الواقع نتاج الماضي وأكثر

الواقع نتاج الماضي وأكثر

المسلة كتابات – سالم مشكور:

بإمكانك أن تتحدث عن سوء الوضع الحالي في البلاد ما شئت، عن سياسات خاطئة وفساد تجذّر في كل المستويات، وسوء الوضع الصحي والتعليمي والخدمي. أولاً لأن هكذا حديث له في الواقع ما يؤيده، وثانياً لان حرية الكلام والانتقاد والشكوى تعدّ من إيجابيات عراق ما بعد ٢٠٠٣. لكن أن ترجع كل هذا الخراب الذي نعيشه، الى النظام السياسي الذي خلف نظام صدام فهذا غاية في التجني والتعتيم على الحقيقة.

من يطلق هذا الكلام كأنه يريد القول إنّ العراق في نيسان 2003 كان قد بلغ العلا، في ازدهاره وتطوره الاقتصادي والسياسي والتعليمي وإنه بدأ الانحدار بمجرد زوال ذلك النظام.

لا يبرئ هذا الكلام ساحة الحكومات التي تعاقبت بعد 2003 من القصور والتقصير لأسباب عدة بينها المحاصصة والفساد وغياب ستراتيجية لبناء دولة وليست سلطة، لكن تحميل النظام الجديد كامل المسؤولية، ليس من الموضوعية والانصاف في شيء، خصوصا عندما يجري هذا الحديث ضمن حوار نخبوي هدفه وضع المعالجات للواقع المتردي، فكيف يمكن اقتراح معالجات من دون تشخيص حقيقي للمشكلة وجذورها.

الخراب في العراق بدأ منذ العام 1979 عندما تولى صدام السلطة وبدأ التحضير لحرب إيران. ثماني سنوات من حرب طاحنة أهلكت الحرث والنسل، وأماتت القلوب بطوابير الجثث التي تعود الى مدن العراق بعد كل هجوم أو صد هجوم، وبعدما وضعت اوزارها كان الاقتصاد العراقي منهاراً لكن العراق خرج بماكنة عسكرية كبيرة، فكان فخّ الكويت الذي نصبوه لذات الأحمق، فكان القضاء على القوّة العسكرية وحصار دمّر المجتمع العراقي وقيمه وأخلاقه، بسبب معاناة تهدّ جبالاً شامخة. وخلال سنوات البطش والجوع غادر العراق مئات الالاف من مستويات مختلفة، مصطحبين معهم ذكريات مؤلمة خلقت في وعيهم، ومعهم أغلب أهل الداخل موقفاً من شعارات الوطنية بعدما اختصر حاكم دكتاتور الوطن بشخصه واسرته.

عشية سقوط النظام السابق كان العراق مدمّراً والوعي العام مشوّهاً، والناس، بمختلف مستوياتهم ومواقعهم اللاحقة، وسواء الذين عادوا من المنافي او من بقوا في الداخل، هم نتاج عقود مظلمة من السياسات التدميرية، فكان الأداء مكمّلاً لمسيرة الدمار بعدما دخلت عناصر جديدة عمّقت الخلل، منها التدخلات الخارجية والانقسامات الداخلية والفساد وتعمّق الأنانية وتقدّم الهويات الفرعية على الهوية الوطنية.

من يتجاهل هذه الحقائق لا يقدم قراءة واقعية للوضع العراقي.

 

ينشر موقع “المسلة كتابات” جميع ما يرد اليه، شرط أن يكون خاليا من السب والشتم والأوصاف غير اللائقة على الجهات والشخصيات.

“المسلة كتابات” لا يتحمل مسؤولية الأفكار والآراء الواردة. المقالات والنصوص المنشورة تعبّر  عن وجهة نظر الكاتب فقط. 

Please follow and like us:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *