اُم أبيها

اُم أبيها

المسلة كتابات – طاهر باقر:

“اُم أبيها” جملة لايقولها اي انسان واذا قالها فإنها تعني الكثير وتبين عظمة تلك المرأة، فإذا كان القائل هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فتعني اكثر من العظمة لضخامة مكانة القائل ودوره باعتبار كونه الرابط مابين الارض والسماء.

فالحديث عن فاطمة الزهراء سلام الله عليها تختلط فيه عوالم الدنيا والآخرة، حتى يصبح الكاتب عاجزا عن الفصل بین ماهو سماوي من شخصیتها وبين ماهو ارضي كتلك التفاحة التي قطفها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الجنة في الاسراء والمعراج وراح يأكلها وتحولت الى ماء في ظهره.

نفسها التفاحة كان رسول الله يشم عطرها في فاطمة الزهراء سلام الله عليها وتذكره بعطر الجنة وتخفف عليه آلامه عندما كان في احلك ظروفه واوجع ايامه؛ وحيدا يواجه غضب امة قريش ويتلقى اذى المشركين، وتنزف دماءه الطاهرة على جبينه كانت هناك البتول تفرج همه.

ولما يتوجع المرء ويشعر بضغط الحياة يحن الى حضن امه ليبث لها لوعته وحزنه والمه، لكن النبي الاعظم فقد الابوين في حداثة سنه ورحلت زوجته السيدة خديجة مبكرا وتوفي عمه ابو طالب، وفي تلك الایام السوداء كان النبي اشد حاجة الى من يشحذ همته ويقوي عزيمته في الصبر على الاذى فكانت فاطمة سلام الله عليها تذكره بالجنة فيهدء روعه وتطمئن سريرته.

كانت تزيح الهم عن قلبه بينما هي تعاني، لقد تذوقت طعم المرارة والاذى في دين الله حتى قبل ولادتها، وهي جنين في بطن امها فلقد عزفت قابلات قريش عن ايلادها بسبب موقف امها خديجة رضوان الله عليها ودعمها لرسول الله.

وفي الرواية ” وجهت السيدة خديجة إلى نساء قريش وبني هاشم أن تعالين لتلين مني ما تلي النساء من النساء فأرسلن إليها: أنت عصيتنا ولم تقبلي قولنا وتزوجت محمدا يتيم أبي طالب فقيرا لا مال له فلسنا نجئ ولا نلي من أمرك شيئا فاغتمت خديجة عليها السلام لذلك” (1)

كل المخاوف التي كانت تنتاب النبي الاعظم صلى الله عليه وآله وسلم كانت اكبر ثقلا على قلب فاطمة وهي طفلة صغيرة، ومثل كل الانبياء كان رسول الله مهددا بالقتل في كل لحظة من لحظات عمره الشريف، وكان قلب السيدة فاطمة يتفطر حزنا على معاناته وعذاباته.

ومع كل خطوة لرسول الله لتشييد الاسلام كانت هناك خطوة مماثلة للسيدة فاطمة، ومع كل لبنة يضعها رسول الله لبناء الاسلام كانت السيدة فاطمة تخلطها بدموع عينيها، وكل الم تحمله النبي في سبيل الدين الشريف كانت السيدة فاطمة تتوجع وتحزن واذا كان هناك حق لرسول على المسلمين فلفاطمة الزهراء حق مماثل في ذمة كل مسلم ومسلمة، وهو حق يحكم به العقل ويأمر به القرأن الكريم حتى اضاف الله سبحانه وتعالى هذا الحق ليجعله حقا له مثلما هو حق للرسول، فأثبت هذا الحق في قرآنه الكريم وقال (قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ) (2) فالنبي الاعظم لم يسأل المسلمين مالا او ذهبا وقالوا له لو اردت لجمعنا لك جبلا من ذهب في قصة معروفة ارادوا مجازاته لقاء مشقته وعذاباته في تبليغ الرسالة، لم يطلب اليهم سوى المودة في القربى وهو بلا شك سائلهم عن هذا الحق يوم القيامة، فالمودة لفاطمة وبعلها وبنيها هو اعظم حق على المسلمين كافة وهو ليس فقط من حقوق رسول الله بل هو حق لله، لانه عزوجل اثبته في كتابه الكريم.

وفي الوقت الذي ذم القرآن عددا من نساء المسلمين ووبخهن في مواضع عديدة حملّ فاطمة عبئا اضافيا دون سائر المسلمات ومسؤولية اكبر بان تكون في مقدمة العارفين والمطبقين لاحكام السماء لكي تصبح القدوة لكافة النساء المسلمات.

ولقد ثبّت الله سبحانه وتعالى مكانة السيدة فاطمة وقدمها على سائر النساء في موقف مشهود هو من اعظم مواقف الاسلام، عندما لبى نبي الاسلام في السنة التاسعة للهجرة دعوة النصارى من اهل نجران للمباهلة وتعني الملاعنة أي الدعاء بإنزال لعنة الله والعذاب على الكاذب من الطرفَين المتلاعنين.

وقد ورد في القرآن الكريم : ﴿فَمَنْ حَاجَّك فيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَك مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبينَ﴾ (3)

ولمّا حان الموعد اختار النبي بامر الله علي وفاطمة والحسن والحسين ليقوموا بهذه المهمة العظيمة، وخرج النصارى يتقدمهم اسقفهم، فلمّا رأوا صدق النّبي وأنّه قد أقبل بخاصّة أهله أحجموا عن المباهلة، وقالوا: إنا لا نباهلك ولكن نصالحك.

ولو لم تكن فاطمة ماكانت ستقع المباهلة لان الله سبحانه وتعالى اختار لفظة الجمع (نساءنا ونساءكم) للدلالة على فاطمة ولو كانت هناك امرأة اخرى بين نساء المسلمين بمنزلة فاطمة من النزاهة والنقاء لكان الله قد فرض على نبيه ان يأتي بها للمباهلة.

ولهذا خص نبي الاسلام جانبا من احاديثه الشريفة وسنته الكريمة للكلام عن اهل بيت النبوة ولما ورد ذكر نساء النبي في القرآن الكريم باعتبارهن امهات المؤمنين اراد النبي تبيين فضل السيدة الزهراء فقال قولته الشهيرة “فاطمة ام ابيها” والعاقل يدرك التفاوت في الفضل مابين امهات المؤمنين وبين ام النبي.

ولم تحصل السيدة فاطمة الزهراء سلام الله عليها على هذه الرتبة العظيمة لانها ابنة النبي بل لانها استحقت هذه المنزلة عن جدارة وتكبدت الكثير حتى حظيت بهذه الرتبة، لقد صبرت على الجوع هي وابنائها حتى تعطي طعامها وطعام ابنائها ليتيم واسير ومسكين طرقوا بابها طلبا للطعام فاصبحت بذلك المثل الاعلى ونزلت في حقها الآية الكريمة (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا) (4) ولو لم تكن فاطمة لم تكن هناك قصة حقيقية يستشهد الله سبحانه وتعالى بها في وصف الايثار.

لقد شبهوا فاطمة الزهراء بليلة القدر لعدم القدرة على معرفتها، ونحن اليوم في عصر العلم والتقدم العلمي بينما يعجز المسلمون عن معرفة اكبر شخصية نسائية لديهم يستطيون ان يباهو العالم بها، ولكن يبدو ان نصارى نجران كانوا اعرف بفاطمة من المسلمين انفسهم ولذا توخوا الحذر من ان يباهلونها فيمحقهم الله بعذاب قريب.

وللمسيحيين الحق في ان يفتخروا بالسيدة مريم ولكننا نسأل المسلمين من هي المرأة التي تباهون بها العالم؟ سيعجز كثير من المسلمين عن الاجابة؟ لانهم في الواقع لايعرفون السيدة الاولى في العالم الاسلامي!!

ومع تقديرنا واحترامنا لكافة النساء الصالحات لدى الاديان الاخرى لكن المسلمين اضافة الى انهم لايعرفون الشخصيات النسائية الاسلامية لديهم هم يقدمون نساء الاديان الاخرى ولو سألتهم من هي سيدة نساء العالمين او سيدة نساء الجنة سيقولون فلانة او فلانة لكنهم لايذكرون اسم شخصية اسلامية!!..اذن لماذا اصبح الاسلام هو الخاتم للاديان بينما سيدة النساء من ديانة اخرى؟ هل هذا معقول؟؟

 

ينشر موقع “المسلة كتابات” جميع ما يرد اليه، شرط أن يكون خاليا من السب والشتم والأوصاف غير اللائقة على الجهات والشخصيات.

“المسلة كتابات” لا يتحمل مسؤولية الأفكار والآراء الواردة. المقالات والنصوص المنشورة تعبّر  عن وجهة نظر الكاتب فقط. 

Please follow and like us:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *