فلسطين وأسئلة العراق الداخلية

فلسطين وأسئلة العراق الداخلية

المسلة كتابات – ابراهيم العبادي:

كثيرة هي القضايا التي ينقسم بشأنها العراقيون ويتمايزون بسببها ايديولوجيا، إذ صارت لعبة الانقسام جزءا من سلوكنا السياسي اليومي، فثمة من يريد جعل هذا الانقسام هوية فكرية- سياسية، يحدد في ضوئها (الاخر) المقابل أو المخالف أو المتناقض معه.

اختلافاتنا العديدة التي تزداد تعقيدا، لم تكن وليدة السنوات المنصرمة فحسب، بل بعضها ورثناه من اسلافنا يوم تمايز العراقيون في كيفية ادارة الدولة ودمج المجتمع وتحديد اولويات التنمية السياسية والثقافية والاقتصادية، علاوة على هوية الدولة وطبيعة نظامها السياسي وقضايا المجتمع الاساسية.

منذ ولادة الدولة الحديثة عام 1921 كان هناك اختلاف وجدل تبلور لاحقا في تيارات سياسية ذات طبيعة ايديولوجية، كلها تنادي بالعدالة الاجتماعية وحقوق الشعب ومقاومة الاستعمار وتحقيق الوحدة، وقد انفردت التيارات القومية، خصوصا بعد صعود الناصرية، بالمناداة بالوحدة العربية وجعل فلسطين قضية مركزية للنضال العربي، واصبح شعار( كل شيء من اجل المعركة) حجر الزاوية في الايديولوجية العربية المعاصرة، بانتكاسة المشروع القومي بعد هزيمة 1967 وتبدل الاهتمامات نحو المشروع القطري كانت المنطقة على موعد مع صعود الاحيائية الاسلامية على انقاض المشاريع القومية والماركسية وذهبت تنظيرات القوميين ادراج الرياح بتحول اعتى الاحزاب القومية التي استولت على السلطة الى احزاب ضد الوحدة القومية عمليا وتحول الطريق الى القدس نحو وجهات طائفية او قطرية بائسة، في هذه الاثناء عادت لغة الخطاب الاسلامي تسترجع مفاهيم الصراع الحضاري بين المشروع الغربي والمشروع الاسلامي، وساهمت تنظيرات المرحوم الدكتور فتحي الشقاقي (1951-1995 اغتاله الموساد الاسرائيلي في مالطا) مؤسس وزعيم حركة الجهاد الاسلامي الفلسطينية في اشاعة مفهوم القضية الفلسطينية، قضية مركزية للعرب والمسلمين بمختلف توجهاتهم القومية والدينية، املا في ان يكون ذلك دافعا للمسلمين نحو النهوض العلمي والثقافي والاقتصادي والعسكري لموازاة التحدي الذي فرضته الحركة الصهيونية باعتبارها ربيبة المشروع الاستعماري الغربي في المنطقة، وكان لصعود الاسلام الشيعي وتحديد يوم للقدس في اخر جمعة من رمضان على يد مؤسس الجمهورية الاسلامية، وتاليا توحيد حزب الله اللبناني بين شعار تحرير الجنوب اللبناني المحتل ومقاومة التوسعية الاسرائيلية.

اليوم يجيء الصراع الذي حركته عدوانية اسرائيل ضد سكان حي الشيخ جراح في القدس، ليتيح فرصة لعبور خطوط الانقسام الطائفي والقومي وصراعات المصالح اعلاميا وتعبويا، وليكون جيل الصواريخ ذات المصدر الايراني عنوانا لمرحلة جديدة غير مرحلة جيل الحجارة وانتفاضة القبضات الخالية غير المسلحة التي جلبت التعاطف الدولي.

لكن كيف نتفادى توظيف الشعارات العابرة للحدود في لعبة صراع النفوذ السياسي الاممي، واستجلاب القوة والمكاسب في بلدان يتصاعد فيها حجم الخراب الداخلي بسبب صراع التيارات المؤدلجة وتفشل في بناء الحد الادنى من مقومات الصمود للدخول في معركة اشمل واكبر من معركة بناء وطن؟

تعودنا الهروب من المشكلات المحلية بتعويمها، والانخراط بمشاريع كبرى نحشد لها عاطفيا وننظّر لها ستراتيجيا بحكم العواطف الدينية والمشاعر الانسانية وننسى انها معركة الكون وبؤرة الصراع الحضاري كما يسميها منير شفيق (مفكر فلسطيني)؟ اشك اننا استوعبنا مرحلة الشعاراتية القومية التي انتجت اجيال الضياع واليأس والاحباط، لنؤسس على انقاضها مرحلة الانسان القادر على خوض التحديات الكبرى بحجم تحدي الدولة اليهودية في المنطقة.

 

ينشر موقع “المسلة كتابات” جميع ما يرد اليه، شرط أن يكون خاليا من السب والشتم والأوصاف غير اللائقة على الجهات والشخصيات.

“المسلة كتابات” لا يتحمل مسؤولية الأفكار والآراء الواردة. المقالات والنصوص المنشورة تعبّر  عن وجهة نظر الكاتب فقط. 

Please follow and like us:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *