ام البنين.. سفرة من العطاء ممدودة من السماء

ام البنين.. سفرة من العطاء ممدودة من السماء

المسلة كتابات – طاهر باقر:

كل امرأة تلد عند العرب ثلاثة ابناء يطلقون عليها “ام البنين” ولاشك ان اللاتي اولدن ثلاثة ابناء منذ بدء الخلقة وحتى اليوم اعدادهن كثير ولكن التاريخ لايعرف الا “ام البنين” واحدة هي زوجة امير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام وهي فاطمة بنت حزام الكلابية وبرغم عظمة قدرها وعلو منزلتها لكنها عرفت بام البنين ليس فقط لضخامة ادوار ابنائها وماصنعوه من مواقف خالدة على مستوى التاريخ الاسلامي بل لما لهذه الكنية من معنى على صعيد تاريخ اهل بيت الرسالة.

فبعد استشهاد فاطمة الزهراء سلام الله عليها ذهب الامام علي عليه السلام الى اخيه يستشيره في الزواج من امراة اولدتها شجعان العرب يجعل من ابنائها ذخرا لرسالة السماء وعونا لابنائه الحسن والحسين عليهما السلام في مهمتهما السماوية وكان عقيل بن ابي طالب من النسابة فدله على ام البنين فأنجبت له اربعة ابناء هم العباس وجعفر وعبد الله وعثمان من اشجع فرسان العرب.

ولقد ذهب عقيل بن ابي طالب خاطبا لدى قبيلة فاطمة الكلابية وبعد ثلاثة ايام قضاها لديهم اخبرهم انه جاء اليهم خاطبا لابنتهم فاطمة لاخيه علي فاستبشروا ورحبوا به لكنهم طلبوا اليه ان يتريث حتى يحصلوا على رضاها، وكانت الفتاة تحدث والدتها عن رؤيا شاهدتها في المنام وقد القي في حجرها قمرا وبعدها القي في حجرها ثلاثة نجوم فبشرتها امها باربعة ابناء يرزقها الله سبحانه، فقدم عليها والدها يخبرها بالخطابة عندها ادركت معنى الرؤيا التي شاهدتها.

هي امرأة من البادية اجتمعت في صفاتها خصال الخير من العفة والشهامة والكرم ولما قدمت على امير المؤمنين حملت معها خسمة هوادج مع فرسان يحرسونها وحلوا ضيوفا ثلاثة ايام على امير المؤمنين ولما دخلت الى بيت زوجها كان الحسن والحسين مريضان فأخذت تمرضهما وتسلي عنهما وتنفض غبار المرض عنهما وهي لاتزال في ثياب العرس وتعب الطريق.

لاشك ان السيدة ام البنين كانت تحظى بمنزلة عظيمة حتى تصبح جزءا من هذا البيت الشريف، وكل امرأة في موقع ام البنين سوف تتعالى على بقية النساء وتجد الافضلية لنفسها على سائر النساء لأن امير المؤمنين اختارها لتكون زوجة له دون سائر النساء، لكنها كانت متواضعة غير متعالية نصبت نفسها في خدمة الحسن والحسين واختهما زينب سلام الله عليهم ولذا استأذنت في اول دخولها لبيت الامير من الحسن والحسين وقالت لهم : هل تأذنوا لي ان اكون في خدمتكم؟

كانت امرأة عارفة بمقام سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء ولذا كانت تقدم ابناء السيدة فاطمة وترجحهم على ابنائها في كل شيئ وكانت تراعي مشاعرهم الى درجة انها تنازات عن اسمها “فاطمة” وتطلب من امير المؤمنين ان لايناديها باسمها لكي لايؤلم ذلك زينب والحسن والحسين فالاسم ربما يذكرهم بامهم الشهيدة وكانت تطلب من العباس ان يخاطب شقيقه الحسين بخطاب الولي التابع لامامه ويقول له ياسيدي.

لقد قدمت السيدة ام البنين مدرسة عظيمة فيها معاني الخير والاخلاق الحميدة ولقد تعلم العباس على يدها ذلك الفداء وتلك التضحية، عندما انحنى الى النهر بكف ملؤها الماء فأبى الشرب واخيه في العطش يتلظى.

وفي موقف قل نظيره يكشف عظمة السيدة ام البنين ومدى التصاقها بالامام الحسين عليه السلام انه عندما اتى الناعي يخبرها بالفاجعة وماحصل لابنائها الاربعة كانت تساله اولا عن الحسين وماجرى عليه في واقعة الطف قبل سؤالها عن ابنائها، وهذا ان دل على شيئ فإنما يدل على حبها للامام، وانها كانت تقدمه على ابنائها، في موقف قل نظيره عندما تكون المرأة فاقدة لابنائها ومكسورة الجناح لكنها تبقى ثابتة ومتزنة وتقف ذلك الموقف المشرف الذي سجله لها التاريخ ابد الدهر وكان الناعي “بشرا” ينعى اليها ابنائها واحدا واحدا حتى ذكر العباس عليه السلام فقالت: يا هذا قطعت نياط قلبي، أولادي ومن تحت الخضراء كلهم فداء لأبي عبد الله الحسين عليه السلام.

وبعد عودة ركب السبايا الى المدينة المنورة اغلقت السيدة زينب سلام الله عليها بابها عن نساء المدينة لايدخلن دارها ولايعزينها في الحسين عليه السلام، بسبب خذلان اهلها لسبط النبي الاعظم صلى الله عليه وآله وسلم وقد طلب نصرتهم، ورفضا منها لاستئثارهم بانفسهم وتضحيتهم بريحانة رسول الله حتى أثر الفداء بروحه حفظا لدين جده من الضياع على يد الطغاة، وحتى بعد الاغلاق كانت لاتزال الباب تطرق ولما فتحوه واذا بالسيدة ام البنين واقفة على الباب والجارية تنتظر الامر من السيدة زينب هل تسمح لها بالدخول فتجيبها: ويلك هي “ام البنين” صاحبة العزاء.

ولقد ابكت بندبتها لابنائها كل عدو وصديق حتى ذكر الامام الصادق عليه السلام موقفها ذلك وقال: كانت ام البنبن تخرج الى البقيع فتندب بنيها اشجى ندبة وأحرقها، فيجتمع الناس اليها يستمعون منها وكان مروان يجيئ في من يجيئ فلايزال يسمع ندبتها ويبكي”(1)

وكانت تذكرهم بهذه الابيات المفجعة:

لا تدعوني ويك أم البنين * تذكريني بليوث العرين كانت بنون لي ادعى بهم * واليوم أصبحت ولا من بنين أربعة مثل نسور الربى * قد واصلوا الموت بقطع الوتين تنازع الخرصان أشلاءهم * فكلهم امسى صريعا طعين يا ليت شعري اكما أخبروا * بان عباسا قطيع اليمين .

ولقد ابدع الله في خلقة ابو الفضل العباس حتى زاد فوق فضائله كلها جمال كبدر القمر ولقد اطلقوا عليه قمر بني هاشم لروعة بهائه وحسن جماله حتى قال عنه الرواة انه يركب الفرس المطهم ورجلاه تخطان الارض (2)

ولقد سجل ابناء “ام البنين” من المواقف مايعجز عن وصفها الكتاب والادباء وقد اتتهم الفرصة للافلات من الموت المحقق لكنهم آثروا الشهادة مع الامام الحسين عليه السلام على البقاء عبيدا للطغاة، ولقد كان عبد الله بن ابي المحل بن حزام “ام البنين خالته” في جهاز ابن زياد فقال له: ان رأيت أن تكتب لبني أختنا أمانا فافعل، فكتب لهم أمانا، فبعث به مولى له إليهم” ولما كان اليوم التاسع من المحرم جاء شمر حتى وقف على أصحاب الحسين (ع) فقال أين بنو أختنا ” يعني العباس وجعفرا وعبد الله وعثمان أبناء علي (ع)” فقال الحسين (ع) أجيبوه وان كان فاسقا فإنه بعض أخوالكم، فقالوا له ما تريد؟ فقال لهم: أنتم يا بني أختي آمنون فلا تقتلوا أنفسكم مع أخيكم الحسين والزموا طاعة يزيد فقالوا له لعنك الله ولعن أمانك أتؤمننا وابن رسول الله لا أمان له.

قوم إذا نودوا لدفع ملمة * والخيل بين مدعس ومكردس لبسوا القلوب على الدروع وأقبلوا * يتهافتون على ذهاب الأنفس

وبعد هذا العطاء العظیم وهذه المواقف المشرفة جعل الله سبحانه وتعالى من السيدة “ام البنين” بابا من ابواب رحمته، وسفرتها المسماة “سفرة ام البنين” المعروفة لأتباع اهل بيت النبوة فرجت “ام البنين” من خلالها الكرب عن ملايين الناس من ذوي الحاجات المستعصية.

 

 

ينشر موقع “المسلة كتابات” جميع ما يرد اليه، شرط أن يكون خاليا من السب والشتم والأوصاف غير اللائقة على الجهات والشخصيات.

“المسلة كتابات” لا يتحمل مسؤولية الأفكار والآراء الواردة. المقالات والنصوص المنشورة تعبّر  عن وجهة نظر الكاتب فقط. 

Please follow and like us:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *