المبارزة

المبارزة

المسلة كتابات – محمد زكي ابراهيم:

ثمة حقائق لا يملك الإنسان إزاءها سوى الشعور بالغصة، والركون للحزن، لأنها صادمة وموجعة، في الوقت الذي تبدو فيه لازمة من لوازم البقاء، وضرورة من ضرورات التقدم. فهي قدره الذي لا بد أن يسعى إليه مهما طال الزمن، أو ادلهمت الخطوب، أو عظمت المأساة.

وفي بعض الأحيان تجد الشعوب نفسها في ذات المأزق، رغم أن الثمن الذي تدفعه في سبيل ذلك مكلف وباهظ. لكنها تتذرع بالصبر بانتظار فرج يطل عليها من دون سابق إنذار. أو فرصة تسنح لها من غيرما موعد.

هذه الحال ليست خاصة. وهناك أكثر من شعب ينطبق عليه هذا الوصف، فالتماثل قائم في الأوجاع والمعاناة في عموم المنطقة. لكن الخصوصية العراقية تبقى دائماً في المقدمة.

فالسمة الغالبة على العراق هي الانقسام الشديد الذي يتضح في كل مكان، ويترك بصماته في كافة مجالات الحياة. وليس ذلك بخاف. فهناك شيعة وسنة، وعرب وكرد وتركمان، وإسلاميون وعلمانيون، وصالحون وفاسدون. ومقاومون ومثبطون، وغير ذلك كثير.

وفي كل فئة من هذه الفئات توجد فروع جانبية، ومجموعات من الأضداد، تتنازع في ما بينها على الحقيقة أو النفوذ أو المال أو السلطان. لكن الانقسام الشيعي له سمة خاصة، لأنه نشأ بسبب اختلاف المرجعيات الدينية حول أمور فقهية عامة. حتى باتت منشطرة إلى فرقتين رئيسيتين غير متجانستين ولا متقاربتين. عدا عن الفئات الصغيرة غير المؤثرة. وفي ظل هذه التفرعات ينشط السماسرة وباعة الرأي وتجار المواقف، في سوق واعدة، ومردودات وفيرة.

ولأن الشيعة هم عصب السلطة بحكم كونهم الأغلبية العددية، ولأن جميع المشاريع والأفكار والرؤى والتطلعات تنطلق من السهل الرسوبي الذي يعيشون فيه، فإن انقسامهم الشديد يحفز الآخرين على إقامة مزاد للأصوات والمواقف. فتتعثر كل دعوات التقدم والإصلاح والبناء والإعمار والتغيير، وتصطدم بأكثر من حاجز وجدار.

لكن النظام الديمقراطي الغربي الذي أخذ به العراقيون بحماس منقطع النظير، لا يتيح لفئة التغلب على الأخرى إلا في صناديق الاقتراع، وبسبب ذلك فإن المشكلة ستظل عالقة لأمد طويل. وستتدهور الأوضاع إلى أجل غير معروف. حتى يفعل الزمن فعلته، فيتقدم من هو أجدر بالقيادة، ويتراجع من هو أولى بالانزواء.

أي أن الطرف الشيعي الذي جعله الانقسام المرجعي الأضعف بين المكونات، سيظل سبباً للتفكك إلى أن تحين تلك اللحظة. فلا يستطيع أن يقدم على خطوة مادام يتربص به رفاقه وحلفاؤهم الذين يتغيرون مع الأهواء والميول والمصالح الفئوية والشخصية.

هناك حل وحيد يمكن أن يضع الفئة المناسبة في المكان المناسب. هذا الحل هو نفسه الذي كانت تلجأ إليه طبقة النبلاء في الماضي، في أوربا خصوصاً، فتفصل به بين المتنازعين، وترد به على الإهانة، وهو المبارزة.

وغالباً فإن من يفوز في المبارزة، التي كانت تجري بالسيف، ثم تحولت عنه في ما بعد إلى السلاح الناري، هو الأكثر حذاقة في فنون القتال، وليس الأكثر تشبثاً بالحق. وقد مات أشخاص كثيرون بهذه الطريقة رغم أنهم الذين تعرضوا للظلم، أو لحق بشرفهم الأذى. في ما بعد شرعت القوانين التي تحرم المبارزة بالسلاح الفتاك. لكنها ظلت قائمة في دساتير بعض بلدان أميركا الجنوبية لغاية عام 1971.

ولاشك أن الفرقاء الذين يتنازعون على السلطة في الدولة العراقية لن يستسلموا بسهولة إلى صناديق الاقتراع. ولن يتورع بعضهم عن العبث بهذه الصناديق، أو التلاعب بنتائجها. لأنه يرى نفسه على الدوام الأولى بالرئاسة من غيره.

وما لم تلجأ هذه الأطراف للمبارزة فإن المشكلة ستستمر، والضعف سيدوم. وقد تتشظى البلاد وتنقسم إلى دويلات، يعادي بعضها البعض الآخر. والنتيجة واحدة، وهي التضحية بعدد كبير من الأشخاص، وكميات هائلة من الأموال والقيم والمكتسبات.

وقد يكون مثل هذا الحل غريباً أو لاعقلانياً، إلا أنه سيقضي دون شك على كل الاحتمالات أعلاه. وسيعيد للبلاد ما كانت تتمتع به من وحدة وتماسك وسمعة طيبة. والأهم من ذلك كله، سيضعها على سكة التقدم الحضاري الذي يعيش فيه الناس بأعلى درجات الهناء الروحي.

لم يكن النبلاء مخطئين في تلك الأيام، لأن المبارزة كانت الحل الوحيد المتاح في أيامهم. وقد تبدو في هذه الأيام الحل الوحيد المتاح أيضاً، في بلد اسمه العراق. وإن كانت تختلف قليلاً عن الماضي، لأنها ستكون مبارزة جماعية وشاملة.

 

ينشر موقع “المسلة كتابات” جميع ما يرد اليه، شرط أن يكون خاليا من السب والشتم والأوصاف غير اللائقة على الجهات والشخصيات.

“المسلة كتابات” لا يتحمل مسؤولية الأفكار والآراء الواردة. المقالات والنصوص المنشورة تعبّر  عن وجهة نظر الكاتب فقط. 

Please follow and like us:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *