الوقوف في منتصف الطريق

الوقوف في منتصف الطريق

المسلة كتابات – محمد زكي ابراهيم:

من الطبيعي أن تنطلق في بلد كالعراق يعاني من بطء التنمية، وتخلف وسائل الإنتاج، وتعثر خطوات البناء، مشاريع كثيرة هدفها سد حاجة البلاد في المجالات الاقتصادية والخدمية، وتضييق دائرة المعاناة، وتقليل الحاجة إلى الغير، وتخفيض كميات العملة المصدرة للخارج. فهذا هو الوضع السليم الذي يجب أن يحدث في مختلف المراحل والأزمان.

إن إطلاق مبادرات جديدة هي على الدوام سمة المجتمعات الحية. وليس من الغريب أن يتجه التفكير نحو تحديث بنية الدولة، التي تعاني من الترهل، والتآكل، والضعف. فالبقاء على ما بني منذ سنوات طويلة، يعني توقف الحياة، أو الاستسلام غير المبرر للظروف.
لكن نسبة عالية من هذه المبادرات لا تتكلل بالنجاح، فتتوقف في بدء المشوار أو تظل عالقة لأمد طويل في منتصف الطريق. بل أن بعضها يذوي وهو في المهد لأسباب طارئة لم تكن في الحسبان.

وقد شاهدت مصانع ضخمة، وشركات كبرى، وطرق مواصلات مهمة، ومحطات كهرباء عملاقة، ومشاريع إسكان ومدارس وملاعب وموانئ، وهي تئن من الإهمال، وتشكو من الإعراض. وقد تركت لعوامل المناخ تعبث بها كيفما تشاء، وتنال منها مثلما تريد. دون أن تمتد لها يد الإنقاذ التي تنتشلها من التصدع.

وأذكر أنني وقفت ذات مرة على مبنى ضخم في البصرة اسمه دار الأوبرا حوالي عام 2015، وكنت قد سمعت به قبل سنوات من ذلك. ولا أنكر جذلي بمشروع كهذا تنهض به وزارة الثقافة، في مدينة عامرة بالسكان، لا تملك إلا القليل من هذه الأماكن، التي يعود بعضها إلى مئة عام خلت. وقد وجدت أن العمل قد استؤنف فيه بعد توقف طويل. وما إن مرت بضعة شهور حتى عاود الكرة من جديد. وتوقف عن العمل تارة أخرى.
لا بد أن يشعر المرء بالحيرة إزاء الخسائر التي تنوء بثقلها الدولة جراء ذلك، وتتبادر إلى ذهنه في الحال مجاميع الشبان الباحثة عن العمل، وأعداد الفقراء الذين يملئون التقاطعات، وفرص التقدم الضائعة دون مسوغ.

في البلاد النامية التي تحاول اللحاق بالعالم المتقدم ، لا ينصح باتساع مجال المجازفة كثيراً. فليس لهذه الدول وقت طويل تنفقه على التجارب القابلة للفشل. لأن اكتشاف عيوب غير متوقعة يؤدي في الغالب إلى غض النظر عن المشروع برمته. وقد تحدث مثل هذه الهفوات في بلدان العالم المتقدم أيضاً. لكن عنصر المجازفة في تلك الدول يمتلك صيغة أخرى تدخل في عملية المنافسة المستمرة. فقد أحيلت طائرة الكونكورد الأوربية الضخمة التي تسير بسرعة الصوت مثلاً للتقاعد قبل سنوات. وكان ذلك بعد أن استنفدت السبل لتحويلها إلى مشروع ناجح. في وقت كان الأميركيون يتوقون لاستنساخ هذه التجربة أيضاً. ولا أظن أن أحداً كان يتوقع أن تنتهي هذه الطائرة التي كانت حدثاً مهماً في حينه إلى مثل هذا المصير المحزن.

إن أي مشروع صناعي أو خدمي أو عمراني يمكن أن يكون من هذا النوع. فقد يحدث أن يعجز عن سداد الكلفة العالية التي أنفقت عليه، ويصبح الاستمرار فيه عبئاً كبيراً على الدولة. وأعتقد أن المشاريع الصناعية التي أنشئت في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي في العراق تنتمي إلى هذا الصنف من الأعمال. الأمر الذي حمل الإدارة الجديدة على صرف النظر عنها، أو تأجيل إعادتها للعمل. فليس بوسع نظام جديد مثقل بالمشاكل والديون أن يمضي قدماً في مواقع أثبتت خسارتها على مدى سنوات طويلة.

ما يهم العراق الآن أن يدرك كم من الوقت خسر بمثل هذه الإخفاقات، وكم هو حجم المعاناة التي حدثت بسببها في صفوف المجتمع. مثل هذا الأمر يحتاج إلى خبرات عالية ومهارات قد لا تتوفر عند الكثير من أصحاب القرار. عدا عن النرجسية التي طبع عليها موظفو الدولة وتصالح الناس على تسميتها بالبيروقراطية. فهي تقف حائلاً دون المضي بكثير من الأفكار الناجحة. وهو أمر يجب أخذه بنظر الاعتبار في كل خطوة محتملة تخطوها مؤسسات الدولة. وبدون ذلك سيكون عليها أن تتوقع التعثر أو الوقوف المستمر عند منتصف الطريق.

 

ينشر موقع “المسلة كتابات” جميع ما يرد اليه، شرط أن يكون خاليا من السب والشتم والأوصاف غير اللائقة على الجهات والشخصيات.

“المسلة كتابات” لا يتحمل مسؤولية الأفكار والآراء الواردة. المقالات والنصوص المنشورة تعبّر  عن وجهة نظر الكاتب فقط. 

Please follow and like us:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *