الفلسفة والتاريخ

المسلة كتابات – علي المرهج:

يُقال إن الفلسفة هي تاريخها، أنى يُمكن أن نفهم العلم بعيداً عن تاريخه، ولكننا لا يمكن لنا التفلسف بمعزل عن درايتنا بتاريخ الفلسفة.
أما في التاريخ بوصفه رواية لأحداث الماضي، فيكاد يكون ذكر الحوادث لا روح فيها ولا عبرة منها، إلا بعد أن يتدخل بها المؤرخ الفيلسوف، أو الفيلسوف المؤرخ، ليكشف لنا عن ديناميكية التاريخ وفلسفته، فلا يكون التاريخ هنا مجرد رصد وتدوين لأحداث الماضي، بل هو سعي لمعرفة علل وأسباب حدوث ما حدث، بل ومحاولة الكشف عن القوانين التي ـ ربما ـ تحكم حركة التاريخ، مثلما فعل ابن خلدون وتوينبي وشبنجلر، لذلك تكون فلسفة التاريخ بمثابة كشف عن “المسكوت عنه” في الحوادث السياسية والاجتماعية التي حدثت في الماضي.

الفلسفات الحية هي الفلسفات التي يُمكن أن نُسميها “فلسفات عصرها”، ولا نقصد بها أنها تتشكل بثقافة العصر الذي ظهرت فيه، بل تعي حركية وديناميكية الصراع الثقافي والفكري في ذلك العصر، لأن مهمة الفيلسوف الوصول للحقيقة.

الفلسفة بتعريف مبسط لها هي تعقل الوجود والحياة، والتاريخ هو سجل لأحداث الوجود والحياة، ولأن الفلسفة بطبيعة نشأتها هي “سؤال الوجود” وقل “سؤال الحياة” فلا حياة من دون وجود، ولا معنى للوجود إن لم تكن فيه حياة.

تؤرخ بداية الكشف عن العلاقة بين الفلسفة والتاريخ مع ابن خلدون، الذي انبهر بفلسفته كبار المفكرين والفلاسفة الغربيين والعرب المحدثين.

ربط ابن خلدون بين التاريخ والجنس البشري، فلكل منهما ولادة وحياة وشيخوخة وموت. تحدث ابن خلدون عن مفهوم “العصبية” أي الارتباط القبلي أو العشائري، وهو الأقرب للقول بعصبية الدم، أو النقاء العرقي، وهناك العصبية الدينية، الأولى أقرب للبداوة منها للحضارة، أما الثانية فهي ارتباط عقدي أوجدته الديانات الوضعية والسماوية، وهي في تطورها أنشأت حضارة، ولكن هذه الحضارة مرت وتمر بمراحل التكوين ومن ثم التنوير، وبعده الأفول، وصولاً لنهاية لحضارة، وكأنه ينظر لها على أنها حركة (حتمية)، حتمية التكوين ومن ثم التنوير، وبعده الأول الذي خاتمته سقوط الحضارة وفناؤها.

استفاد من نظريته مفكرنا علي الوردي في أطروحته للدكتوراه حول (نظرية المعرفة عند ابن خلدون) أو في كتابه (منطق ابن خلدون).

ما يشدك في فلسفة التاريخ أنها عود للماضي وحضور في الحاضر واستشراف للمستقبل. لذلك فلسفة التاريخ بمضمونها سعي لمعرفة قوانين حركة التاريخ، لا من أجل معرفة أحداث التاريخ، بل لعل في التاريخ ما يخدمنا في الحاضر واستشراف المستقبل.

لأضرب لكم مثلاً في القضية الفلسطينية، هل ينفعنا معرفة التاريخ فقط؟، أقول نعم، ولكن النفع ليس في المعرفة لوحدها، بل في معرفة طرق التعامل مع هذا التاريخ وتحديات الحاضر وتوقعات المستقبل لهذا الحدث. لو نظرنا لهذا القضية بتعقل وتعليل لحوادث التاريخ، لعرفنا مواطن الخلل في تعاملنا السياسي والاجتماعي والديني مع هذه القضية.

جوهر فلسفة التاريخ ليس الماضي كما يبدو لنا في الوهلة الأولى بحكم التسمية، بل جوهر فلسفة التاريخ هو مقدار الاستفادة من فهمنا لقوانين التاريخ لأجل معالجة واقعنا ووضع حلول له لصناعة مستقبل أفضل. هل يكتفي فيلسوف التاريخ بمعرفة تاريخ وفلسفة حضارته؟ الجواب كلا، لأن من مقتضيات فلسفته تعدد مصادر معرفته ليقدم لنا رؤية تقترب من الاكتمال في تحليل “الظاهرة التاريخية”. والاقتراب من الكمال يتحقق بمقدار ما يُسعفنا التحليل الفلسفي للتاريخ للوعي بالحاضر وتقديم رؤية تخدمنا لتحقيق “التقدم” والتطور في الثقافة والفكر والوعي الديني والحضاري.

 

ينشر موقع “المسلة كتابات” جميع ما يرد اليه، شرط أن يكون خاليا من السب والشتم والأوصاف غير اللائقة على الجهات والشخصيات.

“المسلة كتابات” لا يتحمل مسؤولية الأفكار والآراء الواردة. المقالات والنصوص المنشورة تعبّر  عن وجهة نظر الكاتب فقط. 

Please follow and like us:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *