مفهومُ السَّكينةِ مابين مَكَّة ولاس فَيغاس

مفهومُ السَّكينةِ مابين مَكَّة ولاس فَيغاس

المسلة كتابات – علي الجنابي:

حدّثَنيَ التعيسُ “إبليسَ”، فقال:
أتعلمُ يا أنتَ أنَّ (مَكّاو) هي مستقرٌّ لشياطين الأنسِ في الأرض، ومستودعٌ للأباليس! إذ إنّها حازت أكبرَ كازينو للقمارِ في العالم بقلاعهِ والمتاريس؟ وإذ الكازينو – يا أنتَ – قد شُيِّدَ على مساحة أربعة كلم مربع، تطل على البحر بفضاءٍ فاخرٍ ونيس. أولستَ بمصدقيّ؟ إذاً فأذهبْ وتصفحْ الأنباء في وكالة (الأسوشيتد بريس). قد جرى تشييد الملهى من قبل شركةِ: “لاس فيغاس ساندييس”، و بإجمالي كلفةٍ ملياري دولار، ثم تبعها نصفُ مليار أُضِيفَ لل(إكسسوارِ) وال(سيرفيس). وقال رئيس المجموعة المالكة له (شيلدون أديلسون)، إنّه مشروعٌ واعدٌ بكل المقاييس، مضيفا أنّ الأمر ببساطة مُتَعلّقٌ بنقل (لاس فيغاس) إلى “مكاو” وجعلها للصخبِ وللنُصبِ والقمار المركز الرئيس.

الكازينو -يا أنتَ- قد حوى (3000) جناحاً فندقياً بأفخمِ زخرفٍ وبأثاثٍ نفيس، وبإنارةٍ من عجائبِ المصابيح وغرائبِ الفوانيس، و(1150) طاولة قمارٍ كي يحَمِيَ حولها الوطيس، و(7000) آلة نقدية للجادّين من أهلِ ال(بزنيس)، و(350 ) محلاً تجارياً ،ومركزاً للمؤتمراتِ، وملعباً وحدائقَ فيها ببغاواتٍ ومومساتٍ وطواويس. والكازينو يحمل اسم “The Venitian” ومُفَتَّحةٌ أبوابهُ للأثرياءِ ، ولعصاباتِ المافياتِ والسرّاقِ من خلفِ ال(كواليس) ـ ودخولُه مجانيّ لأعضاء (آيباك) ومثلهم في (الكونغريس)، بيدَ أنّ أبوابَهُ مُغَلَّقةٌ بوجهِ حثالاتِ الفقراء المناحيس.

أنا السيدُ إبليسَ! وقد بلغَ رقم الأعمال في ميدان القمار في “مَكّاو” في عامٍ واحدٍ نحو (14)مليار دولار ، ربحاً زُلالاً عبأتُهُ بيديَّ فإستقرَّ في الكيس.

فأنا السيدُ إبليسَ ولا فخر!

مهلاً عليَّ يا سيدُ إبليس ، فأنا ذو حظٍّ وافرٍ إذ أحدّثُكَ عياناً وأنتَ الرئيس.

أقولُ ، مادمتَ قد جنيتَ خزائنَ الأموالِ كلها مكدّسةً في كراديس.

وقد بنيتَ في أسواقِ كلِّ مدينةٍ في الأرض آلافاً مؤلفة من ملاهيَ لعراةٍ بصخبٍ، عاملةً ناصبةً من الخميسِ الى الخميس.

وقد عمّرتَ مراقصَ ليليةٍ لسراةٍ بجلبٍ، ومؤمّنةً بعيونِ (كاميراتٍ) ورجالِ (بوليس).

وقد عرشتَ بمهرجاناتِ الطربِ في ساحاتِ الأرض بسببٍ ودونَ سبب، تجذبُ بها العوائلَ الهوامُ من الأنامِ كجذبِ (مغناطيس).

وقد فرشتَ الأرضَ بمثليةٍ جنسيةٍ وجزرِ عراةٍ ولهوٍ ولعب، وبمكرٍ وخُبثٍ وتدليس.

وقد صيّرتَ الليلَ نهيقاً ودعارةً ونعيقاً إذا وقب، فمحوتَ كلماتِ الزبرِ والصحفِ الأولى والنواميس.

وقد صيّرتَ النهارَ بالظلامِ مُستَتِبَ، وللسحتِ الحرامِ مُستَحِب، ومرتَعاً للفزعِ والجفلاتِ والكوابيس.

مادمتَ أيّها السفيهُ:

قد أطَّرتَ كل أولئكَ وسيطرتَ، ومَكّنتَ شياطينكَ فَتَمَكَّنتَ، وزغردتَ عالياً بخُيلاءَ وغَرَّدتَ، فهلّا..

تدعْ لنا مكبرَ صوتٍ واحدٍ عندَ منبرِ “مكّةَ” بلا لَجَمٍ ولا تَكميمٍ ولا تنكيس؟ أفحقاً نَغَمُ آذانِ “مكّةَ” مُزعجٌ لكَ وللناسِ بضوضائهِ وخسيس؟

أفحقاً منابرُكَ كلُّها هادئةٌ وهانئةٌ ويُطَيِّبُ صخبُها ويشفي عِللَ بني آدم، ويدغدغُ مافيهم من أحاسيس، ولربما باتت تغفو على ألحانهِ مُتَسَلطِنةً حتى قِططنا والجواميس.

هلّا تَكَرَّمتَ عليَّ يا إبليس فتصدرَ أوامركَ لوكلائكَ القابعينَ في القصورِ بين المتاريس، بأن يغضّوا الطرفَ عن صوتِ ” مَكّةَ” ومساجدَ أمةِ محمد كونها بقيةَ ملاذٍ لنا، وللنفسِ نقاهةٌ وتنفيس؟

ووعداً منّا لكَ يا إبليس..

أننا لن نكونَ عابدينَ على خطى النبيّ سيد الثقلينِ أو خطى أخيه النبي “إدريس”، بل سنبقى لكَ أوفياءَ في كلِّ نُسُكٍ نُؤَديهُ بوسوسةٍ وتثاقلٍ وإقتصادٍ، وبقبسٍ قليلٍ من خشوعٍ و تقديس.

ردّنيَ إبليسُ بغضبٍ صببٍ وحقدٍ حبيس:

“ويحكَ يا أنت، أما علمتَ أن جعيرَ”مَكّاو” أحبُّ إليِّ من زئيرِ “مكّةَ” وما حولها من تضاريس، وأنَّ كلَّ قوايَ مسخرةٌ لتكونَ “بّكّةُ” أثراً نُكراً في القراطيس؟ فكم أنتَ ساذجٌ -بسؤلكَ هذا- أيها المُسلمُ الموحِدُ البئيس!

(مُسلمٌ موحِدٌ بئيس)! أوَأنا بنظرِ إبليسَ التعيس: (بئيس)؟ وقد كنتُ أظننيَ – وحتى زمنٍ قريبٍ – المُكَرَّمَ على ظهرها، وأنّهُ هو وجنودهُ التعيسُ السفيهُ والبئيس!

أأضحى نغمُ آذان (مكّةَ) ومنبرُ الجمعةِ مزعجاً للمزاجِ والأحاسيس!

أوَقدِ (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ) عن مُنقَلَبٍ عقيمٍ عجزت عن وصفِهِ المقاييس، و(لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ) ببايدنَ وميركلَ وفرويدَ وسارترَ بتقديس، ثم بتمجيدِ بيكاسو وبتهوفنَ وعنخ آمونَ ،وذاكَ الثانيَ ما إسمهُ ؟ أظنهُ : الربَّ الأحولَ رمسيس.

أوَقدِ إقتربتِ الساعةُ وتسيّدت ” مكّاو” الأرضَ يا إبليس؟ وطغى جنودكَ : شاكيرا وحسن شاكوش وهنري كيسنجر وكازم الساهر ومن قبلهم جاكسون وخوليو والفيس، و..هلمَّ جَرَّا من رعاعٍ ونسانيس.

ضَحِكَ إبليس ضحكةً صفراءَ ولم يُعَقِّبْ.

 

ينشر موقع “المسلة كتابات” جميع ما يرد اليه، شرط أن يكون خاليا من السب والشتم والأوصاف غير اللائقة على الجهات والشخصيات.

“المسلة كتابات” لا يتحمل مسؤولية الأفكار والآراء الواردة. المقالات والنصوص المنشورة تعبّر  عن وجهة نظر الكاتب فقط. 

Please follow and like us:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *