العراق وحلم الدولة

المسلة كتابات – ا.د. عامر حسن فياض:

من هو سلطان الدولة ومعلمها ؟

يدرك من يقتحم تخوم المعرفة السياسية ان الحديث عن الدولة المدنية هو الحديث عن البعد السياسي في الحياة المجتمعية ، وأن التعرف على البعد السياسي للاشياء يبدأ وينتهي من خلال علاقة هذا الشيء او ذاك بالسلطة السياسية اي سلطة الدولة من حيث :

أصل السلطة السياسية ومصدر شرعيتها (أصل غير ارادي غير انساني، أي اصل غيبي او اسطوري ام أصل ارادي انساني اي شرعية القوة او شرعية الرضا والقبول).

شكل السلطة ونظامها السياسي (مركزي – لامركزي – جمهوري – ملكي – شمولي – تعددي).

وظيفة السلطة السياسية (واسعة ام محددة).

تداول او تعاقب السلطة السياسية (تداول سلمي ام عنيف).

واذا كانت السلطة قرينة في وجودها لوجود المجتمعات الانسانية القديمة والوسيطة، فان الدولة المدنية وسلطتها السياسية قرينة في وجودها لوجود المجتمعات السياسية الحديثة، فهي، أي الدولة المدنية ، منجز من منجزات الحداثة.

عليه فإن الحديث عن الدولة المدنية وسلطتها السياسية هو حديث عن دولة وضعية، بمعنى أنها دولة من صناعة الارادة الانسانية.

واذا كانت الدولة المدنية ، بوصفها دولة وضعية ، هي منجز من منجزات الازمنة الحديثة، فقبل تلك الازمنة لم تكن الدولة المدنية وسلطتها السياسية قائمة، بل إن المجتمعات السياسية القديمة والوسيطة شهدت وعرفت تسميات أخرى غير تسمية (الدولة المدنية)، مثل تسميات ( دولة المدينة – دويلات المدن – الممالك – الامارات – الولايات – الحواضر – الامبراطوريات).

ومن الخطأ أن تُعرف الدولة المدنية بدلالة وصفها ، فقط، النقيض للدولة المعسكرة (حكومة ومجتمع).

بمعنى أدق إن مفردة (المدنية) لا تعني فقط النقيض لمفردة (العسكرة).

فالتمدن والمدنية حاصل تفاعل علاقات ومؤسسات تشغل الفراغ مابين الفرد (المواطن) والدولة الوضعية، وان تلك العلاقات والمؤسسات محكومة بقوانين وضعها العقل الانساني تستهدف تحقيق التوازن بين مصالح الافراد والجماعات داخل المجتمع.

وعند التعارض في مصالح الافراد والجماعات لا مكان لاليات الحسم العنيفة في الدولة المدنية ، بل الحضور، كل الحضور، لاليات التسوية السلمية لحالات تعارض المصالح في داخل المجتمعات الانسانية وفي ما بينها.

وان آلية التسوية السلمية هذه تقتضي توسل جميع الاطراف المتعارضة ، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وفكرياً، بوسائل سلمية وليست عنيفة، كتوسل الانتخابات بدل الانقلابات وسيلة سلمية لاختيار رجالات ادارة الشأن العام في الدولة
المدنية.

وان السلطان في تسوية التعارضات بمختلف ضروبها السياسية وغير السياسية يتمثل بسلطان القانون وبيوت العدالة (القضاء والمحاكم). أما المُعلم في كل هذه التسويات فهو العقل. وعلية فإن الدولة المدنية في ابسط المفاهيم تعني أنها دولة يكون السلطان فيها هو القانون، كما انها دولة يكون المعلم فيها هو العقل.

عندها ستكون هذه الدولة هي دولة للمواطنين لا للرعايا ، دولة التعددية وليس الواحدية الشمولية، دولة الانتخابات لا الانقلابات ، دولة المشاركة في السلطة وليس الاستيلاء على السلطة ، دولة خالية من التأثيم والتحريم والتجريم للاخر ، دولة مناصرة للتفكير ومعادية للتكفير ، دولة لاتستقوي دواخلها بالاجنبي كيما لا يؤدي هذا الاستقواء الى الاستباحة الخارجية لدواخلها من البشر والحجر.

 

ينشر موقع “المسلة كتابات” جميع ما يرد اليه، شرط أن يكون خاليا من السب والشتم والأوصاف غير اللائقة على الجهات والشخصيات.

“المسلة كتابات” لا يتحمل مسؤولية الأفكار والآراء الواردة. المقالات والنصوص المنشورة تعبّر  عن وجهة نظر الكاتب فقط. 

Please follow and like us:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *