حكاية الامام الباقر(ع) والخليفة هشام

حكاية الامام الباقر(ع) والخليفة هشام

المسلة كتابات – طاهر باقر:

حكاية الامام الباقر عليه السلام مع الخليفة الاموي هشام بن عبد الملك بن مروان تلخص كثيرا مما يعلق في ذهن الانسان من تشويش بخصوص الوقائع التاريخية التي لم يأت عليها التاريخ بشكل صريح وتجاهلها لانها تكشف زوايا غير مرئية من التاريخ الاسلامي.

لقد كان الجواسيس يلتقطون كلام الامام الباقر عليه السلام ويرسلون خبره للخليفة هشام، وفي احدى السنين عزم الخليفة هشام على الحج وهناك كان الامام محمد الباقر مع ابنه جعفر عليهما السلام في طريقهما الى مكة المكرمة لاداء فريضة الحج.

ولما اجتمع الناس خطب الامام خطبة في الناس قال فيها “الحمد لله الذي بعث محمدا بالحق نبيا وأكرمنا به فنحن صفوة الله على خلقه وخيرته من عباده وخلفاؤه، فالسعيد من اتبعنا و الشقي من عادانا وخالفنا”. (1)

الكلمة كانت قوية واثارت الهلع في زبانية السلطة واستشفوا منها ان الامام يدعو الناس الى نفسه وانه على وشك القيام بثورة للاطاحة بالخليفة هشام، فنقلوا حديث الامام الى الخليفة فاصدر الى عامله في المدينة امرا بجلب الامام وابنه الى دمشق.

وهنا كل واحد يمكن ان يتصور مايمكن ان يصنعه الخليفة هشام بالامام وابنه وهو الذي ينتمي الى بني امية الذين لايتورعون عن اراقة دماء اهل بيت النبوة، مع ذلك لم يفر الامام عن مواجهة الخليفة وبني امية في عقر دارهم ولما وصلا الى دمشق لم يسمح لهم بالدخول على الخليفة لثلاثة ايام وفي اليوم الرابع اذن لهما بالدخول.

وكان هشام جالسا على كرسي ملكه وكان الجند والخاصة متسلحين وعلى شكل سماطين في محاولة لاظهار جبروته تدخل الرهبة في قلب اي معارض يمكن ان يشاهد هذا المنظر لكن قلب الامام لم يرتجف خوفا من الموت والقتل على يد هذا الطاغية، وبالعكس اراد الامام ان يظهر قوة قلبه امام هذا الجمع لان قوة القلب في مثل هذه المواقع تدل على قوة الاعتقاد والايمان وعدم الخشية من القتل في سبيل الله.

فلما دخلا على الخليفة كان اشياخ بنو امية يرمون بالقوس فقال هشام للامام : يامحمد ارم مع اشياخ قومك الغرض فأجابه الامام : اني قد كبرت عن الرمي فهل رأيت ان تعفيني ، فقال هشام وحق من اعزنا بدينه ونبيه محمد صلى الله عليه وآله لااعفيك ، ثم أومأ الخليفة الى شيخ من بني امية ان اعطه قوسك فتناول الامام عند ذلك قوس الشيخ ثم تناول منه سهما ، فوضعه في كبد القوس ، ثم انتزع ورمى وسط الغرض فنصبه فيه ثم رمى فيه الثانية فشق فواق سهمه الى نصله ثم تابع الرمي حتى شق عدد منها في جوف بعض وهشام يضطرب لئلا يتخذ الامام من هذا الموقف فرصة لاغتياله مع هذه القدرة التي لاتضاهى في رمي القوس فلم يتمالك هشام الا ان قال : اجدت يا اباجعفروهنا يطلق شهادة يسجلها التاريخ بحق الامام ويقول “انت ارمى العرب والعجم” هلا زعمت انك كبرت عن الرمي ثم ادركته ندامة على ماقال لان هشام لم يكني احدا قبل الامام ولابعده.

في مثل هذا الموقف الذي كان فيه الامام معرض الى القتل على يد الخليفة يصعب على اي انسان شجاع في موقفه ان يكون دقيقا في رمي القوس الى درجة ان يرمي بعضها وسط الآخر ويدخل بذلك الرهبة في قلب عدوه واطرق هشام اطراقة يتروى فيها.

طال وقوف الامام مع ابنه الصادق امام الخليفة هشام فنظر الى السماء نظر غضبان يرى الناظر الغضب في وجهه فلما نظر هشام الى ذلك من الامام قال له : إلي يامحمد !

فصعد الامام الى مجلس الملك وابنه الصادق يتبعه، فلما دنا من هشام ، قام اليه واعتنقه وأقعده عن يمينه، ثم اعتنق الصادق واقعده عن يمين ابيه ثم اقبل عليه فقال: يامحمد لاتزال العرب والعجم تسودها قريش مادام فيهم مثلك، لله درك ، من علمك هذا الرمي ؟ وفي كم تعلمته؟ فقال الامام : قد علمت أن أهل المدينة يتعاطونه فتعاطيته أيام حداثتي ثم تركته، فلما أراد أمير المؤمنين مني ذلك عدت فيه، فقال له:

ما رأيت مثل هذا الرمي قط مذ عقلت وما ظننت، أن في الأرض أحدا يرمي مثل هذا الرمي، أيرمي جعفر مثل رميك؟ فقال: إنا نحن نتوارث الكمال والتمام اللذين أنزلهما الله على نبيه صلى الله عليه وآله في قوله: ” اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا ” (2) والأرض لا تخلو ممن يكمل هذه الأمور التي يقصر غيرنا عنها.

قال: فلما سمع ذلك من الامام انقلبت عينه اليمنى فاحولت واحمر وجهه، وكان ذلك علامة غضبه إذا غضب، وهنا يطلق هشام حوارا عقائديا لدحض حجة الامام، ثم أطرق هشام هنيئة ثم رفع رأسه، فقال للامام : ألسنا بنو عبد مناف نسبنا ونسبكم واحد؟

فقال الامام : نحن كذلك ولكن الله جل ثناؤه اختصنا من مكنون سره وخالص علمه بما لم يخص أحدا به غيرنا فقال: أليس الله جل ثناؤه بعث محمدا صلى الله عليه وآله من شجرة عبد مناف إلى الناس كافة

أبيضها وأسودها وأحمرها من أين ورثتم ما ليس لغيركم؟ ورسول الله صلى الله عليه وآله مبعوث إلى الناس كافة وذلك قول الله تبارك وتعالى ” ولله ميراث السماوات والأرض ” (3) إلى آخر الآية فمن أين ورثتم هذا العلم وليس بعد محمد نبي ولا أنتم أنبياء؟ فقال الامام : من قوله تبارك وتعالى لنبيه صلى الله عليه وآله ” لا تحرك به لسانك لتعجل به ” (4) الذي لم يحرك به لسانه لغيرنا أمره الله أن يخصنا به من دون غيرنا فلذلك ناجى أخاه عليا من دون أصحابه فأنزل الله بذلك قرآنا في قوله ” وتعيها اذن واعية ” (5) فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لأصحابه: سألت الله أن يجعلها اذنك يا علي، فلذلك قال علي بن أبي طالب صلوات الله عليه بالكوفة: علمني رسول الله صلى الله عليه وآله ألف باب من العلم ففتح كل باب ألف باب، خصه رسول الله صلى الله عليه وآله من مكنون سره بما يخص أمير المؤمنين أكرم الخلق عليه، فكما خص الله نبيه صلى الله عليه وآله خص نبيه صلى الله عليه وآله أخاه عليا من مكنون سره بما لم يخص به أحدا من قومه، حتى صار إلينا فتوارثنا من دون أهلنا.

فقال هشام بن عبد الملك: إن عليا كان يدعي علم الغيب والله لم يطلع على غيبه أحدا، فمن أين ادعى ذلك؟ فقال الامام: إن الله جل ذكره أنزل على نبيه صلى الله عليه وآله كتابا بين فيه ما كان وما يكون إلى يوم القيامة في قوله تعالى ” ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيئ وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين ” (6) وفي قوله:

” وكل شيئ أحصيناه في إمام مبين ” (7) وفي قوله: ” ما فرطنا في الكتاب من شيئ ” (8) وأوحى الله إلى نبيه صلى الله عليه وآله أن لا يبقي في غيبه وسره ومكنون علمه شيئا إلا يناجي به عليا، فأمره أن يؤلف القرآن من بعده ويتولى غسله وتكفينه وتحنيطه، من دون قومه، وقال لأصحابه: حرام على أصحابي وأهلي أن ينظروا إلى عورتي غير أخي علي، فإنه مني وأنا منه، له ما لي وعليه ما علي، وهو قاضي ديني ومنجز وعدي. ثم قال لأصحابه: علي بن أبي طالب يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله، ولم يكن عند أحد تأويل القرآن بكماله وتمامه إلا عند علي عليه السلام، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وآله لأصحابه: أقضاكم علي أي هو قاضيكم وقال عمر بن الخطاب: لولا علي لهلك عمر، يشهد له عمر ويجحده غيره.

فأطرق هشام طويلا ثم رفع رأسه فقال: سل حاجتك، فقال: خلفت عيالي وأهلي مستوحشين لخروجي (انهم كانوا يتوقعون مقتله على يد الخليفة) فقال هشام : قد آنس الله وحشتهم برجوعك إليهم ولا تقم، سر من يومك، فاعتنقه الامام ودعا له وفعل ابنه الشيئ نفسه ، ثم نهض الامام ونهض ابنه الصادق للخروج من مجلس الخليفة.

ولما خرجا من قصر الملك الى ميدان ببابه وفي آخر الميدان أناس قعود عدد كثير، سأل الامام: من هؤلاء؟ فقال الحجاب هؤلاء القسيسون والرهبان وهذا عالم لهم يقعد إليهم في كل سنة يوما واحدا يستفتونه فيفتيهم، فلف الامام عند ذلك رأسه بفاضل ردائه وفعل ابنه الامر نفسه، فأقبل نحوهم حتى قعد نحوهم.

وهنا كان جلاوزة الخليفة يراقبون مايحدث وارسلوا بالخبر الى هشام، فأمر الخليفة بعض غلمانه أن يحضر الموضع فينظر ما يصنع الامام، فأقبل وأقبل عدد من المسلمين، وأقبل عالم النصارى وقد شد حاجبيه بحريرة صفراء حتى توسط الجمع، فقام إليه جميع القسيسين والرهبان مسلمين عليه، فجاؤوا به إلى صدر المجلس فقعد فيه، وأحاط به أصحابه وكان الامام وابنه الصادق بينهم ، فأدار نظره ثم قال:

للامام: هل انت منا أم من هذه الأمة المرحومة؟ فقال الامام : بل من هذه الأمة المرحومة فقال: من أيهم أنت من علمائها أم من جهالها؟ فقال له الامام : لست من جهالها فاضطرب اضطرابا شديدا.

ثم قال له: أسألك؟ فقال له الامام: سل، فقال: من أين ادعيتم أن أهل الجنة يطعمون ويشربون ولا يحدثون ولا يبولون؟

وما الدليل فيما تدعونه من شاهد لا يجهل؟ فقال له الامام: دليل ما ندعي من شاهد لا يجهل الجنين في بطن أمه يطعم ولا يحدث، قال: فاضطرب النصراني اضطرابا شديدا، ثم قال: هلا زعمت أنك لست من علمائها؟ فقال له الامام: ولا من جهالها، وأصحاب هشام يسمعون ذلك.

فقال للامام: أسألك عن مسألة أخرى فقال له الامام: سل.

فقال: من أين ادعيتم أن فاكهة الجنة أبدا غضة طرية موجودة غير معدومة عند جميع أهل الجنة؟ وما الدليل عليه من شاهد لا يجهل؟

فقال له الامام: دليل ما ندعي أن ترابنا أبدا يكون غضا طريا موجودا غير معدوم عند جميع أهل الدنيا لا ينقطع، فاضطرب اضطرابا شديدا، ثم قال: هلا زعمت أنك لست من علمائها؟ فقال له الامام: ولا من جهالها.

فقال له: أسألك عن مسألة؟ فقال: سل، فقال: أخبرني عن ساعة لا من ساعات الليل ولا من ساعات النهار.

فقال له الامام: هي الساعة التي بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس يهدأ فيها المبتلى، ويرقد فيها الساهر، ويفيق المغمى عليه، جعلها الله في الدنيا رغبة للراغبين وفي الآخرة للعاملين لها دليلا واضحا وحجة بالغة على الجاحدين المتكبرين التاركين لها.

قال: فصاح النصراني صيحة ثم قال: بقيت مسألة واحدة والله لأسألك عن مسألة لا تهدي إلى الجواب عنها أبدا.

قال له الامام: سل فإنك حانث في يمينك.

فقال: أخبرني عن مولودين ولدا في يوم واحد وماتا في يوم واحد عمر أحدهما خمسون سنة وعمر الآخر مائة وخمسون سنة في دار الدنيا.

فقال له الامام: ذلك عزير وعزيرة وهما شقيقان ولدا في يوم واحد، فلما بلغا مبلغ الرجال خمسة وعشرين عام، مر عزير على حماره راكبا على قرية بأنطاكية وهي خاوية على عروشها ” قال: أنى يحيي هذه الله بعد موتها ” (9) وقد كان اصطفاه وهداه فلما قال ذلك القول غضب الله عليه فأماته الله مائة عام سخطا عليه بما قال، ثم بعثه على حماره بعينه وطعامه وشرابه وعاد إلى داره، وعزيرة أخوه لا يعرفه فاستضافه فأضافه، وبعث إليه ولد عزيرة وولد ولده وقد شاخوا وعزير شاب في سن خمس وعشرين سنة، فلم يزل عزير يذكر أخاه وولده وقد شاخوا وهم يذكرون ما يذكرهم ويقولون: ما أعلمك بأمر قد مضت عليه السنون والشهور، ويقول له عزيرة وهو شيخ كبير ابن مائة وخمسة وعشرين سنة: ما رأيت شابا في سن خمسة وعشرين سنة أعلم بما كان بيني وبين أخي عزير أيام شبابي منك! فمن أهل السماء أنت؟

أم من أهل الأرض؟ فقال: يا عزيرة أنا عزير سخط الله علي بقول قلته بعد أن اصطفاني وهداني فأماتني مائة سنة ثم بعثني لتزدادوا بذلك يقينا إن الله على كل شئ قدير، وها هو هذا حماري وطعامي وشرابي الذي خرجت به من عندكم أعاده الله تعالى كما كان، فعندها أيقنوا فأعاشه الله بينهم خمسة وعشرين سنة، ثم قبضه الله وأخاه في يوم واحد.

فنهض عالم النصارى عند ذلك قائما وقاموا – النصارى – على أرجلهم فقال لهم عالمهم: جئتموني بأعلم مني وأقعدتموه معكم حتى هتكني وفضحني وأعلم المسلمين بأن لهم من أحاط بعلومنا وعنده ما ليس عندنا، لا والله لا كلمتكم من رأسي كلمة واحدة، ولا قعدت لكم إن عشت سنة، فتفرقوا والامام قاعد مكانه وابنه الصادق عليه السلام معه، ورفع ذلك الخبر إلى هشام.

فلما تفرق الناس نهض الامام وانصرف إلى المنزل الذي يقطن فيه فجاءهم رسول هشام بالجائزة وأمرهما بالانصراف إلى المدينة من ساعتهم وعدم المكوث في دمشق، لان الناس ماجوا وخاضوا فيما دار بين الامام وبين عالم النصارى.

لم يقض الامام الباقر عليه سوى ليالي معدودة وقد اظهر من العلم ماعجز عنه كبار علماء الاديان فإذا توفرت لديه الفرصة ليقضي مدة اطول لتمكن من كسب ود الناس جميعا خلال فترة لاتزيد عن الاشهر، لكن خلفاء بني امية بلا شك لن يقفوا مكتوفي الايدي ازاء مايرونه من انقياد الامة واتباعها لائمة اهل البيت بسبب تقدمهم في العلم والفهم على سائر الناس ولذا سيضيق الخلفاء الخناق عليهم ويمنعونهم من الحركة بل حتى من الحديث الى الناس لكي لايتاثروا بعلمهم ومنطقهم لان الحكومة الظالمة تقيم حكمها على جهل الناس، ولذا ارسل هشام لعماله في المدن ان الامام يحادث النصارى واصبح واحدا منهم فأمرهم ان لايبايعونه ولايحدثونه خلال مسيرة عودته الى المدينة.

حكاية الامام الباقر عليه السلام ومسيرته الرسالية هي لاتتوقف عند هذا الموضع بل هي مستمرة وفيها المزيد من العبر والمواعظ ، لكننا لانستطيع الاطالة في هذا المقام.

 

ينشر موقع “المسلة كتابات” جميع ما يرد اليه، شرط أن يكون خاليا من السب والشتم والأوصاف غير اللائقة على الجهات والشخصيات.

“المسلة كتابات” لا يتحمل مسؤولية الأفكار والآراء الواردة. المقالات والنصوص المنشورة تعبّر  عن وجهة نظر الكاتب فقط. 

Please follow and like us:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *