علي ابن ابي طالب رائد علم الادلة الجنائية

المسلة كتابات – زهير جمعة المالكي:

يعرف علم الأدلة الجنائية بانه تطبيق النهج العلمي والوسائل العملية في التحقيقات الجنائية؛ من خلال جمع الأدلة وفحصها وتقييمها. ويشمل مصطلح علم الادلة الجنائية الطب الشرعي وعلم النفس والانثروبولوجيا والتحليلات الطبية والبصمات وعلم السموم و الحشرات . دأب تاريخ العلم ان يشير الى ان بداية ظهور علم الادلة الجنائية بصورته الحديثة كان على يد الفرنسي (إدموند لوكار) واضع المبدأ المعروف باسم مبدأ لوكارد، والذي ينص على أن “كل اتصال يترك أثرًا ” والذي اسس أول معمل في التاريخ للتحقيقات في مواقع الجريمة، في مدينة ليون الفرنسية عام . وكذلك قيام السيدة (فرانسيس جلسنر لي) بتأسيس (مدرسة هارڤارد للطب الشرعي). ولكن لو رجعنا الى دراسة التاريخ الحقيقي (لعلم الادلة الجنائية ) وتأسيسه كعلم منفصل قائم بذاته انما يرجع الى الامام علي ابن ابي طالب (عليه السلام ) وسوف نبحث في هذا ونثبته بعيدا عن القداسة الدينية التي تحيط بشخصية الامام.

اولا يجب ان نحدد ما المقصود بمصطلح (علم ) ففي اللغة مصطلح العلم هو مصدر الفعل عَلِمَ، وجمعه عُلوم، وهو: (إِدراك الشيء بحقيقته)،فالعلم يرتكزعلى  المنهجية العلمية القائمة على دراسة البيانات ووضع فرضيات لتفسيرها ويقوم باختبارها وكل هذه العملية للوصول إلى معرفة قائمة على التجربة والتأكد من صحتها بدل التخمين. وبهذا يختلف (العلم ) عن (المعرفة ) التي هي حصيلة الآراء والتصورات والحقائق والمعتقدات التي يكوّنها الفرد من تكرار محاولته لفهم ما يحدث حوله من ظواهر،وكما ورد في قاموس أوكسفورد فالمعرفة هي الخبرات والمهارات المكتسبة من قبل شخص من خلال التجربة أو التعليم ؛ الفهم النظري أو العملي لموضوع معين.

من هذا المنطلق وبمراجعة تاريخ الامام علي نرى انه نقل الادلة الجنائية من كونها معرفة تعتمد على التجارب الشخصية والذكاء الشخصي للمحقق الى علم له قواعد واصول فهو لم يكن يصدر احكام قضائية بدون ان يبين الاسس التي اقام عليها حكمه ووضع القاعدة التي يجب على المحقق ان يتبعها في جمع ودراسة وتحليل وتقييم الادلة . ابتداء من دراسة موقع الجريمة وحتى اصدار الحكم وهذا ما سنتناوله بالتفصيل.

لقد وضع الامام علي ابن ابي طالب (عليه الصلاة والسلام ) اول واهم خطوة في التعامل مع الادلة الجنائية وهي قاعدة دراسة موقع الجريمة .

فالمحقق الناجح يجب ان يتعلم اولا كيف يبدأء بجمع الادلة من خلال دراسة موقع الجريمة لجمع الأدلة الواضحة التي ما زالت موجودة في الموقع انطلاقا من القاعدة التي نسبت لاحقا الى (ادموند لوكار) من اي كل اتصال يترك اثر ويمكن ان تشمل تلك الاثار سلاح الجريمة، وبصمة اليد، وآثار الدماء. ففي قضية عرضت على الامام علي في بقرة قتلت حمار فقال “ان كانت البقرة دخلت على الحمار في مامنه فعلى ربه قيمة الحمار لصاحبه، وان كان الحمار دخل على البقرة في مامنه فقتلته فلاغرم على صاحبها”. فهنا الامام علي (عليه الصلاة والسلام ) يطلب من المحقق ان يقوم بدراسة موقع الجريمة ليعرف هل البقرة دخلت على الحمار ام العكس . كذلك وضع الامام علي عليه الصلاة والسلام قاعدة الاستعانة باهل الخبرة في جمع الادلة فليس على المحقق ان يكون خبيرا في كل المسائل الطبية والحسابية والعلمية ولكن عليه ان يستعين باهل الخبرة في كل مجال وكذلك اللجوء الى علم التشريح كاحد الادلة في الدعوى الجنائية ومنها ما جاء في قضية المرأءة التي اتهمت بالزنا ، وجى ء بها الى امير المومنين(ع)، فامر النساء بالكشف عليها للوقوف على حقيقه الاتهام المسند اليها، فقلن بعد الكشف والمعاينه انها عذراء لسلامه غشاء بكارتها وهن اعرف بامور جنسنهن وخصائصه. فهذه المعاينه التى توجه الى تقريرها الامام علي تمثل دليلا فى قضائه اعتمده فى اثبات براءه تلك المراه من الاتهام الذى نسب اليها.فالخبرة تعد من اصول الاثبات عند الامام على سواءاكانت من قبل طبيب شرعى او من غيره من الخبراء، وذلك تبعا لاختلاف الواقعه المراد معاينتها . وكذلك في قضية الخنثى فقال الامام عليه الصلاة والسلام لقنبر،ادخلها بيتا ومعها امراة تعد اضلاعه ، فقال قنبر: يا امير المؤمنين، ما آمن عليها رجلا، ولا آمنها على امراة. فقال علي(ع): علي بدينار الخصي وكان يثق به ويقبل منه فقال:يا دينار، ادخلها بيتا ومرها ان تشد التبان ، ثم عرها من ثيابها وعد اضلاعها، ففعل ذلك، فكان اضلاعها اضلاع الرجال،ففرق بينهما، والحقها بالرجال، والبسها القلنسوة والنعلين والرداء.

بعد دراسة موقع الجريمة اكد الامام علي عليه الصلاة والسلام على اهمية الشهود باعتبار الشهادة هي إثبات واقعة معینة من خلال ما یقوله أحد الأشخاص عما شاهده أو سمعه و أدركه بحواسه بطریقة مباشرة، فالدلیل المستمد من الشهادة یكون إهتمام القاضي لأنه غالبا ما یحتاج في مقام وزن الأدلة إلى من رأى الواقعة أو سمع عنها أو أدركها، والشهادة عماد الإثبات فهي تقع على وقائع مادیة أكثر الأوقات. بالنسبة للامام علي (عليه الصلاة والسلام) فقد وضع اصول للشهادة يجب على المحقق مراعاتها عند النظر في الدعوى الجنائية وتشمل تلك الاصول :
1. تفريق الشهود.
2. شهادة النساء في الأمور الخاصة لهن.
3. شهادة الأربع في الزنا.
4. العدالة في الشهادة والشهود.

كما وضع الامام علي قاعدة استخدام الوسائل العلمية في دراسة الآثار المادية في المجالات الجنائية والتي تشمل التحقق ومعرفة صاحب الأثر كدليل إدانة بالنسبة للمتهم، أو تأكيد البراءة،من خلال التطبيق الدال على آلاثار العائدة الى صاحبها وحالته الصحية لمعرفة عدد الجناة وإيجاد الرابطة بين شخص المتهم والمجني عليه ومكان الحادث حتى يتم التعرف على كيفية ارتكاب الجريمة وتحديد نوع الجريمة المرتكبة ووسائل ارتكابها. ومعرفة آثار الجاني من منظور بيولوجي وأوجه دلالاتها على ملابسه، أو على الجثة سواء كانت تلك الاثارعلى الأرض أو على الأسطح المختلفة أو على المفروشات وغيرها. بالاضافه الى الأهمية الفنية للبقع والتلوثات الدموية في مجال التحقيق الجنائي لكونها تشمل معرفة هوية الجاني، وحركة وسلوكه وقت ارتكاب الجريمة، أو حركة المجني عليه بعد الإصابة، وبما يساعده في معرفة الزمن التقريبي لوقوع الحادث أو الجريمة ومعرفة سبب الوفاة في بعض الحالات، وإثبات حالات البنوة والأبوة أو نفيهما، وتحديد عدد الجناة وغير ذلك. ومما يستوجب دراسة اللعاب كأحد الآثار البيولوجية في مسرح الجريمة لرفعها وفحصها، للأهمية الفنية والجنائية للتلوثات اللعابية ومقارنتها ودلالاتها الفنية كونها من الاهميه في التحقيق الجنائي كونها تساعد التعرف على الجاني.ويتداخل السائل المنوي وأهميته في الجرائم الجنسية حيث تحدد أماكن بقع التلوثات المنوية، وإتباع الطرق العلمية لرفع الآثار المنوية لغرض الفحوصات المختبرية للكشف عنها والاستفادة منها لما للأهمية الفنية للبقع والتلوثات المنوية في المجال التحقيق الجنائي سواء في مجال إثبات المواقعة الجنسية، أو التعرف على هوية الجناة . اتي عمر بن الخطاب بامرأة، قد تعلقت برجل من الأنصار وكانت تهواه ولم تقدر له على حيلة، فذهبت فأخذت بيضة فأخرجت منها الصفرة، وصبت البياض على ثيابها بين فخذيها، ثم جاءت إلى عمر فقالت: يا أمير المؤمنين إن هذا الرجل أخذني في موضع كذا وكذا ففضحني قال: فهم عمر أن يعاقب الأنصاري، فجعل الأنصاري يحلف وأمير المؤمنين (عليه السلام) جالس ويقول: يا أمير المؤمنين تثبت في أمري، فلما أكثر الفتى، قال عمر لأمير المؤمنين (عليه السلام): ما ترى يا أبا الحسن؟ فنظر أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى بياض على ثوب المرأة وبين فخذيها، فاتهمها إلى أن تكون احتالت لذلك، فقال: ائتوني بماء حار قد اغلي غليانا شديدا، ففعلوا، فلما اتي بالماء، أمرهم فصبوا على موضع البياض، فاشتوى ذلك البياض، فأخذه أمير المؤمنين (عليه السلام) فألقاه في فيه، فلما عرف طعمه ألقاه من فيه، ثم أقبل على المرأة حتى أقرت بذلك، ودفع الله عز وجل عن الأنصاري عقوبة عمر. وكذلك استخدامه الوسائل العلمية في تحديد كون اللحم ذكيا اي مذبوحا على الطريقة الاسلامية ام لا فقد روي وقضى(ع) في سفرة وجد فيها طعام ولحمان ولم يعلموا انها سفرة مسلم او سفرة مجوسي يستحل اكل اللحم الميت. قال عليه الصلاة والسلام : يوضع اللحم على النار، فان تقلص وانقبض بعض الى بعض فهوذكي، وان لم يتقلص فليس بذكي.

بالنسبة لعلم النفس فقد بين الامام علي عليه الصلاة والسلام انه يمكن اللجوء اليه عندما تصل التحقيقات إلى طرق مسدودة، دون أي مفاتيح أو إشارات تقود إلى حل القضية. على ان يتم دراسة سمات الشخصية، وعاداتها، مما يُحتمل توافره في مرتكب هذه الجريمة. وبناءً على هذا، يتم توجيه المحققين نحو الطريق الصحيح. فقد اتي عمر بن الخطاب بجارية قد شهدوا عليها أنها بغت، وكان من قصتها أنها كانت عند رجل، وكان الرجل كثيرا ما يغيب عن أهله، فشبت اليتيمة فتخوفت المرأة أن يتزوجها زوجها، فدعت نسوة حتى أمسكوها، فأخذت عذرتها بأصبعها، فلما قدم زوجها – من غيبته رمت المرأة اليتيمة بالفاحشة، وأقامت البينة من جاراتها اللاتي ساعدنها على ذلك، فرفع ذلك إلى عمر فلم يدر كيف يقضي فيها، ثم قال للرجل: ائت علي بن أبي طالب واذهب بنا إليه، فأتوا عليا (عليه السلام) وقصوا عليه القصة، فقال لامرأة الرجل: ألك بينة، أو برهان؟ قالت: لي شهود، هؤلاء جاراتي يشهدن عليها بما أقول، فأحضرتهن، وأخرج علي (عليه السلام) السيف من غمده، فطرحه بين يديه، وأمر بكل واحدة منهن فأدخلت بيتا، ثم دعا امرأة الرجل، فأدارها بكل وجه فأبت أن تزول عن قولها، فردها إلى البيت الذي كانت فيه، ودعا إحدى الشهود وجثا على ركبتيه، ثم قال:أتعرفيني؟ أنا علي بن أبي طالب، وهذا سيفي، وقد قالت امرأة الرجل ما قالت ورجعت إلى الحق وأعطيتها الأمان، فإن لم تصدقيني لأملأن السيف منك، فالتفتت إلى عمر، وقالت: الأمان على الصدق، فقال لها علي (عليه السلام): فاصدقي، قالت: لا والله، إنها رأت جمالا وهيئة فخافت فساد زوجها، فسقتها المسكر، ودعتنا فأمسكناها، فاقتضتها بأصبعها، فقال علي (عليه السلام): الله أكبر، أنا أول من فرق بين الشاهدين إلا دانيال النبي (عليه السلام)، فألزم علي (عليه السلام) المرأة حد القاذف، وألزمهن جميعا العقر، وجعل عقرها أربعمائة درهم، وأمر المرأة أن تنفى من الرجل، ويطلقها زوجها وزوجه الجارية، وساق عنه علي . ومن الحالات النفسيه نذكر، ايضا، حادث النزاع الذى حصل بين شخصين كل منهما يدعى انه سيد صاحبه، ولم يكن لدى اى منهما ما يثبت ادعاءه، فطلب الامام من قنبر ان يثقب جدارا ثقبين، ثم امر ان يدخل كل منهما راسه فيهما، ثم قال: يا قنبرعلى بسيف رسول اللّه، عجل به، واضرب رقبه العبد منهما، وهنا اخرج احدهما دون الاخر راسه من الثقب بشكل لا شعوري فاستدل بذلك على انه العبد، اما الذى مكث فى الثقب فهو السيد.

وقسم الامام علي الادلة الجنائية الى ثلاثة انواع هي :
أ‌- أدلة اتهام: وهي تلك الأدلة التي متى توفرت لدى المحقق فأنها تكون مهيأة لإحالة المتهم إلى القضاء الجنائي مع رجحان الحكم بإدانته كما حصل في قصة المرأة التي وجدت في حالة زنا فالدليل كان متوفر للاحالة ولكن الامام طلب ا يتم سؤالها حيث ان القصة تتلخص في ان امراءة شهد عليها الشهود اءنهم وجدوها في بعض مياه العرب مع رجل يطؤها ليس ببعل لها، فامرعمر برجمها وكانت ذات بعل. فقالت: اللهم انك تعلم اني بريئة.فغضب عمر وقال: وتجرح الشهود ايضا.فقال امير المؤمنين: ردوها واسالوها، فلعل لها عذرا، فردت وسئلت فقالت: خرجت في ابل اهلي ومعي ماء، وليس في ابل اهلي لبن وخرج معي خليطنا، وفي ابله لبن، فنفد مائي، فاستسقيته فابى ان يسقيني حتى امكنه من نفسي، فابيت، فلما كادت نفسي تخرج امكنته كرها. فقال امير المؤمنين(ع): اللّه اكبر (فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا اثم عليه) فلما سمع ذلك عمر خلى سبيلها.

ب‌- أدلة الحكم: وهي تلك الأدلة التي يتوافر فيها اليقين التام والقطع الكامل بالإدانة وليس مجرد ترجيح هذه الأدلة . مثل الإعتراف: إذا أعترف المتهم في دور التحقيق وتعزز بأدلة او قرائن أخرى فانه يصبح كافياً للإدانة او التجريم فإذا تعزز اعتراف المتهم بجريمة سرقة مثلا بضبط المواد المسروقة بحوزته او قيامه بالدلالة على مكان إخفائها ، فان هذا الإعتراف يصبح كافيا للإدانة وان تراجع المتهم عنه أمام محكمة الموضوع ، حيث ورد في مناقب ابن شهراشوب : اتي اليه برجل وامراة،فقال الرجل لها: يا زانية، فقالت: انت ازنى مني، فامر بان يجلدا.فقال علي: لا تعجلوا على المراة حدان، وليس على الرجل شي ء منها، حد لفريتها لانها قذفته، وحد لاقرارها على نفسه.

ت‌- أدلة نفي: وهي تلك الأدلة التي تسمح بتبرئة ساحة المتهم من خلال نفي وقوع الجريمة او نفي نسبتها إلى المتهم وهذا النوع من الأدلة لا يشترط فيه أن يرقى إلى درجة القطع واليقين ببراءة المتهم بما اسند إليه من جرم ، بل يكفي أن تنال تلك الأدلة ثقة القاضي او تزرع الشك في نفسه فيما توفر لديه من أدلة الإدانة . ومن احكامه (عليه الصلاة والسلام ( بالاستعانة بادلة النفي أنَّ مجنونة على عهد عمر فجر بها رجل، فقامت البينة عليها بذلك، فأمر عمر بجلدها الحد، فمر بها على أمير المؤمنين (عليه السلام) لتجلد فقال: (ما بال مجنونة آل فلان تعتل ؟) فقيل له: إنَّ رجلًا فجر بها وهرب، وقامت البينة عليها، فأمر عمر بجلدها، فقال لهم: (ردوها إليه وقولوا له: أما علمت أنَّ هذه مجنونة آل فلان! وأن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: رفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون حتى يفيق! إنها مغلوبة على عقلها ونفسها )، فردت إلى عمر، وقيل له ما قال أمير المؤمنين (عليه السلام)، فقال: فرَّج الله عنه لقد كدت أن أهلك في جلدها، ودرأ عنها الحد. وفي قضية اخرى أُتي لعمر بحامل قد زنت فأمر برجمها، فقال له أمير المؤمنين (عليه الصلاة والسلام): هب لك سبيل عليها، أي سبيل لك على ما في بطنها!؟ والله تعالى يقول: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}، فقال عمر: لا عشت لمعضلة لا يكون لها أبو حسن، ثم قال: فما أصنع بها؟ قال،احتط عليها حتى تلد، فإذا ولدت ووجدت لولدها من يكفله فأقم الحد عليها) فسري بذلك عن عمر وعول في الحكم به على أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام.

كذلك قسم الامام علي (عليه الصلاة والسلام ) الادلة الجنائية بحسب طبيعتها الى نوعين هما :
أ‌. الأدلة المادية: وهي تلك الأدلة التي يمكن لمسها او رؤيتها كوجود الشيء المسروق في حيازة الجاني او ضبط الجاني حاملاً سلاحا استعمل في تنفيذ الجريمة او آثار أقدام او بصمات الأصابع التي يعثر عليها في محل الحادثة ، فهي تنبعث من عناصر مادية ناطقة بنفسها وتؤثر في اقتناع القاضي بطريق مباشر ويطلق عليها بالأدلة الفعلية لأنها تنتج عن وجود الآثار المادية ذات الارتباط بالجريمة . ونظراً لما للأدلة المادية من أهمية في الإثبات وذلك لتأثيرها على وجدان القاضي وإحساسه وجب على المحقق أن يسرع في الحصول عليها وتثبيتها بعد ارتكاب الجريمة مباشرة حتى لا تضيع معالمها أو يعتريها النقض أو التلف أو التغيير، ويمكن الحصول على هذه الأدلة بواسطة الكشف على محل ارتكاب الجريمة او التفتيش او الاستعانة بالخبراء من أطباء عدليين وغيرهم من ذوي الاختصاص.

ب‌. الادلة المعنوية وهي التي لايمكن ان يتم لمسها باليد ولكنها تستقر في نفس القاضي بعد ان يعدم الوسيلة للتوصل إلى معرفة الحقيقة ، ذلك لأن الخبرة القائمة على العلوم لم تكن قد تقدمت بعد بشكل يكسب ثقة القائمين بالتحقيق . ومن هذه الحالات القضية التي ذكرها ابن قيم الجوزية في كتاب السياسة الشرعية فيما حكي عنه ان امراءة استنكحها رجل اسود اللون، ثم  ذهب في غزاة فلم يعد، فوضعت غلاما اسود فتعيرته، فبعد ان شب الغلام استعداها الى عمر، فلم يجد شهادة اثبات، وكاد يتم للمراة ماارادت، بيد ان الامام علي (عليه الصلاة والسلام ) ادرك في طرفه ما تجتهد المراءة في اخفائه.فقال: يا غلام، اما ترضى ان اكون لك ابا والحسن والحسين اخويك؟ فقال الغلام: بلى.ثم التفت الى اولياء المراة فقال: اما ترضون ان تضعوا امر هذه المراءة في يدي؟ قالوا: بلى.فقال: اني زوجت موليتي هذه من ابني هذا على صداق قدره كذاوكذا،فاجفلت المراءة وقالت: النار يا علي، واللّه انه ابني ولكن تعيرته لسواد لونه.

مما تقدم نرى ان الامام علي ابن ابي طالب (عليه الصلاة والسلام ) لم يكن فقط يصدر احكاما في القضايا التي تعرض عليه سواء عندما تولى الخلافة او قبل ذلك بل عمد الى وضع اساسيات علمية وقواعد على من يتصدى للتحقيق الجنائي ان يتبعها من اجل التوصل الى الحقيقة والحكم الصحيح في المسائل الجنائية ويمكن بناء عليه ان نقول ان الامام علي (عليه الصلاة والسلام هو واضع قواعد (علم الادلة الجنائية ).

 

ينشر موقع “المسلة كتابات” جميع ما يرد اليه، شرط أن يكون خاليا من السب والشتم والأوصاف غير اللائقة على الجهات والشخصيات.

“المسلة كتابات” لا يتحمل مسؤولية الأفكار والآراء الواردة. المقالات والنصوص المنشورة تعبّر  عن وجهة نظر الكاتب فقط. 

Please follow and like us:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *