كتابة التأريخ أم إعادة كتابته؟

المسلة كتابات – د. فاتح عبدالسلام:

كثر رواة التاريخ العراقي المعاصر، الذي لايزال الناس يمتلكون عنه من تفاصيل ومعلومات ملايين المرات أكثر مما يظهر في قنوات على مواقع التواصل الاجتماعي واليوتيوب خاصة، وهي تتناول صفحات مثيرة لجدل كبير بين العراقيين، لاسيما انّها تجربة جديدة في كشف اوراق تاريخ ما اعتادوا من قبل ان يتم تسليط الضوء عليه كما أن عدداً كبيراً من شهوده على قيد الحياة.

لكن سمات الانحياز والتبويب والتجيير والدوافع الشخصية والسياسية والطائفية لا تزال مهيمنة على التوجهات العامة لبرامج عرض تاريخ العراق المعاصر، والذي يقصد به، تاريخ الاحداث والشخصيات والمواقف في عهد النظام السابق حصراً. إنّها فترة مفصلية من تاريخ الدولة العراقية وقعت فيها، وعلى تراب واحد، ثلاث حروب كبرى لم يشهد العالم مثيلاً لها بعد الحرب العالمية الثانية.ولحقت تلك الحروب وعلى تراب العراق ايضاً حرب رابعة طاحنة لم تزل آثارها شاخصة وعميقة ومرعبة.

إن الجامعات العراقية اهتمت بدراسة فترات مهمة في العهد الملكي وما بعده من عهود جمهورية منذ نهاية الخمسينات الى نهاية الستينات، وخرجت لنا دراسات موثقة رصينة عن الحياة البرامجية والعلاقات العراقية العربية في فترة الوحدة مع مصر وسوريا والاحداث التي كان الرئيس المصري الاسبق جمال عبدالناصر في صلب محركاتها.

فضلاً عن الحروب العربية المتعلقة بفلسطين ومشاركة العراق فيها . لكن الدراسات الاكاديمية الموثقة غير السياسية تكاد تغيب عن تناول الحقبة التي باتت مادة لقنوات اليوتيوب الخاصة، وهي تتوافر على مفاتيح مهمة أحياناً تدعو للتعمق في دراسة تاريخ، هو عراقي بامتياز، سواء رضينا أو سخطنا عليه، فالتاريخ لا يمكن اجتثاثه وصار جزءاً من الماضي المنتهي، ولعل الروايات المزيفة أو الناقصة ستكون سبباً في غياب فترة يقر الجميع انها أساسية وغير مشبعة الدراسة والبحث والتنقيب ، وقد كتبت دراسات في اطار اعادة كتابة التاريخ تبناها النظام السابق ابان الحرب مع ايران ،ووقعت في تلك النظرة الاحادية ذات الرقابة العقائدية الصارمة ، لذلك لم يمكث منها على سطح البحث العلمي أي شيء ذو قيمة مختلفة. يجب ان لا تتكرر تلك الاخطاء مرة أخرى، لاسيما فيما يخص الملفات العراقية المشتبكة مع ملفات دول الجوار وملفات عالمية كبيرة في خلال أكثر من ثلاثين سنة وهي فترة مفصلية في النظر البحثي للنصف الثاني من القرن العشرين.

لعل مصطلح اعادة كتابة التاريخ بحد ذاته يتوافر على انحياز ضمني.

 

ينشر موقع “المسلة كتابات” جميع ما يرد اليه، شرط أن يكون خاليا من السب والشتم والأوصاف غير اللائقة على الجهات والشخصيات.

“المسلة كتابات” لا يتحمل مسؤولية الأفكار والآراء الواردة. المقالات والنصوص المنشورة تعبّر  عن وجهة نظر الكاتب فقط. 

Please follow and like us:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *