المركزية السياسية العراقية: بوابة التاريخ الوطني

المركزية السياسية العراقية: بوابة التاريخ الوطني

المسلة كتابات – ميثم الجنابي:

إن الحقائق الكبرى جزء من صيرورة الوجود. فهي تجري وتسري في كل مكوناته الطبيعية والماوراطبيعية. وفكرة المركز السياسي والمركزية الثقافية من بين أكثرها جوهرية بالنسبة للتاريخ الذاتي ووعيه العقلاني. وذلك لأنهما شرط ومقدمة التاريخ الثقافي والحضاري على السواء. وما عدا ذلك تصبح الفوضى هي القوة الرابطة للتخلف والانحطاط والمراوحة فيما بينهما! ولعل المفارقة الكبرى بالنسبة للعراق بهذا الصدد تقوم في أن الفوضى السائدة فيه بأثر الدكتاتورية الصدامية والتوتاليتارية البعثية، هي التي جعلت من قوى الفوضى الخارجية والداخلية “طليعة الحرية والتقدم!!”. وقد حصلت هذه المفارقة الغبية على تعبيرها الأيديولوجي النموذجي في فكرة “الفوضى الخلاقة” الأمريكية، التي كانت بالنسبة للعراق تكريسا نموذجيا للفوضى غير العقلانية، التي وجدت انعكاسها في بنية النظام السياسي الحالي (من محاصصة عرقية ونزعة طائفية ونفسية جهوية وذهنية تقليدية) وأثرها في تحول الفساد إلى منظومة تحكم شخصية الأفراد والأحزاب وتفعل فعلها في تخريب فكرة الوطنية ومركزية الدولة.

فقد دفع العراق في مجرى السنوات الماضية وسوف يدفع ثمن هذه البنية فترة طويلة لكي يتسنى له إعادة بناء تاريخه الذاتي. إذ لا تاريخ ذاتي دون فكرة ومنظومة مركزية الدولة والأمة. وهي فكرة ومنظومة مجهولة بالنسبة لأغلب القوى السياسية المتحكمة في السلطة الحالية. لكنها نتيجة مترتبة في اغلب مقدماتها السياسية على مقولة “الفوضى الخلاقة”، بوصفها مقولة أيديولوجية بحتة تعكس بقايا الذهنية المسطحة عن آلية وتقاليد السوق وبقايا التراكم البدائي للرأسمال، أي عن آلية “التطور الاجتماعي والاقتصادي للأمم”. وإذا كان لهذه الرؤية ما يبررها من الناحية التاريخية والسياسية المجردة، فإنها لم تكن في ظروف العراق أكثر من صيغة متغطرسة انتهكت ابسط مقومات التاريخ الثقافي للعراق وأثره بالنسبة لبنية وعيه السياسي وآفاق تطوره الذاتي. وليس مصادفة أن تجد صداها “الفعال” والمتحمس بين الأقليات الهامشية وما أطلقت عليه مرة إحدى “الدراسات التحليلية الأمريكية المحترفة” عبارة “عجول الأحزاب المخصية”!!

فقد كانت هذه القوى مبعدة ومبتعدة عن تاريخ العراق الفعلي، ومنهمكة بقضاياها الجزئية الخاصة. بمعنى غربتها واغترابها السياسي والاجتماعي والوطني عن فكرة وذهنية مركزية الدولة والأمة. من هنا يمكن فهم سرورها وغرورها بما أحدثته “الفوضى الخلاقة”، وذلك لانعدام الإبداع فيها وسيادة الفوضى. لاسيما وأنها الحالة التي لا تتطلب الموهبة والاحتراف العالي والشعور بالمسئولية الكبرى تجاه القضايا الجوهرية والوطنية العامة، بوصفها قيما طبيعية واجتماعية وعلمية وتاريخية لا يمكن صنعها وتراكمها إلا عبر مركزية الدولة والأمة. وإذا كان تخريبها في تاريخ العراق الحديث والمعاصر هو الوجه الآخر لصعود الراديكالية السياسية، وبالأخص بعد انقلاب الرابع عشر من تموز عام 1958، فإن تدميرها التام قد جرى في مجرى العقود الأربعة المظلمة للتوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية. وبالتالي، لم يكن بإمكان “الفوضى الخلاقة” الأمريكية أن تستقطب غير الأقليات الهامشية والمهمشة، وحثالة الأحزاب والنخب! من هنا شراستها العنيفة وعنفوانها المتقاتل في احتلال كل ما احتلته القوات الأمريكية في العراق! بحيث أصبح من الممكن أن يكون “رئيس” الدولة العراقية رئيس حزب عرقي محلي لأقلية قومية. وهي مفارقة مزدوجة وغريبة، شأن كل الانقلاب العنيف للشخصيات والأحزاب السياسية، التي تحولت بين ليلة وضحاها من “أعداء الامبريالية” إلى مؤيدين لها، ومن “إسلاميين أصليين” إلى طائفيين “عقلاء”، ومن قوميين عرب إلى “عرب” بلا قومية، ومن “شيوعيين أمميين” إلى قوميين صغار، ومن “دعاة الثقافة” إلى تجار صغار باسم الثقافة. وهي قائمة يمكن تتبع جردها على كل ما يطفو على سطح الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية.

لم تكن هذه الحالة الغريبة والشاذة معزولة عن حماقة الرؤية الأمريكية وصداها الأشد إثارة في شخصية الأحزاب السياسية وقياداتها. فقيمة وحقيقة النخب بشكل عام والسياسية بشكل خاص تبرز في مراحل الاختبار التاريخي الكبرى. وهو اختبار كشف عن ضحالتها المريعة! من هنا انهماكها “الطبيعي” في اللعبة الأمريكية، بوصفه التعبير الفعلي عن طبعها وطبيعتها وتطبعها! بمعنى تلاقي الطرفين في مستنقع الفوضى والعيش بذوقه. الأمر الذي جعل ويجعل من كل ما تقوم به أغلب النخب الحالية مجرد اجترارا للزمن، أي اغترابا فعليا عن التاريخ العراقي. لكنه اغتراب لا يصنع مستقبلا. والسبب جلي للغاية، وهو أن “الفوضى الخلاقة” لا يمكنها أن تصنع في العراق غير الفوضى فقط. وذلك لأن “الفوضى الخلاقة” بوصفها صيرورة للإبداع لا يمكنها الفعل إلا ضمن كينونة ثقافية وسياسية لها منظومتها الثابتة والخاصة.

إن الفوضى تبدع ولكن في ظل وجود منظومة كبرى. بينما لم توجد في العراق بعد سقوط الصدامية منظومة كبرى باستثناء “منظومة” الخراب الشامل للدكتاتورية وبقاياها الصدئة في كل مكان. من هنا استحالة عملها. ومن هنا أيضا الطابع المأساوي والمخجل لأغلب قوى “الخارج”. فحقيقة الإبداع ليست فوضى، بل رؤية منظومية متجانسة تتسم بقدر كبير من التعقيد. غير إن الرؤية الأمريكية المتعالية التي جرى سحق انفها في تربة العراق الخربة، لم يكن بإمكانها التحرر من نزعتها النفعية السقيمة. ولا تستطيع هذه النزعة العمل بنجاح في العراق، بسبب تباين واختلاف منظومة القيم واثر التاريخ وآفاق المعاصرة والمستقبل. من هنا اعتمادها على نفسية وذهنية الأقلية. وهو اعتماد وانهماك لا معنى له ولا قيمة غير الاستمرار في تقاليد الاغتراب عن مصالح العراق الجوهرية. وأكثر من جسّد هذه الحالة في ظروف العراق الراهنة الحركات القومية العرقية الكردية. لكنها حالة طارئة وعابرة بسبب تمثلها لزمن التجزئة المفتعلة. وفي هذا يكمن سر تمسكها المستميت بفكرة التجزئة ومحاولة إدخالها إلى قاموس العراق السياسي (الفيدرالية العرقية، والأراضي “المتنازع عليها”، والمشاكسة الغبية، والانفعال الطفولي، والتذاكي المضحك، وما شاب ذلك)، بوصفه التعبير المبطن والمقلوب عن نفسية وذهنية الأقلية الطارئة بالمعنى التاريخي والثقافي. بينما حقيقة البدائل والبدائل الحقيقية تكمن في الدفاع عن فكرة المركز السياسي والمركزية الثقافية، خصوصا في مراحل الانتقال العاصفة. فهو الأسلوب الوحيد الذي يعصم الجميع من الغرق في تيار اللاعقلانية والاحتراب الدموي. فضعف المركز السياسي والمركزية الثقافية يحول القوى والأحزاب والتيارات “السياسية” إلى عصابات وتجمعات لا يربطها شيء غير غريزة الخوف والغنيمة! وهي أمور لا علاقة لها بالدولة والأمة.

إن حقيقة البديل الوطني العراقي تكمن حاليا ولفترة عقود قليلة قادمة في تأسيس وترسيخ فكرة المركز السياسي والمركزية الثقافية. وهو بديل اقرب ما يكون إلى تيار ساري في شرايين العراق، يضخ بدوره قوة الحياة الصاعدة في صيرورته التاريخية وكينونة الثقافية. وسوف يسحق هذا التيار في مجرى تطوره مختلف بقايا الأقلية والهامشية. مع ما يترتب عليه بالضرورة من أفول الأقلية والجهوية والتجزئة بوصفها زمنا، وصعود الكينونة العراقية الجامعة بوصفها تاريخنا الذاتي.

 

ينشر موقع “المسلة كتابات” جميع ما يرد اليه، شرط أن يكون خاليا من السب والشتم والأوصاف غير اللائقة على الجهات والشخصيات.

“المسلة كتابات” لا يتحمل مسؤولية الأفكار والآراء الواردة. المقالات والنصوص المنشورة تعبّر  عن وجهة نظر الكاتب فقط. 

Please follow and like us:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *