حزب الدعوة الإسلامية بفكر جماعة الأخوان المسلمين

حزب الدعوة الإسلامية بفكر جماعة الأخوان المسلمين

المسلة كتابات – علي المؤمن:

تزامن ظهور شبهة تأثر حزب الدعوة الإسلامية بفكر جماعة الأخوان المسلمين مع الهجمات الشرسة التي قام بها حزب البعث ضد حزب الدعوة خلال الأعوام 1971 و1972 و 1974؛ فكانت أجهزة المخابرات والأمن البعثية تروج في أوساط المتدينين بأن المعتقلين والمعدومين هم من جماعة الإخوان المسلمين؛ بهدف خلق ردود فعل سلبية من الحوزة العلمية والشارع المتدين ضد خط السيد محمد باقر الصدر، وتسوغ لحملات الإعتقالات والإعدامات والقمع. بل أن هذه التهمة هي أساساً من مختلقات حزب البعث قبل أن يصل الى السلطة ويصطدم بالإسلاميين الشيعة؛ أي منذ أن اكتشف في أوائل الستينات وجود حراك اسلامي تنظيمي جديد وكبير في النجف يتصدره السيد محمد باقر الصدر؛ الأمر الذي دفع أحد أقطاب حزب البعث (وهو معمم من النجف) للذهاب الى المرجع الأعلى السيد محسن الحكيم؛ ليحذره من هذا الحراك الذي يتشبه بالإخوان المسلمين والفكر السني وإنه خطر على النجف والحوزة. وحينها أجابه السيد الحكيم بلغة الحكمة والفهم العميق: ((وهل أنت احرص من السيد محمد باقر على الحوزة والنجف؟)). وهو يشبه ما قاله المرجع السيد الخوئي لمحرضين آخرين حينها: ((إذا كان السيد محمد باقر الصدر قد أسس حزباً فأنا أول من ينتمي إليه)).

إلّا أن تهمة تأثر الدعوة بالإخوان، والصدر بالسنّة؛ لم تتوقف عند هذا الزمن وعند الموقف المرجعي الحازم، بل اشتدت مع اشتداد حملات القمع والاعتقال والإعدام التي ظل حكم البعث يشنها ضد الإسلاميين الشيعة، و بالأخص حزب الدعوة في سبعينات القرن الماضي. والمفارقة أن الشيوعيين في النجف حينها، وتحديداً في فترة تحالفهم مع حزب البعث؛ كانوا يشيعون التهمة ذاتها، ويبدون حرصهم على التشيع والحوزة النجفية من الفكر الإخواني الذي يحمله السيد الصدر وحزب الدعوة !!.

وخلال عقد الثمانينات من القرن الماضي؛ بدء بعض الكتّاب والخطباء والسياسيين المحسوبين على الحالة الدينية، من خصوم السيد محمد باقر الصدر أو منافسي حزب الدعوة، ولاسيما في المهجر؛ الترويج لهذه المقولة، بهداف تسقيط الدعوة سياسياً ومذهبياً وجماهيرياً، ولايزال يرددها بعض المنتمين لتيارات إسلامية منافسة، أو بعض العلمانيين الذين يهدفون الى إسقاط الحركة الإسلامية سياسياً. وغالباً ما يستشهد هؤلاء بالآراء التي يطرحها السيد طالب الرفاعي والشيخ علي الكوراني في هذا المجال، كونهما من الدعاة الرواد.

والحقيقة أن حديث الشيخ علي الكوراني بشأن تأثر السيد محمد باقر الصدر وحزب الدعوة بجماعة الإخوان المسلمين والفكر السني؛ سببه ثأر قديم من السيد محمد باقر الصدر؛ بسبب عدم رضا السيد الصدر على تصرفات الشيخ علي الكوراني وأدائه، وطلبه خلال سبعينات القرن الماضي إبعاد الشيخ علي الكوراني من قيادة حزب الدعوة، إلا أن الشهيد السبيتي كان يرفض تنحية الشيخ الكوراني من قيادة الحزب، كما رفض طلب السيد كاظم الحائري والسيد مرتضى العسكري تنحية الكوراني، والسبب يعود الى تشدد الكوراني في الإخلاص لقائد الحزب ــ حينها ــ الشهيد السبيتي وفكره، وهو المعروف عنه رفضه أن يعزل حزب الدعوة نفسه مذهبياً.

كما أن للكوراني ثأر من حزب الدعوة أيضاً، يعود الى خلاف الشيخ علي الكوراني الشديد مع حزب الدعوة بعد تنحيته من القيادة وإبعاده عن الحزب نهائيا في العام 1981، في أعقاب تسلم ما عرف بخط الفقهاء لقيادة الحزب، في أعقاب عزل خط الشهيد السبيتي في الحزب، بينما ظل الشيخ الكوراني يقاتل في الأعوام 1979 وحتى 1981 للإبقاء على فكر السبيتي وخطه داخل الدعوة؛ كونه التلميذ المقرب للشهيد أبي حسن السبيتي، والملتزم بتعليماته التنظيمية وتوجيهاته الفكرية حرفياً، في مقابل ما عرف آنذاك بخط الفقهاء في الدعوة، الذي يتصدره السيد كاظم الحائري والشيخ محمد مهدي الآصفي والشيخ محمد علي التسخيري والسيد مرتضى العسكري وغيرهم، وهو الخط الذي أعاد كتابة فكر الدعوة، وأعاد الحزب الى الفقه المذهبي، وجهر في انتماء الدعوة لمذهب أل البيت وثبّت مبدأ ولاية الفقيه وقيادة المرجعية، وهي مبادئ كان يرفضها خط الشهيد السبيتي منذ العام 1963، والذي كان الشيخ الكوراني رمزه والمقاتل من أجله خلال أزمة الخلاف بين الخطين.

وكثير من المعاصرين يعرفون الخلاف الذي حصل بهذا الخصوص في العام 1963 بين الشهيد السبيتي ممثلاً القيادة في بغداد، والمرحوم الشيخ عبد الهادي الفضلي ممثلاً قيادة تنظيم الدعوة في النجف. ولو كان هناك ثمة تأثر لفكر الدعوة بفكر الإخوان المسلمين وحزب التحرير؛ فإن المسؤول عنها – حصراً – هو الشهيد السبيتي وتلميذه المخلص الشيخ علي الكوراني، وهو الفكر الذي جلاه خط الفقهاء الذي سيطر على الحزب بعد العام 1980، ولايزال الحزب متمسكاً به. وبالتالي؛ لاقيمة علمية وتاريخية وواقعية لأي آراء يثيرها الشيخ الكوراني ضد السيد محمد باقر الصدر وحزب الدعوة، كونه آراء ثأثيرية وشخصانية.

ولديَ في ارشيفي حوارات خاصة بهذا الخصوص مع السيد كاظم الحائري والشيخ محمد مهدي الآصفي والشيخ محمد علي التسخيري والسيد مرتضى العسكري والسيد حسن شبر والسيد محمد حسين فضل الله والشيخ عبد الهادي الفضلي وآخرين، أُحجم عن نشرها؛ مراعاة للمصلحة العامة.

أما ما يذكره السيد طالب الرفاعي (أحد مؤسسي حزب الدعوة الإسلامية) في هذا المجال؛ فإنه يشير الى صداقاته وعلاقاته الشخصية مع جماعة الإخوان المسلمين قبل وبعد تأسيس حزب الدعوة، ولم يقل أنه انتمى يوماً الى جماعة الإخوان المسلمين، ويقصد بكلامه أن حزب الدعوة والسيد محمد باقر الصدر كانا خلال مراحل التأسيس والبناء يطًلعان على أفكار جميع الأحزاب وأنظمتهم الداخلية، بمن فيهم جماعة الإخوان وحزب التحرير والحزب الشيوعي وحزب الإستقلال، ويريد القول أيضاً بأننا لسنا طائفيين، وأن حزب الدعوة لايؤمن بالطائفية، وأن المرجعية الدينية ممثلة بالإمام السيد محسن الحكيم؛ كانت تتعاطف مع قضايا المسلمين المظلومين من أتباع المذاهب الآخرى، وهو مادفعها لاستنكار قيام حكومة جمال عبد الناصر بإعدام سيد قطب أحد مفكري جماعة الإخوان.

وبغية مقاربة موضوع مزاعم تأثر حزب الدعوة الإسلامية بجماعة الإخوان المسلمين؛ أطرح الملاحظات التالية:

1- هناك مشتركات فكرية وحركية بين كل الفاعليات والجماعات الإسلامية، الشيعية والسنية، وهو أمر طبيعي؛ لأن أغلب مصادر الفكر الإسلامي وقواعد الاجتهاد لدى المسلمين، هي مصادر وقواعد مشتركة. ولذلك؛ من الطبيعي أن تكون هناك مشتركات فكرية وحركية بين جماعة الإخوان المسلمين وحزب التحرير وجماعة الاسلامية في باكستان من جهة، وحزب الدعوة الاسلامية والجماعات الشيعية الأخرى من جهة أخرى، وهي تدخل في إطار المشتركات الاسلامية الفكرية والحركية العامة، وليس على مستوى الفكر المذهبي الخاص. وبالتالي؛ لاتعني هذه المشتركات أن الحركة الشيعية الفلانية متأثرة بالحركة السنية الكذائية أو العكس.

2- إذا قرأنا تفاصيل الفقه السياسي لحزب الدعوة؛ سنجد أنه حزب شيعي إمامي بامتياز؛ إذ أنه يؤمن بأصل الإمامة وبكل مايتفرع عنه من تفاصيل ترتبط بالنصب الإلهي للأئمة بالإسم، ثم بقيادة المرجعية أو ولاية الفقيه للأمة في عصر الغيبة. أما حزب التحرير وجماعة الإخوان فإنهما يدعوان الى دولة الخلافة والشورى، وهذا تعارض أساس وعميق بين الفكرين.

3- هناك مشتركات في قضايا التنظيم والإدارة التنظيمية والهيكيليات الحزبية بين الجماعات العلمانية والجماعات الإسلامية بشكل عام، وليس بين “الدعوة” و”الإخوان” وحسب. وتجد هذا أيضا بين الأديان والمذاهب والايديولوجيات البشرية والدول دون استثناء. وهو ما يسمى المشترك العام بين البشر.

4- حزب الدعوة كغيره من الجماعات الشيعية الحركية وكخط المرجعية الدينية الشيعية؛ يتعاطف مع قضايا المسلمين من المذاهب الأخرى، وخاصة التي فيها مظلومية إنسانية، وهو مايمليه الواجب الديني والإنساني، كالقضية الفلسطينية مثلاً. ولذلك فإن تعاطف المرجعية الدينية النجفية والسيد محمد باقر الصدر وحزب الدعوة مع قضية إعدام سيد قطب لايعني تبرأته من شطحاته الفكرية؛ بل هو تعاطف مع مفكر مسلم صدر بحقه حكم الإعدام من حاكم عسكري قومي. وبالتالي؛ من الغريب تصوير هذا التعاطف بأنه تأثر فكري وعقدي بجماعة الإخوان.

5- على المستوى الواقعي؛ ليس بين الشخصيات العشرين التي تحملت مسؤولية بناء حزب الدعوة وقيادته وكتابة فكره، من كان عضواً في جماعة الإخوان المسلمين، وجميعهم من علماء الحوزة العلمية المعروفين أو المثقفين الشيعة العاملين، وهذه أسماؤهم: السيد محمد مهدي الحكيم، آية الله السيد محمد باقر الصدر، آية الله السيد طالب الرفاعي، عبد الصاحب دخيل، محمد صادق القاموسي، الدكتور جابر العطا، آية الله السيد مرتضى العسكري، المحامي السيد حسن شبر، آية الله السيد محمد باقر الحكيم، المهندس محمد صالح الأديب، آية الله السيد محمد حسين فضل الله، آية الله الشيخ محمد مهدي شمس الدين، آية الله السيد محمد بحر العلوم، آية الله الشيخ كاظم الحلفي، المهندس محمد هادي السبيتي، آية الله الشيخ مفيد الفقيه، آية الله الشيخ عبد الهادي الفضلي، الشيخ عارف البصري، آية الله السيد عدنان البكاء، الشيخ مهدي السماوي. فهل هناك أي دليل على أن واحداً من هؤلاء كان مرتبطاً يوماُ أو متأثراً بجماعة الإخوان المسلمين. وهو الحال نفسه بالنسبة للقياديين والمفكرين الذين توالوا على الإمساك بمسيرة حزب الدعوة؛ فلم يكن بينهم منتمياً أو متأثراُ بفكر جماعة الإخوان المسلمين. نعم؛ كان ثلاثة فقط من هؤلاء العشرين، وهم: الشهيد محمد هادي السبيتي والدكتور جابر العطا والشيخ عارف البصري، أعضاء في حزب التحرير، حين كانوا شباباً في العشرينات من عمرهم أو قبل أن يبلغوا العشرين. وقد تركوا حزب التحرير اعتراضاً على قائده الشيخ تقي الدين النبهاني، بعد أصداره كتاب “الحكم في الإسلام”؛ لأنه كان يتمثل بالفقه السياسي السني. وبذلك؛ أثبت هؤلاء الفتية التزامهم بعقيدة آل البيت وفقه المذهب، قبل أن ينضموا الى حزب الدعوة الإسلامية. ثم عززوا موقفهم بانتمائهم للدعوة، التي يقف على رأسها فقهاء وعلماء دين في الحوزة العلمية النجفية، يتقدمهم السيد محمد باقر الصدر.

6- لم يحصل أي لقاء بين مؤسسي حزب الدعوة ورواده مع قادة جماعة الإخوان المسلمين في مصر أو العراق؛ سواء كان لقاءً تنظيمياً أو تنسيقياً او استشارياً أو فكرياً؛ سواء قبل تأسيس الدعوة أو خلاله أو بعده.

7- يمكن للباحثين المقارنة بين فكر حزب الدعوة وفكر جماعة الاخوان المسلمين؛ من أجل الوقوف على حقيقة هذا الموضوع. وكلا أدبيات الحزبين موجودة. وقد صدرت قبل بضعة أعوام أربع مجلدات تحتوي جميع الفكر الخاص والعام لحزب الدعوة الإسلامية؛ من يوم التأسيس وحتى العام 1980، وهي متوافرة في الأسواق. وحينها سنكتشف بسهولة الفروقات بين الفكرين والمنهجين؛ فلا فكر حسن البنا يشبه فكر الشهيد محمد باقر الصدر، ولا عبد الصاحب دخيل يشبه الهضيبي، ولا محمد هادي السبيتي مقارب لسيد قطب، ولا منهج السيد مرتضى العسكري يشبه بمنهج عمر التلمساني، ولا منهج الشيخ عبد الهادي الفضلي له علاقة بمنهج الشيخ تقي الدين النبهاني، ولا فكر السيد كاظم الحائري يشبه فكر عبد القديم زلوم، ولا مذهبية الشيخ محمد مهدي الآصفي لها ارتباط بمذهبية الشيخ يوسف القرضاوي.

 

ينشر موقع “المسلة كتابات” جميع ما يرد اليه، شرط أن يكون خاليا من السب والشتم والأوصاف غير اللائقة على الجهات والشخصيات.

“المسلة كتابات” لا يتحمل مسؤولية الأفكار والآراء الواردة. المقالات والنصوص المنشورة تعبّر  عن وجهة نظر الكاتب فقط. 

Please follow and like us:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *