النهضويون والاستبداد السياسي

المسلة كتابات – محمد زكي ابراهيـم:

كان جل النهضويين العرب الذين نفخوا الروح في جسد هذه الأمة من دعاة الحكم المطلق، الذين لم يرتأوا مشاركة الناس في السلطة، أو التقليل من صلاحيات الحاكم الفرد. ولم يحاولوا رغم اطلاعهم على أحوال العالم المتمدن أن ينقلوا تجربته إلى بلدانهم. فقد كانوا صادقين مع الأنظمة التي عاشوا في كنفها أو عملوا تحت أمرتها.

ومن أشهر هؤلاء في مصر رفاعة رافع الطهطاوي وعلي مبارك، وفي سوريا أحمد فارس الشدياق وفي العراق السيد محمد كاظم اليزدي. أما في ما بعد فقد أنتجت الحكومات الاستبدادية المعروفة نماذج نهضوية وأدبية كبيرة، في العالم العربي بأسره.

في مقابل ذلك ثار أشخاص على الحكم المطلق وسعوا إلى تغييره، لكنهم لم يدعوا صراحة إلى إنشاء نظام على الطريقة الغربية، التي يعرفها الناس الآن. فقد كان جمال الدين الأفغاني مثلاُ ثائراً كبيراً، محباً للعدل والحرية، داعية إلى التنوير. لكنه كان من أنصار الجامعة الإسلامية والحكم اللامركزي في الدولة العثمانية.

في المنظار الذي نزن به الأمور اليوم، فإن هؤلاء جميعاً كانوا دعاة تخلف. ولم يتمكنوا من إحداث تغيير حقيقي لدى الشعوب العربية والإسلامية. ولم يضعوا أصابعهم على الجرح الذي ينخر في الأمة، وهو الاستبداد السياسي. حتى الكواكبي الذي اشتهر بنضاله ضد الاستبداد لم يتحدث عن الديمقراطية، بل كان يهاجم القوى المتحجرة والاستبداد الديني الممسك بزمام السلطة يومذاك.

في النجف لم يقف اليزدي صاحب موسوعة العروة الوثقى الشهيرة مع ثورة الدستور في إيران عام 1905. كان زملاؤه وعلى رأسهم الآخوند محمد كاظم الخراساني (ت 1911) قد ألقوا بثقلهم خلف الثورة ، لكنه بقي طوداً شامخاً رغم كل محاولات الانتقاص منه. وحينما انتصرت حركة المشروطة لم يتزحزح هو عن مواقفه. بعد ثلاثة أعوام نجح الانقلاب العثماني، وأعيد دستور مدحت باشا للعمل، وبدأ التضييق يطاله شخصياً. فانفض الناس عنه ولم يتبق من المصلين خلفه، وهو المرجع الأعلى، أكثر من ثلاثين شخصاً. لكن الأتراك الذين طالما هددوه بالنفي أدركوا أنه هو الداعم الحقيقي للدولة في العراق حينما أفتى وهو الزعيم الديني الأكبر بمحاربة الاحتلال البريطاني.

الذين يشككون في هذه الحقيقة عليهم أن يحصوا عدد الكتاب والشعراء والفنانين النابهين في العراق في النصف الثاني من القرن العشرين، رغم المضايقات الشديدة التي طالت البعض منهم. ورغم اختلاف البعض الآخر مع السلطة. بعد 2003 تفرق هؤلاء أيدي سبأ. مات بعضهم وهاجر آخرون. صمت كثيرون أو تواروا عن الأنظار. لكن جيلاً آخر لم يستطع رغم أجواء الحرية والانفتاح أن يحل محلهم، أو يملأ الفراغ الذي أحدثوه.
كان دعم “جمهورية الخوف” التي نشأت بعد عام 1968 خطيئة كبرى في نظر جانب كبير من الناس. وكان من ينال الحظوة فيها يتعرض للسخرية والاستخفاف. لكن هؤلاء كانوا علامات فارقة ومهمة ومؤثرة. وإذا ما استطعنا غض النظر عن اتجاهاتهم السياسية فإنهم يستحقون الإشادة والتكريم.

ربما سيأتي الوقت الذي تزول فيه الهواجس السياسية، وينسى الناس ما حدث خلال هذه الحقبة. وحينها سيتحول هؤلاء إلى رموز ثقافية. وستقرأ الأجيال الجديدة كتبهم وأشعارهم وتتداول رؤاهم وأفكارهم. وتشاهد نتاجاتهم الفنية والتشكيلية.
ليس كل من عاش في ظل نظام استبدادي متورط في تأييده أو إضفاء الشرعية عليه. لقد كان قدره أنه عاش في هذه الحقبة وابتلي بما فيها من ظلم. لكن الغريب أن الذين عاشوا في أجواء الديمقراطية وإطلاق الحريات لم يستطيعوا مجاراتهم في ما أنجزوه، ولا مضاهاتهم في ما أبدعوا فيه. إنها مفارقة تحتاج إلى تأمل طويل، لأنها من عجائب هذا الزمان الكثيرة.

 

ينشر موقع “المسلة كتابات” جميع ما يرد اليه، شرط أن يكون خاليا من السب والشتم والأوصاف غير اللائقة على الجهات والشخصيات.

“المسلة كتابات” لا يتحمل مسؤولية الأفكار والآراء الواردة. المقالات والنصوص المنشورة تعبّر  عن وجهة نظر الكاتب فقط. 

Please follow and like us:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *