الشرق شرق .. والغرب غرب

الشرق شرق .. والغرب غرب

المسلة كتابات – محمد زكي ابراهيم: 

إن ما يهمنا الآن في العراق على وجه الخصوص أن نعرف لماذا لم تجلب لنا الديمقراطية الغربية الرفاهية التي خلبت لبنا سنوات طويلة. ولماذا لم تجعلنا نبتكر أساليب جديدة في الزراعة والصناعة والتعليم والصحة. ولماذا لم تساعدنا في تطوير معارفنا في الفلسفة أو الأدب أو الفن أو غيرها من المجالات مثلما فعلت في المجتمعات الغربية. ولماذا لم تنطلق عملية التنمية في بلادنا بعد أن كتبنا الدستور وخرجنا للاقتراع السري.

أسئلة كثيرة مازلنا لا نجد لها أجوبة رغم أننا عزونا كل هزائمنا التي تكبدناها طوال قرن كامل إلى ابتعادنا عن الفكر السياسي الغربي، وبقائنا على ذات الأساليب التي كان يحكم ويتصرف ويتعامل بها أجدادنا قبل قرون! 

لم يعد الأوربيون قادرين على فرض نموذجهم السياسي. فلا جيوش ولا أساطيل يخيفون بها الشعوب كما كانوا يفعلون من قبل. ولا اقتصاد قوي مثلما كانوا يملكون في الماضي. ومعنى ذلك أن الديمقراطية التي عاشوا في كنفها بسلام وطمأنينة بعد الحرب العالمية الثانية قد لا تكون هي نهاية التاريخ. ليس لأنها لا تلائم مزاجهم أو تفكيرهم أو حضارتهم، بل لأن التطورات القادمة في العالم، وخصوصاً انهيار التوازن بين الشرق والغرب لصالح الأول، تجعلها غير ذات جدوى. 

علينا أن نتذكر أن أوربا كانت تعاني الأمرين قبل اكتشاف طريق الهند، في أواخر القرن الخامس عشر. وكان الميزان التجاري يميل لصالح العرب الذين أغرقوا الأوربيين بالبضائع، مقابل القليل الذي كان يستوردونه منهم. فلما سيطر البرتغاليون على هذه الطريق، وتبعتهم هولندا وإنكلترا وفرنسا، لم يعد أمامهم سوى الاستسلام للفقر والهيمنة والتخلف. 

لقد بدأت هذه الحال تعاود الظهور من جديد. وأخذت أوربا تعاني من المشكلة ذاتها الآن. ولمن عاش في النصف الثاني من القرن العشرين، أو قبله بقليل، سيدرك أن كل ما كان لدى العرب من سلع وتقنيات، ومكائن وسيارات، وشركات بناء ومقاولات، هو من أوربا الغربية والولايات المتحدة. أما الآن فيكاد يقتصر ما يستوردونه منها على الفلسفات والنظريات والأشعار والآداب والفنون. وأصبحت آسيا هي مصدر التجارة الأعظم في هذه البقعة من العالم ! 

لقد أغفلت الدساتير الغربية الدور الكبير الذي ينهض به القائد الرمز لسبب بسيط، هو أن ملامح هذا القائد غير واضحة. بل أن بعض المهووسين بالنموذج الغربي يعتقدون أن الرموز نوع من الوثنية، مع أن في إهمال هؤلاء إضاعة لفرص عظيمة لا يسهل الحصول عليها دائماً.

فهم الذين عناهم أرنولد توينبي، في ما عناه، بالأبطال أو صناع التاريخ. فكيف كان بوسع الصين مثلاً أن تحصل على دنغ هسياو بنغ، الذي قاد نهضتها في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، وجعلها في موقع صدارة العالم، لو تركت مثل هذا الأمر للاقتراع السري المباشر. وكيف كان لمئات الملايين من ناخبي الصين أن يضعوا أصبعهم عليه، ويصوتوا من أجله. وماذا كان بوسعه أن يفعل وهو مكبل اليدين، مثل أي مرشح آخر ينص عليه الدستور الديمقراطي. وكيف كان سيفعل أمام التظاهرات الصاخبة في ساحة تيانمين المطالبة بمزيد من الديمقراطية، غير أن يقدم استقالته، ويتوارى عن الأنظار مثل أي زعيم ليبرالي آخر ؟ 

إن الحل الوحيد لمشاكل البلاد العربية والشرقية بوجه عام هو إعادة النظر في ما تبنته من أفكار فلاسفة أوربا العظام، فأوربا شئ وبلاد الشرق شئ آخر. وعليها أن تتدارك أوضاعها، قبل أن تتحول شعوبها إلى مجموعة قبائل يغزو بعضها بعضاً، حينما يعضها الجوع، أو يضطرها الفقر أو تزري بها الحاجة!

 

ينشر موقع “المسلة كتابات” جميع ما يرد اليه، شرط أن يكون خاليا من السب والشتم والأوصاف غير اللائقة على الجهات والشخصيات.

“المسلة كتابات” لا يتحمل مسؤولية الأفكار والآراء الواردة. المقالات والنصوص المنشورة تعبّر  عن وجهة نظر الكاتب فقط. 

Please follow and like us:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *