السيدة زينب .. هكذا تكون المرأة الحديدية!!

السيدة زينب .. هكذا تكون المرأة الحديدية!!

المسلة كتابات – طاهر باقر:

عندما توضع المرأة تحت الضغط تنفجر بالبكاء، لكنها بحاجة الى كثير من الصبر حتى لاتنهار عند المصيبة، فاذا واجهت الثكل في ابنها او والدها عندها سيستولي عليها الوهن وتكون عاجزة عن التصرف باتزان، وكلما عظمت المصيبة ازدادت حاجتها للصبر، اما لو واجهت مصيبة بحجم فاجعة كربلاء ستكون بحاجة الى جبل من الصبر حتى تتمكن من ضبط مشاعرها! والسيدة زينب سلام الله عليها لم تواجه الثكل والمصيبة العظمى فقط، بل وضعت في موقعية قيادة ركب الاسرى والسبايا!!.

فالسيدة زينب سلام الله عليها التي قادت ركب السبايا في تلك الظروف المفجعة كانت امرأة استثنائية تتمتع بخصال لاتتوفر لدى كثير من النساء، وتملك قدرات فائقة يعجز حتى جسدها عن تحملها، لذلك قيل ان السيدة زينب لما رجعت الى المدينة المنورة لم يتعرف عليها زوجها بسبب الآثار التي تركتها المصيبة، على سيمائها، “لقد هدت المصيبة اركانها ولكن لم تهدم ارادتها”.

لقد حفرت المصيبة في قلبها ووجهها وجعا وحرقة لم تنطفئ ابدا، فمصيبة بهذا الحجم لايقدر الانسان على نسيانها ويبقى يتجرع آلامها حتى اللحظة الاخيرة من حياته، ويبقى يستعيد في كل يوم احداث تلك الفاجعة العظيمة وكأنها وقعت في هذه اللحظة، ولذلك كانت آلام المصيبة تتجدد على السيدة زينب في كل يوم، وعذاباتها لم تكن لها نهاية!.

لكن الآلام لم تضعف السيدة زينب عن اداء مهمتها العظيمة، بل كانت من هذه الجهة تعدل صلابتها وقوتها بألف رجل، ومن بطولتها عليها السلام انها وقفت بشموخ امام طاغية جبار يتلذذ بالدماء وقطع الرؤوس، شخص لايرعى ذمة ولاحرمة ولايضع اي اعتبار لمقدس اولقرابة رسول الله؛ هو “عبيد الله بن زياد” رجل لايملك قيما انسانية ومحروم من المبادئ الاسلامية.

ومن جراتها وشجاعتها انها تطوعت للفداء بنفسها في سبيل انقاذ الامام السجاد عليه السلام من القتل مرتين؛ منها بحسب المؤرخين، لما هجم العسكر على الامام زين العابدين وكان مريضا قد انهكته العلة فعزم شمر بن ذي الجوشن على قتله الا ان العقيلة سارعت لنجدته فتعلقت به وقالت: لايقتل حتى اقتل دونه، وفي موقف ثاني عندما رد الامام السجاد عليه السلام على ابن زياد في مجلسه وقد استشاط غضبا وقال “ولك جراة على جوابي وفيك بقية للرد علي ؟! اذهبوا به فاضربوا عنقه”. فتعلقت به زينب عليها السلام وقالت يابن زياد حسبك من دمائنا واعتنقته وقالت “والله لاافارقه فإن قتلته فاقتلني معه”.

لقد افشلت السيدة زينب سلام الله عليها خطة يزيد بن معاوية في محاولته تشويه صورة الثورة الحسينية والصاق صفة الخوارج على اصحاب الثورة ومن خلفهم الاسرى والسبايا، فقد تمكنت السيدة زينب ومن خلال استخدام ثقافتها العالية وفصاحتها وبلاغتها ان تقلب الموازين لاظهار طغيان وجبروت وظلم يزيد، ومظلومية الامام الحسين وقضيته العادلة.

لقد حققت السيدة زينب النصر في الحرب الثقافية وتمكنت من تصحيح افكار وتصورات الناس حول ماحدث في كربلاء، وقبل ذلك كان الناس يظنون ان الذين قضى عليهم عبيد الله بن زياد هم حفنة من الخوارج والمتمردين والمعارضين للسلطة السياسية لكن؛ وبعد دخول الاسرى والسبايا تغيرت نظرتهم لصالح الثورة الحسينية.

الهزيمة الاولى التي تلقتها حكومة ابن زياد وقعت بعد لقاء السيدة زينب سلام الله عليها مع اهل الكوفة، والذي احدث هذا التغيير هو الخطاب المزمجر الذي القته العقيلة والذي زلزل اركانهم وجعلهم يلتوون ويبكون ويضربون على رؤوسهم وجباههم لفعلتهم الشنيعة وجريمتهم الكبيرة التي راوا آثارها دما عبيطا تمطره سماءهم.

السيدة زينب سلام الله عليها انتصرت في معركة كان عبيد الله بن زياد يظن انه سيحسمها من خلال المعركة العسكرية، لكنه فهم انه يمكن ان يخسر المعركة امام السيدة زينب، ولقد حققت هذه النتيجة من خلال موقفين الاول هو خطابها في اهل الكوفة والذي البت من خلاله الثورة على بني امية وتسببت بسقوط دولتهم في العراق والموقف الثاني عندما خسر عبيد الله بن زياد المعركة الثقافية والفكرية وعجز منطقه عن مجارات منطق وفكر السيدة زينب سلام الله عليها.

وقع ذلك عندما التقت السيدة زينب بالطاغية وجها لوجه وعجز لسانه عن مجارات منطق العقيلة وثقافتها العالية فاستشاط ابن زياد غضبا وكاد يصدر امرا بقتلها، يقول المؤرخون: أنَّ ابْنَ زِيَادٍ جَلَسَ فِي الْقَصْرِ لِلنَّاسِ وَأذِنَ إِذْناً عَامّاً(لدخول عامة الناس) وَجِي‏ءَ بِرَأْسِ الحُسَيْنِ عليه السلام، فَوُضِعَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأُدْخِلَ نِسَاءُ الحُسَيْنِ وَصِبْيَانُهُ إِلَيْهِ، فَجَلَسَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ عَلِيٍّ عليها السلام مُتَنَكِّرَةً، فَسَأَلَ عَنْهَا، فَقِيلَ: هَذِهِ زَيْنَبُ بِنْتُ عَلِيٍّ.

فَأَقْبَلَ عَلَيْهَا، فَقَالَ: الحَمْدُ لله الَّذِي فَضَحَكُمْ وَأَكْذَبَ أُحْدُوثَتَكُمْ. فَقَالَتْ: إِنَّمَا يَفْتَضِحُ الْفَاسِقُ، وَيَكْذِبُ الْفَاجِرُ، وَهُوَ غَيْرُنَا. فَقَالَ ابْنُ زِيَادٍ: كَيْفَ رَأَيْتِ صُنْعَ الله بِأَخِيكِ وَأَهْلِ بَيْتِكِ؟ فَقَالَتْ: مَا رَأَيْتُ إِلَّا جَمِيلاً، هَؤُلَاءِ قَوْمٌ كَتَبَ الله عَلَيْهِمُ الْقَتْلَ، فَبَرَزُوا إِلَى مَضَاجِعِهِمْ، وَسَيَجْمَعُ الله بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ فَتُحَاجُّ وَتُخَاصَمُ، فَانْظُرْ لِـمَنِ الْفَلْجُ يَوْمَئِذٍ، ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا بْنَ مَرْجَانَةَ قَالَ: فَغَضِبَ وكَأَنَّهُ هَمَّ بِهَا، فَقَالَ لَهُ عَمْرُو بْنُ حُرَيْث: إِنَّهَا امْرَأَةٌ، وَالمَرْأَةُ لَا تُؤَاخَذُ بِشَيْ‏ءٍ مِنْ مَنْطِقِهَا.

وبعدما كانت الامور مستتبة في الكوفة لصالح بني امية تمكنت السيدة زينب من تأليب الناس على ابن زياد وعلى سلطته واشعلت الثورة في قلوب اهل العراق ضد طغاة بني امية وسرعان ماسقطت الكوفة وخرجت من تحت سيطرتهم وبعد سنين قليلة من فاجعة كربلاء قُتل عبيد بن زياد على يد ابراهيم بن الأشتر في معركة خازر في محرم “67” للهجرة.

وفي كل منطقة دخلت اليها السيدة زينب سلام الله عليها مع الاسرى والسبايا كان الناس يستقبلونهم بالزغاريد والافراح ابتهاجا بالنصر الذي تحقق ليزيد، ويرمونهم بالحجارة والشتائم، لكن السيدة زينب كانت تبادر بالحديث عن مظلوميتهم وعن حقيقة سيرتهم وانهم ينتمون الى اهل بيت النبوة وليس الى الخوارج، ومن خلال تلك الحركة اثبتت السيدة زينب سلام الله عليها ان المرأة قادرة على صنع ثورة بل هي قادرة على الاطاحة بجلاد ظالم مثل عبيد الله بن زياد.

السيدة زينب سلام الله عليها قدمت نموذج المرأة المسلمة القوية، غير المستسلمة للظلم، والتي تشعر بمسؤوليتها الحضارية وتكون في صلب الصراع ما بين الخير والشر، ولها الريادة في هذا الصراع وبخلاف مايتم تصويره عن المرأة المسلمة بانها حبيسة البيت، فقد اظهرت السيدة زينب ان المرأة المسلمة يمكن ان تكون ذات دور تاريخي في تقرير مصير الامة.

من يحاول ان يظهر المرأة المسلمة انها ضعيفة وعاجزة عن فعل شيئ، عليه ان يدرس حياة السيدة زينب عليها السلام ، حتى يعرف ان الاسلام قدم شخصيات عظيمة وقوية تمكنت من احياء امة وشاركت في بعث الروح فيها، واشعلت فتيل الثورة في قلوب جموع الناس حتى يمتلكوا ارادتهم ويحققوا حريتهم ويعززوا كرامتهم لقد انقذتهم السيدة زينب من عبودية الطاغوت وحررت قواهم ليصنعوا ثورة اطاحت بالطاغية عبيد الله بن زياد وزبانيته، و”هكذا تكون المرأة الحديدية”!!.

 

 

ينشر موقع “المسلة كتابات” جميع ما يرد اليه، شرط أن يكون خاليا من السب والشتم والأوصاف غير اللائقة على الجهات والشخصيات.

“المسلة كتابات” لا يتحمل مسؤولية الأفكار والآراء الواردة. المقالات والنصوص المنشورة تعبّر  عن وجهة نظر الكاتب فقط. 

Please follow and like us:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *