المستشرقون.. لماذا اصبح الحسين مهما بنظرهم؟

المستشرقون.. لماذا اصبح الحسين مهما بنظرهم؟

المسلة كتابات – طاهر باقر:

كالشلال تنزل كلماتهم، تصيب عروق الارض اراءهم، تهز مشاعر الملايين افكارهم، (المستشرقون) اختلف فیهم كثيرون فمنهم من قال انهم منحازون ومع ملة الكفر متحالفون ومنهم من قال انهم علماء محايدون، آراءهم جديرة بالمطالعة والتحقيق وفي الامام الحسين عليه السلام هي اكثر من جذابة لانها تشتمل على تصورات بكر وفيها مادة دسمة من الرؤى مما قد لانجد له مثيلا لدى المفكرين المسلمين.

يظن المسلمون انهم وحدهم الذين بامكانهم ان يدركوا معنى الشهادة لكن بعض المستشرقين اظهروا فهما مختلفا وتصورا واقعيا عن الشهادة وعرفوا الشهادة واهلها وميزوهم عن المتلبسين بردائها فهناك فرق بين من تلطخت ايديه بدماء الابرياء وقتل على يد اعدائه فنعت بالشهيد وبين من اعطى للشهادة معنى وحياة.

الحسين لم يكن شهيدا فحسب بل هو اعطى للشهادة معناها الحقيقي ، واذا كان الرجال يعرفون بمدى قربهم وبعدهم من القيم فالامام الحسين عليه السلام هو الذي اعطى للمبادئ قيمتها، واذا اصبحنا ندرك المعنى الحقیقی للشهادة فذلك بعد أن قرأنا قصة بطولة الحسين عليه السلام، وهنا يقول عالم الآثار الانجليزي “وليم لوفتس” في كتابه (الرحلة إلى كلدة وسوسيان) : “لقد قدم الحسين بن علي أبلغ شهادة في تاريخ الإنسانية، وارتفع بمأساته إلى مستوى البطولة الفذة”.

الشعور الانساني عظيم عندما يتجلى باروع صوره النقية من خلال الفرشاة التي ترسم بها الكاتبة الانجليزية “فريا ستارك” تلك الصورة المعبرة فكريا وحسيا عندما جعجع بالحسين عليه السلام الى جهة البادية بينما احاط به اعداؤه ومنعوا موارد الماء عنه وتضيف “ماتزال تفصيلات تلك الوقائع واضحة جلية في أفكار الناس إلى يومنا هذا كما كانت وليس من الممكن لمن يزور هذه المدن المقدسة أن يستفيد كثيراً من زيارته ما لم يقف على شيء من هذه القصة لأن مأساة الحسين تتغلغل في كل شيء حتى تصل إلى الأسس وهي من القصص القليلة التي لا أستطيع قراءتها قط من دون أن ينتابني البكاء”

هنالك عنصران في هذا النص اولهما الربط مابين الحاضر والماضي ومابين المكان والواقعة فهي لاتنظر الى المكان والى المرقد الطاهر برغم مايملك من ابهة الى انه مجرد ديكور جميل مبهر للعيون بل تبحث عن القصة التي خلقت كل هذه العظمة.

والسؤال الذي يلازمنا هو لماذا يجب ان يثير هذا الصرح العظيم التساؤل لدى امرآة بريطانية بالكاد تعرف شيئا عن الاسلام فمابالك بقضية الامام الحسين عليه السلام، ولماذا لاتثار مثل هذه الاسئلة لدى بعض المسلمين الذين يمرون على هذه الصورة المتفجرة بالمعاني مرور الكرام؟

وحتى لو ان المستشرق الألماني كارل بروكلمان اعتبر ان الذي احرزه دم الحسين عليه السلام ساهم في تطور حزب علي وجعلت من ضريح الحسين في كربلاء أقدس محجة بحسب رايه لكنه يشير وبشكل واضح الى انتصار الدم على السيف ونحن نعتقد بانه انتصاره کان للاسلام بينما يراه انتصار لحزب علي.

لكنه عندما يوضح ذلك هو يشير في (تاريخ الشعوب الإسلامية) “ألحق أن ميتة الشهداء التي ماتها الحسين بن علي قد عجلت في التطور الديني لحزب علي، وجعلت من ضريح الحسين في كربلاء أقدس محجة”
الرجل مقتنع تمام الاقتناع ان الميتة التي اختارها الحسين عليه السلام لم تكن ميتة اعتيادية انها كانت ميتة الشهداء بمعنى انها ميتة القديسين والانبياء والصالحين فلم تكن ميتة عادية فلقد احس بعظمتها وهو رجل غير مسلم وربما لايشعر باهمية المبادئ التي قتل من اجلها الحسين.
صورة الشهادة بمضامينها الكبيرة قد يدرك المسلمون معناها بشكل جلي من خلال كلمات الباحث الانجليزي “جون آشر” في كتابه رحلة الى العراق وهو يقول : “إن مأساة الحسين بن علي تنطوي على أسمى معاني الاستشهاد في سبيل العدل الاجتماعي”.

وبعد هذا كله ليس مستغربا ان تقرأ لمستشرق فرنسي
” هنري ماسيه” في كتابه (الاسلام) وهو يعدد نتائج سياسية ودينية لثورة الامام الحسين وهو يقول : ” واستطاع رجال يزيد أن يقضوا على الجماعة الصغيرة، وسقط الحسين مصابا بعدة ضربات، وكان لذلك نتائج لا تحصى من الناحيتين السياسية والدينية”.

ما يبين ان حركة الامام الحسين لم تكن بحجم الزمان والمكان التي وقعت فيهما وهي اعظم بكثير من زمانها ومكانها وتاثيرها يفوقهما ليتعدى ازمنة وامكنة بل تأثيرها يفوق حجمها الديني، لان اكبر اكبر حجم في التأثير للحركات الدينية هي تنتقل بفكرها ورؤيتها الى اجيال لاحقة من اتباع الدين نفسه في حين تجاوزت الحركة الحسينية المحدوديات والحواجز الدينية حتى قال فيها غاندي ماقال وهو من اتباع ديانة اخرى.

وحتى الطقوس العاشورائية لها تاُثير غير محدود في الزمان والمكان، ويرى الكاتب الانجليزي “توماس لايل” ان مواكب العزاء الحسيني فيها من القوة كي تهز العالم هزا بشرط ان يدرك الموالون لاهل البيت قوة هذه المراسم ويقول في (دخائل العراق): “فشعرت في تلك اللحظة وخلال مواكب العزاء وما زلت أشعر بأنني توجهت في تلك اللحظة إلى جميع ما هو حسن وممتلئ بالحيوية في الإسلام، وأيقنت بأن الورع الكامن في أولئك الناس والحماسة المتدفقة منهم، بوسعهما أن يهز العالم هزا فيما لو وجها توجيها صالحاً وانتهجا السبل القويمة ولا غرو فلهؤلاء الناس واقعية فطرية في شؤون الدين”.

لقد تحولت كربلاء الى صالة للفن والشهود تحولوا الى ممثلين لعرض مأساة الحسين بالدم والسيف، وينقلوا الصورة مع رائحة الدم العطرة المزكاة بالشهادة الى كل من يريد مشاهدة هذه القصة العظيمة التي لامثيل لها في الوجود وفي هذا تقول الباحثة الانجليزية “جرترود بل” في كتابها (من أموراث إلى أموراث): “لقد أصبحت كربلاء مسرحا للمأساة الأليمة التي أسفرت عن مصرع الحسين”.
وربما يستطيع المستشرق الانجليلزي ان يقدم لنا تفسيرا موضوعيا حول سبب انجذاب هذا العدد من الكتاب والمفكرين بقضية الامام وحركته التاريخية ويقول في كتابه (تاريخ ايران) : “حقا إن الشجاعة والبطولة التي أبدتها هذه الفئة القليلة، كانت على درجة بحيث دفعت كل من سمعها إلى إطرائها والثناء عليها لا إرادياً، هذه الفئة الشجاعة الشريفة جعلت لنفسها صيتاً عالياً وخالدا لا زوال له إلى الأبد”.

لكن ابرز مايشير اليه العالم الايطالي “الدومييلي” هو ان حركة الامام الحسين عليه السلام اثارت السخط في قلوب الناس تجاه بني امية وزرعت الشك في قلوب الناس تجاه شرعية تلك السلطة مايمهد للاطاحة بها ويقول في كتابه (العلم عند العرب) : “نشبت معركة كربلاء التي قتل فيها الحسين بن علي، وعرضت الأسرة الأموية في مظهر سيء.. ولم يكن هناك ما يستطيع أن يحجب آثار السخط العميق في نفوس القسم الأعظم من المسلمين على السلالة الأموية والشك في شرعية ولايتهم”.
وعندما نقول بان قضية الامام الحسين هي القضية الكبرى في التاريخ الاسلامي ربما يعتبر البعض بهذه المقولة مبالغة لكن تعالوا واقرءاوا المستشرق الاميركي “كوستاف غرونيبهام” الذي يعتبر في كتابه (حضارة الاسلام) ان قضية الحسين هي كونية وان شخصية الامام الحسين هي الاكثر تأثيرا بين الشخصيات الاسلامية ويقول: “الكتب المؤلفة في مقتل الحسين تعبر عن عواطف وانفعالات طالما خبرتها بنفس العنف أجيال من الناس قبل ذلك بقرون عديدة، وأضاف قائلاً: إن وقعة كربلاء ذات أهمية كونية، فلقد أثرت الصورة المحزنة لمقتل الحسين، الرجل النبيل الشجاع في المسلمين، تأثيراً لم تبلغه أية شخصية مسلمة أخرى”

لكن النتيجة الاكثر اهمية على مستوى الفكر الانساني هي ان شخصية كبيرة مثل المهاتما غاندي يدعو الهنود الى الاستلهام من حركة الامام الحسين لكي يحققوا النصر على اعدائهم!! مالذي عرفه غاندي عن ثورة الحسين وجهله ملايين المسلمين لكي يستلهم هو الهندوسي من ثورة الامام الحسين روح المقاومة والنصر؟؟ بينما يعجز كثير من المسلمين فعل ذلك؟؟ فهو يقول في كتابه (قصة تجاربي مع الحقيقة): “لقد طالعت بدقة حياة الإمام الحسين، شيد الإسلام الكبير، ودققت النظر في صفحات كربلاء واتضح لي أن الهند إذا أرادت احراز النصر، فلابد لها من اقتفاء سيرة الإمام الحسين”.

 

ينشر موقع “المسلة كتابات” جميع ما يرد اليه، شرط أن يكون خاليا من السب والشتم والأوصاف غير اللائقة على الجهات والشخصيات.

“المسلة كتابات” لا يتحمل مسؤولية الأفكار والآراء الواردة. المقالات والنصوص المنشورة تعبّر  عن وجهة نظر الكاتب فقط. 

Please follow and like us:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *