علي عزيز السيد جاسم يكتب لـ المسلة عن والده الراحل: رحلة الى البقاء (3)

علي عزيز السيد جاسم يكتب لـ المسلة عن والده الراحل: رحلة الى البقاء (3)

المسلة كتابات – علي عزيز السيد جاسم:

واعود الى احداث ما بعد العودة الى بغداد عام 1991 ، حيث اكد شاهد عيان ، اتحفظ على ذكر اسمه حماية له ، في شهادة دونها امام المحكمة الجنائية العراقية العليا التي تشكلت عقب 2003 لمحاكمة اركان النظام السابق ، وكنت قد قدمت شكوى فيها بهدف الحصول على معلومات عن مكان جثمان السيد وطريقة قتله وبيد من ـ فلا حاجة لتفاصيل اسباب التصفية لدينا نحن اسرته ، لقد عرفناها منذ سنوات طويلة ـ كنا نريد دفنه بما يليق  اكراما له،  لكن النهايات المفتوحة هي الاكبر تأثيراً والاكثر جدلاً ودلالة. يقول الشاهد : (ان السكرتير الصحفي لصدام حينذاك  ـ نهاية آذار 1991 ـ  جاء الى السيد وهو في محله (المكتبة) وكنت جالساً معه ، كان السكرتير يعرف السيد وعلى علاقة صحفية معه ، وطلب منه ان يتمشيا سوياً ، وبعد مدة عاد السيد وحده الى المحل ، وعندما سألته عن الذي يريده ذلك الشخص اخبرني بالنص (انهم يريدونني ان اشتم أهلي) ، و ذكر السيد انه ـ أي السكرتير الصحفي لصدام (هـ ، الـ) جاءه بأمر منه عبارة عن قصاصة ورقية ـ للكتابة ضد اهل الجنوب ، والتشكيك بأصولهم العربية ، وانهم جاؤوا من الهند مع محمد القاسم ونسائهم …..الخ من اساءات ، وطلب مني الجواب فورا لإعادته الى القصر.

يقول الشاهد : وماذا اجبته؟

قال السيد : بالرفض طبعاً.

وبهذا الصدد يذكر الدكتور محسن جاسم الموسوي : حذرته ونحن على الرصيف قرب منزله ان شائعات تقول انهم ينوون اعتقاله ، وان نوري المرسومي (وكيل وزارة الثقافة والاعلام) يوصي ان يكتب مقالة ما ضد تمرد (العامة) وغير ذلك ، قال لي : ما الذي تبقى؟ كشفوا عن عورتهم بفجاجة ، ولم يعد هناك ما يستدعي التشبث بالحياة.. كان واجماً ، كئيباً.

ويضيف الموسوي : يذكر الاستاذ بابكر محمود رسول وزير العمل والشؤون الاجتماعية (1977 ـ 1989 ) انه في اجتماع لمجلس الوزراء ذكر رئيس المجلس (صدام) اسم السيد عزيز بغضب بعدما نال منه احد الوزراء لمقال ظهر له ـ اي للسيد ـ ويقول رسول معقباً : كان ينبغي ان يغادر عزيز منذ ذلك الحين.

والمقالة المشار اليها تسخر من رقابة وزارة الثقافة والاعلام ونشرت بجريدة (العراق) عام 1989 كما سنأتي عليها ، والوزير الذي حاول النيل من السيد هو وزير الثقافة الذي لم تجز وزارته طباعة كتاب علي بن ابي طالب سلطة الحق عام 1988.

كانت سلطة صدام قد تزعزعت تماماً ، وكان شبه متأكد بأن السلطة على وشك الضياع من يده قبل تمكنه من قمع الانتفاضة بطرق اجرامية بشعة ، تمادت وتجاوزت كل الاصول والاعراف الانسانية والاخلاقية والدولية ، وبعد تمكنه من قمع المنتفضين حاول الاساءة والتشكيك بأصول أهل الجنوب تمهيداً للانتقام منهم على ما فعلوه من انطلاق الشرارة الاولى للانتفاضة وانهيار سلطة صدام في نحو 14 محافظة كما تشير لذلك المعلومات والوقائع.

وتؤكد بعض المعلومات التي وردت الينا من بعض الاصدقاء الذين كانوا على صلة بالسلطات في حينها ان السيد كتب رداً على المقالات الست او السبع التي نشرت في جريدة (الثورة) بدءاً من 3 نيسان 1991 وصولا الى المقالة الاخيرة في 14 نيسان اي قبل يوم من اعتقال السيد على الرغم من عدم الاشارة مسبقاً الى انها المقالة الاخيرة او الحلقة الاخيرة من تلك المقالات ، ويربط الباحث  سلمان رشيد الهلالي ، الحاصل على شهادة الماجستير عن دراسته الموسومة (عزيز السيد جاسم ودوره الفكري والسياسي في العراق 1941 ـ 1991) والدكتور لاحقاً ، وهي من بين ابرز واعمق الدراسات التي كتبت عن السيد (رغم بعض الهنات والاسقاطات والتضارب في الطرح في بعض الاحيان) ذلك التوقف باعتقال السيد  بالقول  : ان الروايات والادلة المؤكدة لا تخطئ جانب كاتبها الاصلي ـ اي المقالات المشار اليها ـ وهو صدام حسين نفسه للأسباب الاتية :

1 ـ في لقاء مع طبيبه الخاص الفنان التشكيلي علاء بشير ، وعقب انتهاء الانتفاضة ذكر صدام امامه اغلب الاراء التي وردت لاحقاً في المقالات منها قوله (لا يمكن الوثوق بعرب الاهوار  : انهم يكذبون ويسرقون وليست عندهم نخوة .. انهم ليسوا مثلنا .. انهم بلا اخلاق لقد اتوا بثيرانهم السود من الهند ، لان العباسيين كانوا بحاجة الى ايد عاملة).وهذا اعتراف ضمني وغير مباشر بانه الكاتب الحقيقي لتلك المقالات.

2 ـ اعترافه الصريح بخط يده في تقرير سري بعنوان (خطة المعركة) وهو عبارة عن مذكرة سرية داخلية مؤرخة في 20 كانون الثاني 1992 وزعت على المقرات الحزبية وضباط الارتباط في كركوك يقول فيها : (اننا في القيادة والحزب نعتبر الفصائل التي رفعت السلاح بوجهنا خلال هيجان الغوغاء على انها لا تتحلى بالمسؤولية ، وقد عجزت عن ادراك مبادئ الحزب القائد. ومقالاتنا في جريدة الثورة في اعقاب ما يسمونه بالانتفاضة كافية لهؤلاء حتى لو جرحت وخدشت البعض منهم).

3 ـ ان جرأة هذه المقالات وصراحتها في الهجوم المباشر على اوسع القطاعات والفئات الاجتماعية والمذهبية في العراق (الشيعة والاكراد) ، تدل على ان كاتبها ليس فوق القانون فحسب ، بل فوق الدولة نفسها ، وفوق امنها الوطني ووحدتها التي تعرضت الى التفكك والانهيار.

4 ـ في المقالة الرابعة التي نشرت في 7 نيسان 1991 اعترف صاحبها ان العراق دولة قمعية ، وان هذه النزعة التسلطية لها ما يبررها ، وهي مرحلة ضرورية لنهوض الامة ماديا ومعنويا. وبالطبع ليس لاحد الجرأة في البلاد انذاك من يستطيع القول ان العراق دولة قمعية ، غير رئيس الدولة.

5 ـ رد الفعل المتطرف والقمعي من قبل الاجهزة الحكومية والامنية ، ضد المنتقدين والمعترضين على هذه المقالات بالسجن ثم الاعدام (كما حدث لعزيز السيد جاسم وضرغام هاشم) يعطي الاجوبة بان كاتبها هو فوق النقد والاعتراض.

ويقول الاديب نعيم عبد مهلهل انه زار السيد بمعية الاديب والقاص الراحل احمد الباقري في مكتبه ببغداد وذكر لهم السيد بان الاديب عبد الرحمن طهمازي (من سامراء) يفكر بالكتابة عن الشخصية الجنوبية من زوايا الارث الحضاري والتاريخي ـ في اشارة الى قضية الرد على المقالات التي نشرتها (الثورة) ـ فقلت له : ربما تريد يا استاذ ان ترد على المقالات التي نشرت بشأن سكان الاهوار او الجنوب عموما ، لكنه لم يجب بصورة مباشرة ـ الكلام لمهلهل ـ وقال السيد : ان المحن هي التي ستصنع الاساطير. فقلت : محننا كثيرة ولم نر الى الان اي اسطورة. ابتسم وقال : ولدي نعيم سترى.

ان اعتقال عزيز السيد جاسم في اليوم التالي ، من آخر مقالة نشرت في 14 نيسان 1991 ، التي حملت عنوان (الاكراد والتركمان والكفاح من اجل السيادة ـ بيان 11 آذار) لم يكن باعتقادي مصادفة تاريخية ، كما ان انقطاعها المفاجئ ايضا ، بعد اعتقال السيد ، لم يكن مصادفة اخرى ، لاسيما ان كاتب هذه المقالات ، لم يشر الى المقالة السادسة على انها (الحلقة الاخيرة) وانما كان انقطاعا مفاجئا قد حصل بعد ذلك الاعتقال ، لذا فاني اعتقد ان السيد لم يعتقل بسبب اعتراضه على تلك المقالات فحسب ، بل ان اعتقاله قد اوقف نشر هذه المقالات ايضاً ، اذ ربما تفاجأت السلطة الحاكمة بمدى انتشار الغضب والاستياء في الاوساط الثقافية بسببها ، خاصة ان الاغلبية الساحقة من الادباء والفنانين والكتاب والاعلاميين في العراق يرجعون في اصولهم الاجتماعية الى المنطقة الجنوبية ، وبالتحديد الى المحافظات الثلاث التي تعرف بمثلث الاهوار (البصرة وذي قار وميسان).

واذا ربطنا بين ما قاله وكتبه الاستاذ مؤيد البصام عن عزيز السيد جاسم (إنسانا) المنشور من ضمن الدراسات التي جمعها الجزء الاول من هذا الكتاب ستتوضح صورة محنته مع النظام في ايامه الاخيرة ، المحنة التي اختارها هو بنفسه ، متحدياً الصعوبات ومتجهاً نحو مصير اختطه لنفسه منذ زمن ، كما قال ذلك لنعيم عبد مهلهل الذي كان شاباً في العشرينات من عمره في وقتها.

 

 

ينشر موقع “المسلة كتابات” جميع ما يرد اليه، شرط أن يكون خاليا من السب والشتم والأوصاف غير اللائقة على الجهات والشخصيات.

“المسلة كتابات” لا يتحمل مسؤولية الأفكار والآراء الواردة. المقالات والنصوص المنشورة تعبّر  عن وجهة نظر الكاتب فقط. 

Please follow and like us:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *