حينما يحين العطش

حينما يحين العطش

المسلة كتابات – عبد الامير الماجدي:

لم يكُ وادي الرافدين يتوقع أن الجفاف سيصيبه نتيجة أحقاد ومصالح بين أطراف متنازعة ومتصالحة، ولم يفكر دجلة أن يترك أهل ‏العراق يعيشون بعطش دائم أو قد يلبي أحقاد العثمانيين في أن يترك أهله ليستقر كما مهجرينا وبعض الأكاديميين في تركيا، برغم أن ‏اختلافاً شاسعاً بين دجلة ومن أحب أن يعيش الهدوء والأمان هناك.‏

فدجلة مرت عليه ظروف قاهرة، وسالت الدماء على ضفافه وبين جنبيه، ولم يترك العراق، ولم يفكر في أن يلملم ما به من مياه ‏ليطلب الإقامة في تركيا ينتظر أن تقبله منظمة الصليب الأحمر ضمن اللاجئين في بلاد الغربة، لكن ما الذي تغير؟

هل مقت دجلة وجوده في أرض الفساد؟ هل نأى عن نفسه بعيداً كي لا يُتهم بأنه من أزلام الدولة العباسية أو يشمل باجتثاث الانهار؟ ‏وقد يلصق أحدهم به تهمة الإرهاب كونه شهد على عمليات كثيرة من نحر وقتل واغتيالات!‏

ولكنه لم يحرك ساكناً، تاركاً الأمور تجري أمام مسمعه، وحسناً إنه لم يكن ضمن تقرير المخبر السري وأعتقد لأنه كان يسير في ‏مجرى بعيد عن الصخب والمدن لأنها ترشقه بأكوام القمامة وفضلات المصانع، واكتفى بتحذير كل الطيور المهاجرة له بأن تغادر بلد ‏السموم في كل شيء فهو غير صالح للحياة البشرية ولا للاستهلاك البشري وكل شيء فيه سيموت دون محاكمة أو بأجل من الرب فقد ‏يأتي ملعون أشعث يحلم بحور العين ليقتل عدداً يفوق المائة او اكثر من دون وجه حق.‏

دجلة سيغادر أرض الرافدين ليبقي العراق أرضاً جرداء حينما يشد الفرات رحاله أيضا لأنه سيشعر بالوحدة، فمنذ الازل وهو حبيب ‏دجلة وبينهما قصة مليئة بالسحر والشعر والمقت أيضاً، قصة يلتقيان فيها بعد سير طويل في جبال وصحارى وسهول ليلتقيا أخيراً ‏في شط العرب ولقاؤهما لن يستمر طويلاً أو يفضي عن قبلة أو عناق لأن الخليج يقف لهما بالمرصاد فيتيهان هناك في أعماق الخليج ‏لم ير احدهما الآخر الى الزوال، لقاء خجول يقضيانه معاً من دون ان يستفيد احد من رحلتهما العشقية الموحلة بالطين فموتهما قد حان ‏وبدأت مياههما تغادرنا شيئاً فشيئاً وسنصحو في صباحات أحد الايام لنرى مجرد اطلال جريان كان وبعض سمكات لم تلحق بلملمة ما ‏لديها ميتة متيبسة من شمس تموز وصبية استقروا في القاع لفترة طويلة تفسخت أشلاؤهم لتبقى عظامهم شاهداً على وحشية ‏الاستعمار العثماني للعراق، لكن هل يرضى دجلة والفرات بنقض عهدهما لنا وهكذا يغادراننا؟ وكيف سنسمح لأحد بسلبهما منا؟ ‏فلنمت إذن ونضحي كي يدوم ذاك الجريان وبكل الخيارات المتاحة امامنا ولنجعلها (ثورة مكوار) اكثر بطشا من مكوار ثورة العشرين ‏لانقاد بلدنا من العطش.

 

ينشر موقع “المسلة كتابات” جميع ما يرد اليه، شرط أن يكون خاليا من السب والشتم والأوصاف غير اللائقة على الجهات والشخصيات.

“المسلة كتابات” لا يتحمل مسؤولية الأفكار والآراء الواردة. المقالات والنصوص المنشورة تعبّر  عن وجهة نظر الكاتب فقط. 

Please follow and like us:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *