زراعة الهزيمة

زراعة الهزيمة

المسلة كتابات – محمد زكي ابراهيـم:

كلما فكرت في جدوى آلاف الأقمار الصناعية التي تدور حول الأرض، وتقوم ببث ما لا يحصى من الصور والمعلومات عن الكوكب، كلما تساءلت في داخلي عن الحاجة الحقيقية لهذا البث المتواصل. وما هو دور العالم الفقير فيه. هل يستطيع أن يفعل شيئاً تجاه هذه الجسيمات التي لا تكل ولا تمل من الدوران في سمائه. وهل يدرك غرضها الحقيقي، ولماذا هذا العدد الهائل، الذي يتزايد باستمرار ودون توقف. هل هي طلائع جيش جديد يحيط بالعالم من جميع أطرافه، بعد أن أصبحت الأساطيل والجيوش والطائرات عبئاً يرهق موازنات الدول الكبرى؟

ليس سراً أن الأقمار الصناعية ذات أغراض متعددة. لكن أهمها على الإطلاق تلك التي تختص بالاتصالات. ولا تكاد تغيب عنها معلومة، صغيرة كانت أو كبيرة، على امتداد مساحة الأرض، دون أن تشفعها بالصور والوثائق والأخبار. وقد وجد العرب أن قمراً واحداً يكفي لتغطية حاجتهم للبث الفضائي. إلا أن وجوده لوحده لا يخلو من مشاكل، بسبب اختلاف السياسة. لكن ماذا تفعل آلاف الأقمار المتناثرة في الفضاء، غير تقديم معلومات وأخبار وتحليلات “غربية” لما يحدث في “الشرق”. وغير افلام وقصص ومشاهد تصور الغرب جنة الله الموعودة. وتجعل “الشرقي” يؤمن ب “نبوة الغربي”. ويحلم بحياة مثل حياته إن لم يهتبل الفرصة للهجرة إليه.

من المصائب أن هؤلاء المفتونين خرج منهم كتاب وإعلاميون وقادة رأي، يؤمنون أن الحل الوحيد للعالم الفقير هو “الغربنة”، أي أن يتحول إلى نسخة جديدة، لا تختلف عن الغرب في ازدراء حياته والتعالي عليها. ورغم مرور قرن كامل أو يزيد فإن هذا الحل الذي يفترض التحول إلى مجتمع صناعي متحضر لم يزل في طور الحلم، غير القابل للتحول إلى حقيقة.

وجل هؤلاء “المتغربنين” تقلد وظائف أساسية في مجتمعه، ووصل البعض منهم إلى سدة الرئاسة. وبات يحكم بما أنزل الغرب، لا بما أنزل الله أو بما تأمر به الثقافة الشرقية. حتى غدت هذه المجتمعات تابعة إلى حكومات ودول ومؤسسات غربية، طوعاً أو كرهاً.

وفي الوقت الذي نكون فيه بحاجة إلى تأكيد استقلالنا التام عن الاستعمار الغربي، الذي اكتمل قبل أكثر من نصف قرن، أجد أننا نسينا ما حدث لنا تماماً. ولم نعد نتذكر الجيوش الغربية التي وطئت أراضينا، ورفعت أعلامها فوقها، مدداً غير يسيرة. حتى كلمة الاستقلال ذاتها لم نحصل عليها، إلا بعد وقعت وثيقة “تنازلها” هي عن هذه الأراضي، وكأنها كانت ملكاً عضوضاً لها. أو إرثاً خاصاً بها، وأذنت لنا أن نمارس حياتنا عليها، مثلما نشاء.

هذه الحقيقة لوحدها كافية للتدليل على أن الغرب لم يكن يمزح حين احتل بلادنا. ولم يكن يقضي عطلة الصيف فيها. بل كان يمارس هيمنته بكامل صنوفها عليها. وهو حينما خرج، لم يكن يقصد سوى إعادة جنوده إلى ديارهم. أما الشؤون الأخرى فقد عهد بها إلى وكلائه، يديرونها بالنيابة عنه ليس غير.

ومن هم هؤلاء الوكلاء؟ إنهم القادة والزعماء والكتاب والإعلاميون وموظفو الدولة الكبار، الذين يدينون بتكوينهم الفكري إليه. وجل هؤلاء حينما يتعرضون للنفي، أو يضطرون للابتعاد عن الوطن، فإن وجهتهم هي بلد الاستعمار السابق!

لا بد أن نعرف أن حضارة الغرب لم تزدهر إلا بتجويع وإفقار شعوب أخرى. ولم تصل إلى ما وصلت إليه إلا باستنزاف كل ما لديها من ثروات. وليس من صالحها أبداً أن تنهض هذه الشعوب بأي شكل من الأشكال. وها هي الصين التي انطلقت مثل تنين مرعب تواجه اليوم الموقف ذاته. ما هو موقف الغرب إزاءها؟ إنه مضطر لشراء كل شئ منها، فهذا ما لا مفر منه مثلما نفعل نحن. ومثلما كنا نفعل من قبل مع المنتجات الغربية. لكنه في ذات الوقت يضعها في خانة الأعداء. ويقوم بمواجهتها اقتصادياً في كل مكان، ويضع الكثير من القيود على شركاتها العملاقة، التي تهتم بالطاقة والموانئ والنفط والنقل وكل شئ حيوي في العالم. وفوق ذلك كله يستعد لمواجهتها عسكرياً في يوم من الأيام، عبر الأساطيل والجيوش والتقنيات العالية!

ربما لا يشعر الشرقيون وفي مقدمتهم العرب بالخطر القادم من الغرب، لأنهم اكتشفوا أنهم يحتاجون إليه حينما يحاربون بعضهم بعضاً. وحينما يسطو أحدهم على الآخر. فلا أحد يمكن أن يقنع بلداً في الخليج أن الولايات المتحدة هي عدو له، لأنها سبق أن أعادت له بلداً مثل الكويت، قام عربي جار بضمها إليه في ساعات قليلة. هذه الحادثة التي لا أعلم إن كان مرتكبها يدرك تبعاتها في حينه أم لا، كرست تبعية دول الخليج إلى الولايات المتحدة إلى ما شاء الله.

ومع ذلك فإن مهمة الإعلام الرقمي اليوم هي زرع الهزيمة في نفوس الشرقيين، حتى لا تقوم لهم قائمة. ولا يتصوروا أن بإمكانهم الاستغناء عن الغرب، إلا إذا كانوا مستعدين للتضحية بما اكتسبوه من غنى، وثروة، ونفوذ، ووجود.

 

ينشر موقع “المسلة كتابات” جميع ما يرد اليه، شرط أن يكون خاليا من السب والشتم والأوصاف غير اللائقة على الجهات والشخصيات.

“المسلة كتابات” لا يتحمل مسؤولية الأفكار والآراء الواردة. المقالات والنصوص المنشورة تعبّر  عن وجهة نظر الكاتب فقط. 

Please follow and like us:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *