القيادة الإستراتيجية

القيادة الإستراتيجية

المسلة كتابات – سيف الدين زمان الدراجي:

” قبل ان تصبح قائداً، فأن النجاح يدور حول تنمية نفسك، وعندما تصبح قائدا فإن النجاح يدور حول تنمية الآخرين”. “جاك ويلش”

‏تُبين المقولة أعلاه بشكل دقيق دور القيادة الإستراتيجية في تحديد المسارات الواجب اتباعها لإقناع الآخرين بأهمية المضي قدماً نحو تحقيق الأهداف و تعزيز مرتكزات الامن والرفاهية والاستقرار.

مما لا شك فيه، أن المجتمع عادةً ما يحتاج إلى تفسير ما يجري من حوله برويةِ و رؤية واضحة. ففي الوقت الذي يُعتقد فيه بأن معظم القادة لديهم استراتيجية ما لمواجهة التحديات وحل المشكلات، فإنه غالباً ما يحصلُ لبسُ في فهم إطار عمل القيادة الإستراتيجية ووصفها بأنها خطة عمل أو مجرد فكرة عن كيفية تنفيذ السياسات أو تأدية المهام والواجبات.

تُعرَّف القيادة الإستراتيجية بأنها ” قدرة المسؤول الأعلى للمؤسسة على تحديد ‏مسارات العمل المستقبلية واتجاهاتها، وتحفيز الأعضاء وفريق العمل على بذل الجهود، للمضي نحو تحقيق الأهداف المرسومة وفق المسارات والاتجاهات المُعدَّة. حيث يسعى القادة الإستراتيجيون إلى إلهام الآخرين وحثهم وتشجيعهم على المساهمة في اتخاذ القرارات التي توفر فرص اكبر لنجاح المؤسسة على المدى البعيد بفعالية اكبر وكلف اقل.

تتحدد مهام القادة وفعالية الأداء على عوامل تتعلق بالقادة أنفسهم من جانب، و بالفريق الذي يعمل بمعيتهم من جانب آخر. حيث تشير بعض الدراسات إلى أن; طموح القائد، وسماته ‏الشخصية، وفلسفته القيادية، وعلاقته بمرؤوسيه، و مدى ثقته بهم، هي مجموعة العوامل الذاتية المتعلقة بالقائد نفسه. وتماشياً مع ما تم ذكره، فأن السمات الشخصية لأعضاء الفريق والقدرة على تحمل المسؤولية والاستعداد للسعي لتحقيق أهداف المؤسسة، بالإضافة الى الحرص والكفاءة والأخلاص، هي مجموعة العوامل التي تحدد شكل العلاقة بين الرئيس والمرؤوسين، ومدى وضوح الرؤية والمهام و التوجهات التشاركية لمواجهة الضغوط والمعوقات واتخاذ القرارات ذات الطابع الاستراتيجي، والتي تصب في صالح تطور العمل في المؤسسة وتحسين الاداء.

وفي هذا الإطار، ‏ومن أجل تسليط الضوء بشكل أكبر على الصفات والمهارات التي لابد أن تتوفر في من يضطلع بمهام القيادة الإستراتيجية، سنتناول أدناه ما خَلُصَت له عدد من الدراسات والبحوث المتخصصة في هذا المجال وكما يلي:

أولاً ” إتخاذ القرارات”:
في الأوقات الصعبة المُضطربة، قد يضطر صانع القرار إلى اتخاذ إجراءات وقرارات صعبة في ظل عدم وضوح الرؤية وغياب المعلومات الكاملة. وغالباً ما يجب عليه القيام بذلك بسرعة، خلافاً لتوجهات القادة الاستراتيجيون الذين يسعون للبحث عن خيارات متعددة ذات أبعاد استراتيجية وفق عملية مُنضبطة مُنظمة، توازن بين الدقة والسرعة، اخذين بنظر الاعتبار الاهداف ‏قريبة وبعيدة ومتوسطة المدى. وفي سبيل تحقيق ذلك، فهناك أهمية لصياغة القرارات عن طريق حث وتشجيع فريق العمل على تحديد الخيارات الأخرى المتوفرة و تفكيك القرارات الكبيرة و تقسيمها إلى أجزاء اصغر لفهم أوسع. بالإضافة إلى مُعايرة القرارات ذات المدى البعيد قبالة القرارات ذات المدى القريب والمتوسط.

‏ثانياً ” القدرة على التوقع” :
أن أهمية أن يتمتع القائد الاستراتيجي بقدرة عالية على توقع التهديدات واستكشاف الفرص وتحديد مكامن القوة والضعف تكمن في تطوير إمكانياته التحليلية و وقدراته الإستشرافية ليتحدد بشكل واضح اتجاه وشكل الطريق الذي لابد أن تسلكه المؤسسة وفقا لتلك المعطيات وتماشياً مع تلكم التوقعات.

ثالثاً ” ‏القدرة على التعرف على الأنماط والتغلب على الغموض والبحث عن رؤية جديدة”:
من البديهي أن يتمتع القائد الاستراتيجي بالقدرة على التعرف على الحقائق وتفسير وترجمة المعطيات والمعلومات ومن ثم إعادة التفكير بها للإستعداد لآثارها وعواقبها المستقبلية. الامر الذي يتطلب العمل على وضع قائمة تحوي عدد من التفسيرات المحتملة للفرضيات المطروحة، مع البحث عن المعلومات والأدلة المفقودة التي لا تؤكد او تقلل من فرص نجاح تلك الفرضية.

رابعاً ” التكيف “:
على القادة الاستراتيجيون أن يكونوا دبلوماسيون بارعون في إيجاد أرضية مشتركة لوجهات النظر المختلفة، لكسب التأييد وتحقيق الاهداف الإستراتيجية بما يضمن تحقيق مصالح المؤسسة. وبطبيعة الحال فإن ذلك يتطلب كفاءة وقدرة على إتقان استراتيجيات التفاوض ‏والتواصل الفعال وبناء الثقة المتبادلة.

خامساً ” التحدي”:
عادة ما يطرح القادة الاستراتيجيون تساؤلات عدة، ويضعون فرضيات تُجادل في طبيعة الوضع الراهن وما يترتب عليه من خطط وسياسات لمناقشة فرضيات الآخرين وتشجيع الحوار الإيجابي الفعال، بعد التدقيق والتفكير والنظر في زوايا مختلفة لأصل الطروحات والإشكاليات، بصبر وشجاعة وحكمة وعقل منفتح. مع التركيز على أسباب المشكلة بدلاً من أعراضها، وفسح المجال أمام الرافضين والمعارضين للمساهمة في عملية اتخاذ القرارات لتوضيح التحديات مسبقاً.

سادساً ” التعلم” :
أخيراً، لابد من الإشارة إلى أن القادة الاستراتيجيون هم المحور الرئيسي للتعلم التنظيمي واستنباط العبر والدروس من خلال تعزيز ثقافة البحث والتقصي عن التجارب الناجحة وغير الناجحة لتحديد أسبابها ومسبباتها وعدم تكرارها. مع التركيز على تطوير قدرة وكفاءة فريق العمل وأعضاء المؤسسة بشكل دوري ومستمر لمواكبة عجلة التطور التي تسير بسرعة كبيرة في عالمنا الحديث، مواجهةً كل العقبات والتحديات الزمكانية.
وأستخلاصاً لما سبق، فلعله من المفيد أن ننوه في الختام، الى إن أهمية دور القائد الاستراتيجي لا تتركز في القدرة على التعامل مع المعوقات اليومية فحسب، بل القدرة على التعامل مع التحديات المستقبلية والمشكلات المستعصية أوما يطلق عليها باللغة الإنجليزية
” Wicked Problems ” والتي تتطلب مهارات وإمكانيات ‏قيادية ومواصفات وسمات مؤثرة، لتوجيه المؤسسة، وتنفيذ التغييرات المناسبة، للتعبيرعن الرؤى الاستراتيجية ومواجهة التحديات في بيئة عمل غير واضحة و موضوعات شائكة، تتأثر بعوامل وأحداث داخلية وخارجية.

 

ينشر موقع “المسلة كتابات” جميع ما يرد اليه، شرط أن يكون خاليا من السب والشتم والأوصاف غير اللائقة على الجهات والشخصيات.

“المسلة كتابات” لا يتحمل مسؤولية الأفكار والآراء الواردة. المقالات والنصوص المنشورة تعبّر  عن وجهة نظر الكاتب فقط. 

Please follow and like us:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *