة العنف الأسري

ملاحظات على مشروع قانون مناهضة العنف الأسري

المسلة كتابات – م.م حسن سعيد رضا:

مِن المفروض أن الغرض من تشريع قانون العنف الأسري الحد من ظاهرة العنف الأسري والوقاية منه ، وحماية النساء والفتيات بالأخص من التعرض له ، هذا ما تنص عليه الأسباب الموجبة لتشريع القانون المذكور – أو بالأحرى مشروع القانون – ، لكن السؤال المطروح في هذا المقام هل أنَّ مشروع قانون مناهضة العنف الأسري يحقق هذه الحماية أم أنَّه يؤدي إلى نتائج أخرى ؟

للجواب على هذا السؤال ، ينبغي قراءة مشروع القانون وفحص نصوصه للتأكد من مدى مطابقتها للغرض المبتغى تحقيقه من صياغتها ، هذا ما سنعكف عليه في دراستنا المختصرة هذه.

أول ملاحظة على مشروع القانون نجدها عند تعريف العنف الأسري المنصوص عليه في المادة ( 1 / أولاً ) التي تقضي ب : ( العنف الأسري: كل فعل أو امتناع عن فعل أو التهديد بأي منهما، يُرتكَب داخل الأسرة، يترتب عليه ضرر مادي أو معنوي ) ، كان الأحرى بالمشرع تحديد درجة العنف وعدم ترك ذلك للاجتهادات الشخصية لأن من الممكن اعتبار عنف أسري مجرد صراخ الوالدَين على أولادهما لحثّهما على الدراسة أو توبيخهم بسبب فعل مُشين ارتكبوه ، لذلك يجب تحديد درجة شدة العنف.

ثاني ملاحظة على المشروع وردت في تشكيل اللجنة العليا لمناهضة العنف الأسري ، المنصوص عليها في المادة 3 من مشروع القانون ، إذ تضم ممثل عن وزارة الخارجية وآخر عن المالية ، ولا ندري ما علاقة هاتَين الوزارتَين بقضايا العنف الأسري ؟! كما أن المشرع أغفل ذكر ممثل عن وزارة العمل في أعضاء اللجنة ؛ مما يعني عدم وجوده بينهم ، وهذا خطأ يجب تداركه إذ أن من مهام وزارة العمل حل القضايا الاجتماعية كقضايا الأسرة ، فضلاً عن أنَّ القانون ينص على تخصيص أماكن ايداع آمنة تكون تابعة لوزارة العمل.

الملاحظة الثالثة في المادة ( 6 / ثالثاً ) التي تنص على : ( المصادقة على الخطط والبرامج والدراسات والمسوحات الميدانية التي تقترحها مديرية حماية الاسرة ) ، التساءل المطروح هل من مهام مديرية حماية الأسرة عمل مثل هكذا برامج ؟ المشرع لم ينص على هذا الأمر عند عرضه للمهام التي تتولاها مديرية حماية الأسرة في المادة ( 8 / أولاً ) التي تنص على : ( تتولى المديرية مهمة البحث والتحقيق في شكاوى العنف الاسري وعرضها على القاضي المختص ) ، كما نلاحظ لم يذكر المشرع اختصاص مديرية حماية الأسرة بإجراء مسح ميداني للعنف الأسري ، فمن أين جاء لها الاختصاص في ذلك ؟

أما رابع الملاحظات فنجدها في المادة التاسعة التي توجب على وزير الداخلية إصدار تعليمات لتنظيم تشكيلات المديرية ومهامها ، والمفروض ينظم هذا الأمر بنظام وليس تعليمات ؛ لأن الأول يضع قاعدة عامة تشبه القانون ، بينما تضع الثانية قواعد إجرائية تنفيذية ، على أية حال نلاحظ أن المشرع منح وزير الداخلية تفويض بالقيام بمهام هي في الأصل من صلاحية مجلس النواب ، ونجد فيه نوع من التسلّب من الاختصاص – أو الإغفال التشريعي – غير المباشر.

وخامس الملاحظات التي وجدناها في القانون المذكور ، عدم إخضاعه الشكاوى المتعلقة بالعنف الأسري للاختصاص المكاني ، هذه مخالفة صريحة لقواعد التقاضي ولقانون أصول المحاكمات الجزائية ، الأمر الذي يستوجب تعديل الخطأ الوارد في المادة 13 منه.

سادس الملاحظات ما وجدناه من إغفال لعدد مرات تجديد الإيداع في المركز الآمن المنصوص عليه في المادة ( 15 / ثانياً ) من مشروع القانون محل الدراسة ، إذ اكتفى المشرع بالنَص إمكانية التجديد دون ذكر عدد مراته.

أما الملاحظة السابعة – وبرأينا الخطأ الفادح – ما ورد من تدابير احترازية في المادة (18) من مشروع القانون ، ودونكم هذه الفضائع التشريعية :
أولاً: ( عدم التعرض للضحية وعدم التحريض عليها، أو على أي فرد من أفراد الأسرة أو على مقدم الإخبار ) ، ربما يكون هذا النص لا غبار عليه قانوناً ، لكنه في الحقيقة يؤدي إلى تملص أفراد الأسرة من حق التأديب الممنوح شرعاً وقانوناً للوالدَين ، والمثير للتعجب شمول المخبر بالحماية القانونية من التعرض، هذا النص سيفتح الباب لعشيق البنت أو الزوجة للإخبار الكيدي وطلب عدم التعرض له ولعشيقته من الأب أو الزوج – حسب الحال – ، مما يعني هدم الكيان الأسري الذي ينتج عن عدم تمكن الأخير من ممارسة حقه في تأديب أفراد أسرته.

ثانياً- ( منع المشكو منه من دخول منزل الضحية او الاقتراب من أماكن تواجده ) ، هذه كارثة تشريعية وليست خطأ تشريعي فحسب ، ماذا لو كان منزل الضحية هو منزل المشكو منه نفسه ؟ بل إنها الحالة الغالبة ، إذ أنَّ معظم القضايا التي توصف بأنها عنف أسري يكون طرفاها ساكنَين في نفس المنزل – كالأب والأولاد أو الزوج والزوجة – ، فهل يجوز شرعاً وقانوناً منع صاحب الدار من دخول داره التي يملكها ؟! أليس في هذا مصادرة لحق الاستعمال الذي يتفرع عن حق الملكية الذي تنص عليه المادة ( 1048 ) من القانون المدني وتحميه عدد من مواد قانون العقوبات؟

ثالثاً- ( تمكين الضحية، أو من يمثلها من دخول بيت الأسرة بوجود الموظف المكلف، لأخذ ممتلكاته الشخصية بموجب محضر اصولي ) ، هذا خطأ تشريعي سوف يؤدي إلى قيام الضحية – حسب وصف المشرع – بأخذ كل الأدلة التي قد تثبت تورطها بخيانة – كخيانة زوجية أو ممارسة البنت أو الأخت لعلاقة غير مشروعة – ، كالهاتف الذي توجد فيه صور للمحادثات التي تثبت العلاقة غير المشروعة أو الخيانة الزوجية ، كان ينبغي أن يقيد المشرع هذا الحق باشتراط عدم كون الشيء المأخوذ يرتبط بالدعوى.

خامساً- ( عدم الاتصال بالضحية سواء في المنزل، أو في مكان العمل، إلا إذا قصد منه الصلح الأسري بأشراف المديرية ) ، لم نتكلم عن الفقرة الرابعة التي تجيز ضبط السلاح اذا كان ضرورياً لأنها لا غبار عليها ، فقد يرى القاضي وجوب سحب السلاح اذا خشي من قيام صاحبه برتكاب جريمة ، لكن الفضيع ما وجدناه في الفقرة الخامسة التي ذكرناها قبل قليل ، فما الحكمة من منع المشكو منه من الاتصال بالضحية إلا لحالات الصلح ؟ ماذا لو كان المشكو منه دائناً للضحية ويريد الاتصال بها لاستيفاء دَينه ؟ فهل يحق لنا منع الدائن من استعمال حقه بحث المَدين على الوفاء بالدَين ؟ أليس في ذلك مخالفة شرعية وأخلاقية وقانونية؟ ثُمَّ بأي حق نسمح لمديرية حماية الأسرة بمراقبة الاتصال ؟ ألا يُعد هذا تجسس وانتهاك رحرية المراسلات المنصوص عليها في المادة ( 40 ) من الدستور ؟

سادساً- ( اشعار الجهات ذات العلاقة، بإيقاف العمل بالوكالة العامة أو الخاصة الممنوحة من الضحية للمشكو منه من تاريخ تقديم طلب الحماية ( ، ما علاقة العنف الأسري بالوكالة ؟ المعلوم أن سحب الوكالة يتم لأسباب مدنية – مالية – ولا شأن القضايا الجنائية بها اللهم إلا إذا حُكم على الوكيل بعقوبة سالبة للحرية تزيد على خمسة سنين ، ولا توجد مثل هذه العقوبة في مشروع قانون مناهضة العنف الأسري ، كما لا يوجد تدبير احترازي منصوص عليه في قانون العقوبات ينص على سحب الوكالة ، مما يعني أن المشرع يخلق تدبير احترازي بلا مسوغ مقبول.

سابعاً- ( إلزام مرتكب العنف بالخضوع لدورات تأهيل من السلوك العنيف في مراكز متخصصة ) ، ربما يكون هذا التدبير ضروري في حالات العنف الأسري الشديدة ، فلا نرى مسوغ لشمول كل مرتكبي العنف الأسري بالخضوع لمثل هذه الدورات.

الملاحظة الثامنة – أو الكارثة الثانية – وجدناها في المادة 21 من القانون محل البحث ، إذ تنص فقرتها الأولى على معاقبة المشكو منه الذي يخرق قرار الحماية بغرامة لا تقل عن خمس مائة ألف دينار 500000 ولا تزيد على مليون دينار 1000000 وفي حال عدم الدفع يعاقب بالحبس البسيط مدة لا تقل عن شهر ولا تزيد على ستة أشهر ، الملاحظ أن الغرامة باهضة جداً لا تتناسب جنائياً والفعل المرتكب ، فضلاً عن أن قرار الحبس معيب تشريعياً بالنظر له من زاويتَين : الأولى اذا كان بديلاً للغرامة فهو مخالف للمادة 93 من قانون العقوبات والمادة 5 من قانون تعديل الغرامات ، حيث تقضي الأخيرة بأن يعاقب المحكوم عليه بالغرامة فقط عند عدم دفع الغرامة بالحبس يوم واحد عن كل خمسين ألف 50000 دينار ، فكيف جعل مشروع قانون منهاضطة العنف الأسري الحبس ما بين شهر وستة أشهر بديلاً للغرامة ؟ المفروض أن يكون الحبس عشرين يوماً كحد أقصى ما دام بديلاً للغرامة التي لا تزيد على مليون دينار ؛ وإذا نظرنا له من زاوية ظرف مشدد وجزاء لعدم دفع الغرامة فمدة الحبس مفرطة لا داعي لها.

أما الفقرة الثانية من المادة 21 من مشروع القانون محل البحث فتعاقب مرتكب فعل خرق قرار الحماية بغرامة لا تقل عن ثلاثة ملايين 3000000 دينار ولا تزيد على خمسة ملايين 5000000 دينار في حالة العود أو اذا كان الضحية من أصول المرتكب لخرق قرار الحماية أو من ذوي الإعاقة أو صغيراً أو حاملاً أو ارتكب الخرق باستعمال العنف ، وفي حال عدم الدفع تكون العقوبة الحبس من ثلاثة أشهر الى سنة ، الملاحظ على النص أنه يخالف قانون تعديل الغرامات لأنه يقرر عقوبة غرامة للجناية مقابل فعل موصوف بأنه جنحة ، لأن صفة الجريمة تتحدد بمقدار مدة الحبس المنصوص عليه قانوناً ، وبما أن الحبس يتراوح بين ثلاثة أشهر وسنة فهي وفق مادة 26 من قانون العقوبات جنحة.

وبرأينا المتواضع يجب على المشرع أن يحدد مبلغ الغرامة في الفقرة الأولى بين أكثر من خمسين ألف 50000 دينار ومائتي ألف 200000 دينار ويجعل مدة الحبس بين شهر وثلاثة أشهر ، ويحدد مبلغ الغرامة في الفقرة الثانية بين بين أكثر من مائتي ألف دينار 200000 ومليون 1000000 دينار ويجعل مدة الحبس بين أكثر من ثلاثة أشهر إلى ستة أشهر؛ فالفعل المرتكب ليس من الخطورة بما كان بحيث يستأهل المعاقبة عليه بهذه الشدة المفرطة.

الملاحظة التاسعة / الأخيرة نجدها في المادة 23 التي تجيز للمحكمة الحكم بالتعويض بناءً على طلب المتضرر أو مَن يمثله قانوناً ، فهذه زائدة لأنها من ألف بائيات القانون ومن القواعد العامة المنصوص عليها في قانون أصول المحاكمات الجزائية.

في ختام الدراسة ، أود طرح سؤال : هل يؤدي القانون الى تقليل العنف الأُسري أَم يشجع على التفكك الأُسري ؟ بعبارة أخرى هل تسميته الصحيحة (قانون مناهضة العنف الأسري ) أَم ( قانون التشجيع على التفكك الأسري ) ؟

 

ينشر موقع “المسلة كتابات” جميع ما يرد اليه، شرط أن يكون خاليا من السب والشتم والأوصاف غير اللائقة على الجهات والشخصيات.

“المسلة كتابات” لا يتحمل مسؤولية الأفكار والآراء الواردة. المقالات والنصوص المنشورة تعبّر  عن وجهة نظر الكاتب فقط. 

Please follow and like us:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *