كَسَّارُ وحقنَةُ الحُمَّى

كَسَّارُ وحقنَةُ الحُمَّى

المسلة كتابات – علي الجنابي:

حَدَثٌ ذكَّرنيهُ حفيدُ أبي خلف..

وأبو خَلَف هو” كَسَّارُ” شَيخٌ عَجوزٌ، جارنُا بالجَنبِ مذُ بدء قَرنٍ إندرَسَ و سَلَف. رَحَلَ الشيخُ عنّا في ثَمانينياتِ ذاكَ القرنِ، وفي طيّاتِهِ قد دَلَف. شيخٌ فؤادُهُ بينَ الأرحامِ مؤتلِف إن أغْدَقَ و مؤتلَف إن قَطَف، وخلجاتُهُ بين الأنامِ لاصفةٌ إن حَدَّقَ أو إن وَصَف، وبديهتُهُ بين الكرامِ عاصفةٌ إن أشفَقَ أو إن عَصَف، وقفشاتُهُ في الخصامِ قاصفة إن أطرَقَ أو إن قَصَف.

أبو خلفٍ لهُ من الخَلَفِ وَلَدٌ وَحيدٌ، إي نعم هو:”خَلَف”. وخَلَفٌ مُضَمِّدٌ ماهرٌ، وفي صالةِ العملياتِ مَشرَطُهُ مُحتَرَمٌ ومُعتَرَف.

وقد تأبَّطَ الجَارُ” كَسَّارُ” حُقنةَ حُمّىً، وما يلازمُها من أففٍ وقَرَف، وراحَ يتهادى بخُطاهُ، وجفنُهُ يغضُّ الطرف، صوبَ دارِ”أبي سالمَ” ، دارٌ جاثمةٌ في ذاتِ الطرف. وسالمٌ هذا تلميذٌ في أوّلِ سنةِ في الطّبِّ قدِ إعتَكف،:

“أزرُقْني سالمَ، يانُطفةً لطبيبٍ مازالَت في النُطَف! أوَمَلَكَت يميني مُضَمِّداً وطبيبا، يا لذاك من ظرائفِ الطُرَف ولطائفِ الصُدَف”.

زَرَقُهُ سالمُ بإبرةٍ مُغَمَّسةٍ بودٍّ وتوقيرٍ وشَغَف، ثمَّ أردفَ قائلاً لأبي خلَف:” صِحَةً وعُمُراً حميداً وحديداً يا جدَّنا أبا خَلَف”.
قهقهَ الشيخُ لدُعاءِ”سالمَ” وإستَهجَنَهُ، بل وعلى ذلكَ حَلَف:

” واللهِ -يا نُوَيّةً لطبيبٍ، لا صِحَّةَ من تحتِ يديكَ ولا من ولدي خَلَف! وأنّى للصِّحَةِ أن تغشانيَ كما غَشّى كَفّيَ الكَلَف”؟.
ردَّ سالمُ على إستحياءٍ، وبحرفٍ قد إعتَصَرَهُ عصراً وبهِ صَفَف:”علامَ التّطَيِّرُ يا شَمعةَ الحيِّ، وعلامَ اليمين والحَلف!”.
إستَلَّ أبو خَلَف مما في ناموسِهِ من لُطَف، وتَلَّ من قاموسِهِ حُقنَةً وعَطَف:

” قد وَخَزتَني مَجّاناً، وحُقنتي قد سَرَقَها مِنَ المَشفى خَلَف! فأنّى لصّحةٍ أن تَرِدَ بَدَنَ أبي خَلَف! فماهذا الزّمانُ ياسالمُ، وماهذا القَرَف”؟!

هكذا كانَ يتحدَّثُ زمانُ ” كَسَّارُ” أبو خَلَف!

زمانٌ موسوسٌ مُوَهوسٌ من سُحتٍ، ومن وَجَفٍ، ومن رَجَف، ومُهفهفٌ ومُشَفشفٌ بالشرف، زمانٌ خشيَ ربَّهُ بالغيبِ، وجعلَ رضوانَ ربِّهِ ذؤابةَ أمانيّهِ، وهي لنبضِهِ شغفٌ وترف.

زمانٌ لم يُفَرِّقْهُ تَحلُّقاً لمرتبٍ أو عنوانٍ ، ولا يَهتَمُّ للبئرِ إن نضَخَ أو إن نّشَف، زمانٌ لم يؤَرِّقْهُ تَمَلُّقاً لسلطانٍ، وتَهَجَّدَ بينَ يديهِ وأستسلمَ وإعتَرَف،
زمانٌ ما لَهَثَ وراءَ درهمَ على أنقاضِ موطنِهِ، لِيَقبِضَهُ بفَرحٍ، ويُوَلّي متحايلاً إن إنصَرَف.

زمانٌ يدَندِنُ: “ليشمخ البنيانُ ياوطني، ولا حَرَجَ إن مَلَأتُ الحوايا من لحمِ كتفٍ أو من عَلَف”.

زمانٌ يغفو بعَينٍ، وعينٌ تهفو للوثوبِ على الهَدَف! أيُّ هَدَف! لكَ الحقُّ -ياجليس- أن تَستَفهمَ عن الهَدَف، وقد تُهتَ، فما عُدّتَ تَميزُ ال…وسادةَ مِن اللّحَف. إنّهُ (الأقصى) الهَدَفُ، أوَما سَمِعتَ عن ذا الهَدَف؟ قِبلةٌ في فِلسطينَ، عزفُ القردِ بـ “هاتيكفاه” في محرابها، فنَزَف المحرابُ وإنخسفَ.

زمانٌ لا تيوسَ فيه، ولا يَؤوسَ ولا نُتَفَ، ولا جاسوسَ ولا قُحَف .

وذاكَ زمانُ ” كَسَّارُ” بقيّةُ الزّمانِ الذي ..عَفَّ وما حَلَف، وجَفَّ وما أفَف، وصَفَّ وما ضَعَف، ونَسَفَ وما أسف، وعَنَّفَ بأَنَف، وخَفَّ فَدَنَفَ معَ الصّافِّينَ في العَنانِ في عزّةٍ وعُنفوانٍ وأَنَف.

رَحِمَ الله زماناً كانَ فيهِ كَسّارُ ، المُكَنّى: أبو خلف.

فَهَلّا أعدناهُ، وأنقذنا الضمائرَ من التَلَف،هَلّا أشَدنا بفجرٍ لا رَفثَ فيهِ، ولا لَهْثَ وراءَ كأسٍ من خَزَف، ولاتَزَلُّفَ لذي مالٍ، ولا شُحَّ ولا تقتيرَ ولا سرف،
ولا أيْمَانَ كَذِبٍ مُغَلَّظَةٍ، وما لإحدٍ فينا إن تَحَدَّثَ حَلَف، هَلَا أجَدْنا بالعفافِ، وأبَدْنا بسماتٍ من كذبِ، وسرقاتِ الحُقنِ كما سرقَها من المشفى خلف؟

وما سرَقَ خلف، بل هكَذا تَوَجَّسَ وهكذا خُيِّلَ لأبي خلف.

 

ينشر موقع “المسلة كتابات” جميع ما يرد اليه، شرط أن يكون خاليا من السب والشتم والأوصاف غير اللائقة على الجهات والشخصيات.

“المسلة كتابات” لا يتحمل مسؤولية الأفكار والآراء الواردة. المقالات والنصوص المنشورة تعبّر  عن وجهة نظر الكاتب فقط. 

Please follow and like us:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *