رغم مأساة «كورونا» كان 2020 عام التقدم التكنولوجي

رغم مأساة «كورونا» كان 2020 عام التقدم التكنولوجي

المسلة كتابات – تيلر كوين:

لأسباب واضحة، لن يتذكر أحد عام 2020 باعتباره عاماً جيداً. في الوقت ذاته، شهد هذا العام تقدماً علمياً أكثر عن أي عام آخر في الذاكرة الحديثة – ومن المتوقع أن تبقى هذه التطورات لفترة طويلة لما بعد انتهاء جائحة «كوفيد – 19» كمصدر تهديد رئيسي.

ويتمثل اثنان من أبرز المؤشرات على ذلك التقدم لقاحات الـ (آر إن إيه) أو (تلقيح الحامض النووي الريبوزي المرسال) التي يجري توزيعها الآن في مختلف أرجاء الولايات المتحدة والعالم. ويبدو أن هذه اللقاحات تتميز بقدر مرتفع للغاية من الفاعلية والأمان، ويمكن إنتاجها بسرعة أكبر عن اللقاحات الأخرى العادية. وتعتبر هذه اللقاحات السبب الرئيسي وراء شعورنا بالتفاؤل النسبي تجاه عام 2021. ومن الممكن أن تحمل تقنية الـ (آر إن إيه) في طياتها إمكانات أوسع، على سبيل المثال ربما يمكن استغلالها في علاج القلوب المتضررة.

ولا تقل التطورات الأخرى على صعيد العلوم الحيوية إثارة للإعجاب؛ فقد ظهر لقاح جديد واعد للغاية ضد الملاريا، الذي ربما يستحق لقب أكبر قاتل في تاريخ البشرية، ويخوض اللقاح حالياً المراحل الأخيرة من الاختبار. كما أن التطورات التي طرأت على تكنولوجيا إنتاج اللقاحات خلقت إمكانية حقيقية لابتكار لقاح عالمي ضد الإنفلونزا. كما أن الجهود مستمرة على هذا الصعيد.

بجانب ذلك، تبدو تقنيات «كريسبر» الجديدة على وشك القضاء على فقر الدم المنجلي، وهناك أساليب أخرى من «كريسبر» مكّنت العلماء من صياغة اختبار تشخيصي جديد يعتمد على الهاتف الذكي لرصد الفيروسات وطرح تشخيصات في غضون نصف ساعة.

أيضاً، كان عام 2020 جيداً على صعيد الذكاء الصناعي، ذلك أن تقنية «جي بي تي – 3» تسمح بإنشاء كتابة شبيهة بالكتابة البشرية على قدر كبير من التعمق والتعقيد؛ ما يعتبر خطوة رئيسية نحو بناء كيانات آلية قادرة على التفاعل عبر صورة ذات طابع إنساني قوي. وفي تلك الأثناء، استخدمت شركة «ديب مايند» تقنيات حسابية أحرزت تقدماً كبيراً في طي البروتين. ويعتبر هذا إنجازاً هائلاً على صعيد علم الأحياء من شأنه تيسير اكتشاف مستحضرات صيدلانية جديدة.

ويعود الفضل وراء العديد من هذه التطورات العلمية إلى القدرة اللامركزية على الوصول إلى قوة حوسبة هائلة، عادة من خلال الحوسبة السحابية. وعلى ما يبدو، تحرز الصين تقدماً على صعيد طريقة الفوتون في الحوسبة الكمية، وإن كان من الصعب التحقق من هذا الأمر، لكن حال حدوثه فإنه قد يكون ذا أهمية كبيرة.

ويشهد مجال البيولوجيا الحاسوبية على وجه الخصوص ازدهاراً كبيراً. على سبيل المثال، جرى تصميم لقاح الحامض النووي الريبوزي «موديرنا» في غضون يومين فقط، من دون الوصول إلى فيروس «كوفيد – 19» نفسه، ما يمثل إنجازاً مذهلاً لم يكن في الإمكان قبل فترة قصيرة فقط. ومن المحتمل أن يبشر هذا الإنجاز بالكثير من الإنجازات الكبرى الأخرى مستقبلاً في مجال البيولوجيا الحاسوبية.

كما أن الوصول إلى شبكة الإنترنت سينتشر على نطاق واسع. على سبيل المثال، لدى شركة «ستارلينك» خطة معقولة لتوفير اتصالات الإنترنت للعالم بأسره.

وبالمثل، كان عام 2020 جيداً بمجال النقل. ومع أن المركبات الذاتية القيادة تبدو اليوم في حالة جمود، فإن سلسلة متاجر «وولمارت» تنوي استخدامها في نقل بعض الشحنات خلال عام 2021، كما أن شركة «بوم» الناشئة التي تعمل على ابتكار طائرات بتكلفة مجدية ومعقولة تفوق سرعة الصوت، تتجاوز قيمتها اليوم مليار دولار، ولديها بالفعل نماذج أولية من المتوقع طرحها العام المقبل.

أما شركة «سبيس إكس» فقد أنجزت تقريباً جميع الأهداف التي أعلنتها هذا العام فيما يخص إطلاق رحلات وصواريخ إلى الفضاء. وأعلنت شركة «تويوتا» وشركات أخرى إحراز تقدم كبير على صعيد صناعة بطاريات السيارات الكهربائية. ومن المتوقع ظهور هذه المنتجات خلال عام 2021.

وسيأتي كل هذا بالتأكيد بمثابة نعمة للبيئة، وكذلك التقدم في مجال الطاقة الشمسية، التي تتميز بالفعل اليوم برخص تكلفتها في العديد من الأماكن مثل أي بديل مناسب. وفي الوقت ذاته، تفتتح الصين مفاعل اندماج جديد وواعد. ورغم غياب سياسة طاقة وطنية شاملة في الولايات المتحدة، فإن فكرة مستقبل الطاقة الخضراء لم تعد تبدو اليوم ضرباً من ضروب الخيال والمثالية المفرطة.

اللافت، أنه في العصور السابقة، جلب التقدم في الطاقة والنقل عادة المزيد من التقدم التكنولوجي، من خلال تمكين البشر من غزو وإعادة تشكيل بيئاتهم المادية بطرق جديدة وغير متوقعة. ونأمل أن يستمر هذا الاتجاه العام خلال الفترة المقبلة.

وأخيراً، ورغم أن هذا ربما لا يتوافق تماماً مع تعريف التقدم العلمي، فإن صعود ظاهرة العمل عن بُعد يعتبر إنجازاً حقيقياً.

اليوم، يجري عقد الكثير من الاجتماعات عبر تطبيق «زووم»، ولن تعود رحلات العمل بالكثافة التي كانت عليها فيما مضى أبداً. ورغم أن البعض قد يرى في ذلك إيجابيات وسلبيات، يبقى المؤكد أن هذا التطور سيحسّن إنتاجية العمل. وسيكون من الأسهل على العاملين في قطاعي التكنولوجيا أو المالية الانتقال إلى ميامي، والعيش في نيوجيرسي والتنقل إلى مانهاتن مرة واحدة فقط في الأسبوع. وسيتمكن الموظفون الأكثر إنتاجية من العمل من المنزل بسهولة أكبر.

لقد كانت سنة مأساوية بلا شك. إلى جانب ما حملته من حزن وفشل، لكن هذا لا ينفي أنها شهدت في الوقت ذاته قدراً كبيراً من التقدم. وهذا أمر يستحق أن نضعه في الاعتبار، حتى لو لم نتمكن من دفع أنفسنا تماماً للاحتفاء بعام 2020.

 

ينشر موقع “المسلة كتابات” جميع ما يرد اليه، شرط أن يكون خاليا من السب والشتم والأوصاف غير اللائقة على الجهات والشخصيات.

“المسلة كتابات” لا يتحمل مسؤولية الأفكار والآراء الواردة. المقالات والنصوص المنشورة تعبّر  عن وجهة نظر الكاتب فقط. 

Please follow and like us:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *