شرط الأعلمية في المرجع الأعلى القسم الثاني

شرط الأعلمية في المرجع الأعلى القسم الثاني

المسلة كتابات – علي المؤمن:

4- الأعلمية وشرط العدالة:
إن الأعلمية لاتبني فقيهاً عادلاً متقياً، ولا الاجتهاد يبني فقيهاً ورعاً. وبما أن الاجتهاد الفقهي هي صنعة، كما يقول السيد محمد باقر الصدر، شأنها شأن الطب والهندسة والقانون وعلم الاجتماع؛ فإن الأعلمية في علوم الكلام والقرآن والحديث والفقه والأصول والرجال هي صنعة أيضاً، أي أنها أمهرية علمية في الصنعة لا أكثر، ويمكن للمسيحي والبوذي والهندوسي أن يكونوا مجتهدين في الفقه الإسلامي؛ بل يستطيع الملحد أن يكون الأعلم المطلق في الفقه والاصول والتفسير والدراية والرجال؛ لأن إمكانية التدرج حتى بلوغ الأعلمية المطلقة في الحوزة العلمية متاحة لأي إنسان؛ بصرف النظر عن ايديولوجيته ومذهبه ودينه. وهو يشبه قدرة الإنسان المؤمن على أن يكون الأمهر والأعلم في الطب. أي أن الأعلم في الفقه والأعلم في الطب يمكن أن يكونا ملحدين أو مؤمنين أو فاسقين؛ فكلاهما صنعة.

وهنا تأتي الضوابط والمعايير الرديفة لتقيّد حركة فرز مرجع التقليد؛كالايمان المذهبي (أن يكون إمامياً إثني عشرياً) والعدالة (أن يكون متقياً زاهداً ورعاً). فضلاً عن المعايير المتجددة، وفي مقدمتها الكفاءة والمقبولية العامة. أي أن شرط الأعلمية لايمكن فصله عن الشروط الأخرى؛ بل أنها جميعاً تمثل حزمة واحدة من الشروط.

5- الأعلمية وشرط الكفاءة:
إن توافر شرطي الأعلمية والعدالة في الفقيه لايصنع منه فقيهاً كفوءاً قادراً على تشخيص مصلحة المجتمع والأمة، ووعي المصالح والمفاسد، وعلى حفظ النظام العام وإدارة الأمور الحسبية والمال الشرعي، فضلاً عن قضايا الدولة. ولاتفرز الأعلمية والعدالة مرجعاً حكيماً شجاعاً مدبّراً عارفاً بزمانه وبمتطلبات عصره. وسبق أن بحثنا شرط الكفاءة في دراسة مستقلة. ولكن نشير الى أهم قضيتين تكشفان عن علاقة شرط الأعلمية بشرط الكفاءة، وأيهما يتقدم على الآخر عند تعارضهما، وهما: القدرة القيادية والوعي الكامل بمتطلبات الزمان.

والفرق بين الأعلم فتوائياً والأمهر قيادياً؛ كالفرق بين المفتي والمرجع؛ فالمفتي يبقى عمله منصباً على الجانب النظري، و ينبغي أن يكون متميزاً في علمه وقدرته الفتوائية، أي أن مدخلية شرط الأعلمية في المفتي لها موضوعية وجوبية. بينما المرجع الديني لدى الشيعة يقود المجتمع عملياً من خلال الفتوى، ويعزز موقعه القيادي والإرشادي والولائي من خلال الفتوى والحكم الشرعي.

والواقع الشيعي لم يعد كما كان قبل العام 1979؛ فمنذ ذلك التاريخ والواقع الشيعي يعيش عصر تحديات النهوض والصعود، وهو عصر يختلف تماماً عن المسار الشيعي منذ أكثر من خمسة قرون من التراجع والتهميش. وقد بات الفقهاء الذين يمثلون قيادة هذا الواقع؛ في مواجهة تطورات العلوم الطبيعية والتطبيقية، ومواجهة منظومات معقدة في العلاقات الدولية والقوانين، وباتت مسؤولية الفقيه فاعلة تلقائياً بكل وظائفها الافتائية والتحكيمية والحسبية والولائية والإرشادية. وبالتالي؛ فإن كفاءة الوعي والحكمة والشجاعة والقيادة ستتقدم على الأعلمية النظرية السائدة، عند الترجيح بين الفقهاء لموقع المرجعية.

6- الأعلمية ووظائف المرجعية:
تتوقف النظرة الى علاقة شرط الأعلمية بوظائف المرجعية الدينية الشيعية؛ على تعريف المرجعية، ومساحات ولايتها والدور المطلوب منها. فوفق الأصل التشريعي للمرجعية الدينية كما توضحه المدونات الفقهية الشيعية؛ فإنها تمثل نيابة الامام المعصوم في عصر غيبته، وأن المرجعية هي للفقيه العادل، ولهذا الفقيه ولاية من خمسة فروع: ولاية الفتوى، ولاية القضاء، ولاية الحسبة، ولاية المال الشرعي وولاية الحكم. وهناك أجماع بين الفقهاء على الفروع الأربعة الأولى، ويختلفون في الولاية الخامسة (الحكم). بالتالي؛ فإن بحثنا هنا يقتصر على ما أجمع عليه الفقهاء، ونترك وظائف ولاية الحكم الى بحوث لاحقة.

هذه الولايات الأربع المجمع عليها تشير بوضوح الى وظائف المرجع الديني وطبيعة موقعه، ولاسيما المرجع الأعلى المتصدي، وهي وظائف تتنوع بتنوع فروع ولايته. وتؤكد هذه الفروع بما لايقبل الشك أن وظيفة المرجع لاتقتصر على الافتاء؛ بل أن الفتوى هي واحدة من أربع أو خمسة وظائف أساسية. وهذا يعني أن الأعلمية لايمكن أن تقتصر على الفتوى ومسائل الحلال والحرام؛ بل لابد أن تنسجم مع كل هذه الوظائف والولايات، وتلبي تنوعها، وأن المرجع يختلف عن المفتي اختلافاً ماهوياً. نعم؛ المرجع هو مفتي أيضاً؛ لكن الإفتاء يمثل خُمس وظائفه فقط. ومن خلالها يتبين أن المرجع الديني عند الشيعة هو “الحاكم الشرعي” وصاحب الولاية الاجتماعية والولاية التشريعية والولاية القضائية والولاية المالية وولاية الحكم، ومنصبه لايشبه المفتي السني، الذي هو عادة موظف حكومي، ولا البابا الكاثوليكي، الذي يمارس الأبوة الروحية المحظة؛ بل هو منصب يمثل الإمامة الدينية والدنيوية في عصر غيبة النبي والإمام المعصوم. أي أن المرجع الديني هو ولي أمر المسلمين الشيعة وقائد النظام الاجتماعي الديني الشيعي. وهو مايصفه السيد محمد باقر الصدر بقوله بأن ((المجتهد المطلق له الولاية الشرعية العامة في شؤون المسلمين شريطة أن يكون كفؤاً لذلك من الناحية الدينية والواقعية معاً)).

وكمثال قائم: هل أن السيد علي السيستاني هو مفتي؟ وهل أن موقعه المرجعي يقتصر على الافتاء؟. عند دراسة مواقفه وتوجيهاته العامة نجد أن شيعة العراق يدورون معه حيث دار؛ ليس في الجانب العبادي وحسب؛ بل في كل قضايا المجتمع والسياسة والاقتصاد والدولة والجهاد، وأن مواقفه وتوجيهاته العامة ليست فتاوى، كما أنها ليست ممارسة سياسية؛ بل هي ولاية وقيادة.

وحتى في الجانب العبادي الفردي والجماعي التقليدي؛ فإن كثيراً من الأحكام الشرعية بحاجة الى أذونات الفقيه قبل تنفيذها من قبل المكلف، ومنها أحكام الخمس والزكاة والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. أي أن الفقيه يقوم بدور الولاية الشرعية المالية والحسبية والتحكيمية حتى في مجال الأحكام العبادية المحضة.

وإذا كان أغلب الفقهاء يشترطون الأعلمية في مرجع التقليد؛ فإنهم يذهبون الى أن الأعلمية لاتشترط في ظائف الفقيه الأخرى، كالقضاء والحسبة والحكم؛ إذ أن شرط القيام بالوظائف المذكورة هي أن يكون الفقيه أعلماً في موضوعاتها ومتطلباتها، وأمهراً في أداء مهامهاً، وهو مايلخصه صاحب الجواهر بقوله: ((عدم اشتراط الأعلمية في باب القضاء والأمور الولائية)). بل أن الامام الخميني يُسقط مفهوم الأعلمية في الموضوعات على أصل الاجتهاد، ويذهب الى أن معايير الاجتهاد السائدة لم تعد كافية، وأن من يمتلك القدرة على الاستنباط في الموضوعات التقليدية لايعد مجتهداً، وهو منعطف في مفهوم الاجتهاد، فضلاً عن مفهوم الأعلمية؛ فيقول: ((إن الاجتهاد المصطلح في الحوزة غير كاف؛ فإذا كان هناك شخص هو الأعلم في العلوم المعهودة في الحوزة؛ لكنه لايستطيع تشخيص مصالح المجتمع… ويفتقد الرؤية الصحيحة وقدرة اتخاذ القرار في المجالات الاجتماعية والسياسية؛ فهذا الشخص ليس مجتهداً في المسائل الاجتماعية والسياسية، ولايستطيع قيادة المجتمع)).

ويعالج بعض الفقهاء هذا الجانب بطرح مفهوم المرجع الأصلح مقابل المرجع الاعلم كما ذكرنا، فقال: ((الأصلح للسفارة والأعلم للافتاء))، وهو تعبير عن أن أعلمية المرجع تقتصر على الفتوى في الجوانب التقليدية، أما وظائف الفقيه الأخرى، وهي الوظائف الأكبر حجماً ونوعاً، والتي لخصها بمصطلح “السفارة”؛ فهي بحاجة الى المرجع الأصلح. ومفهوم “الأصلحية” هنا ينسجم مع الواقع من جهة، ومع المفهوم اللغوي للأعلمية من جهة أخرى، وفق ماورد في سنة رسول الله وأهل بيته، وكما في قول رسول الله: ((وما ولّت أمة قط أمرها رجلاً وفیهم أعلم منه إلّا لم یزل أمرهم یذهب سفالاً حتی یرجعوا ماترکوا)). ومعيار الأعلمية الذي يقصده رسول الله هنا ينسجم تماماً مع وظائف تولية الأمة و زعامتها، ولا يقتصر على الجانب العلمي الديني الفتوائي.

نخلص مما سبق الى أن “الأصلحية” الواقعية هي تعبير دقيق عن الأعلمية الجامعة المطلوبة لمرجع التقليد، وهي الأعلمية الحقيقية التي تنسجم مع وظائف الفقيه الأربعة أو الخمسة المذكورة. أما الأعلمية المتجزأة التقليدية؛ فإنها لم تعد تنسجم مع الواقع ومع تطورات العصر ومتطلباته وتراكم موضوعاته. ويعضِّد هذا التحول المفاهيمي الواقعي؛ التغيير النوعي والكبير في النظام الاجتماعي الديني الشيعي على الصعد كافة. فالشيعة لم يعودوا يعيشون حالة التهميش والعزلة والتغييب عن الحكم والدولة والاقتصاد والثقافة والاعلام والشأن الدولي. أي أن ضرورات التحول المفاهيمي الواقعي لم تعد مقتصرة على ملاحقة الفقيه لقضايا الطب والفلك والرياضيات والفيزياء؛ بل أن ثلاثة أرباع هموم الشيعة وموضوعاتهم هي اقتصادية وسياسية واجتماعية وفكرية وثقافية وإعلامية وعقدية، وهي موضوعات واقعية ميدانية أكثر من كونها نظرية، ولاتحتاج فتاوى وتكييفات فقهية وحسب؛ بل الى قيادة وزعامة وولاية، وهي مهمة المرجع الأعلى حصراً. أما أبواب العبادات والعقود والايقاعات والمعاملات؛ فتوافر أحكامها ليس هماً، ولم يكن هماً يوماً.

وعليه؛ فإن مفهوم الأعلمية المتجدد الذي يتطلبه الواقع، وينسجم مع وظائف المرجع، ينطوي على ثلاثة مفاهيم متفرعة، هي: الأعلمية التقليدية، الأصلحية الموضوعية والأقدرية القيادية. ويترشح عنه خمسة معايير متداخلة تكمل بعضها:
1- أعلمية في مسائل الحلال والحرام
2- أعلمية في الموضوعات، ولاسيما الثقافية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية
3- أعلمية في فهم مقاصد الإسلام ونظامه العام
4- أصلحية في وعي مصالح الأمة ومتطلبات نهوضها
5- الأقدرية على قيادة النظام الاجتماعي الديني الشيعي.

 

ينشر موقع “المسلة كتابات” جميع ما يرد اليه، شرط أن يكون خاليا من السب والشتم والأوصاف غير اللائقة على الجهات والشخصيات.

“المسلة كتابات” لا يتحمل مسؤولية الأفكار والآراء الواردة. المقالات والنصوص المنشورة تعبّر  عن وجهة نظر الكاتب فقط. 

Please follow and like us:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *