الدراما العراقية والقلق الخليجي

الدراما العراقية والقلق الخليجي

المسلة كتابات – ميثم الجنابي:

إن التاريخ لا يعرف النهاية إلا بمعنى اضمحلال مكوناته في الوعي والواقع، أي حالما ينتصر الزمن ويسود بوصفه التيار الساري في عبث الوجود وبعثرة التراكم الطبيعي لتجارب الأمم. وهي الحالة التي جسدها العراق بصورة نموذجية في مجرى النصف الثاني للقرن العشرين، التي انتهت بتآكله الداخلي واحتلاله الخارجي. كما أنها الحالة المحتملة أيضا في الخليج رغم التباين الكبير بينهما. وذلك لاشتراكهما في المكونات الخفية، رغم تعارضها الشديد. فقد كان تاريخ العراق الحديث طبقات ثلاث هي سلطة متهورة ودولة خاملة ومجتمع فاعل. أما في الخليج فإنها سلطة تقليدية (عاقلة وماكرة) ودولة رخوية ومجتمعات خاملة!! وهو السبب القائم وراء بروز الأصولية الإسلامية المتطرفة من قسمات القناع المتهرئ للتوتاليتارية البعثية الدنيوية. كما انه الاحتمال القائم في الدولة الخليجية التي صنعت من حيث الجوهر مختلف نماذج الأصوليات المتطرفة ولكن عبر تصديرها إلى الخارج. وهو تصدير يعادل من الناحية التاريخية تأجيل رجوعها إلى مصادرها!

فالدراما العراقية الحالية هي أحد اشد المظاهر مأساوية ودموية لتاريخ الدراما العربية الحديثة. إذ تحتوي هذه المأساة في أعماقها على بواعث الأمل. بمعنى أنها كشفت بصورة جلية انغلاق النمط الراديكالي وطابعه المدمر. ومن خلالها تتبين ملامح الحقيقة القائلة، بان البدائل الواقعية والعقلانية والمستقبلية هي أولا وقبل كل شيء معاناة تلقائية ذاتية للأمم. وهي حقيقة حالما يجري تطويعها ضمن مهمات الفكر السياسي، فإنها تفترض بلورة فلسفة وطنية وقومية متجانسة في رؤيتها للإمكانيات والاحتمالات والحلول. من هنا عقم الجدل الشائك حول “سيناريوهات” واحتمالات السياسة الأمريكية تجاه العراق والمنطقة، انطلاقا من أن السياسة الأمريكية هي جزء ومرحلة من تطورها الذاتي. ومن ثم هي جزء من مساعي الإمبراطوريات الأجنبية. وبالتالي، فهي عرضة للزوال. أما حقيقة الباقي بالنسبة للعالم العربي فهو المستقبل وليس الماضي. وقد فرضت وسوف تفرض هذه الحالة بنفسها على منطقة الخليج، ولكن بمعايير الجسد والغريزة وليس بمعايير الروح والحدس العقلي.

من هنا تناقض المواقف من العراق والنفس. ويعكس هذا التناقض ضعف وتشوه الكينونة العربية الحديثة، لكنه يبقى أيضا جزء من تراكم وعيها الذاتي. فبغض النظر عما تسعى إليه الولايات المتحدة من وراء سياستها في العراق، بمعنى أحكام السيطرة عليه أو الاستعاضة عنه بدول الخليج “العربية”، والسعودية بشكل خاص، فإنها تبقى في نهاية المطاف جزء من قرصنة الأوهام التاريخية للاغيار، في حال مواجهتها بمعايير البدائل العقلانية للفكرة العربية والمصالح القومية الجوهرية.

غير أن التاريخ والواقع يبرهنان، على أن الفكرة العربية والمصالح القومية العليا هي أولا وقبل كل شيء منظومة التكامل الاجتماعي الذاتي للدولة والمجتمع والثقافة. وما لم يجر تحويلها إلى بديهية سياسية عملية، فان القرصنة قابلة للتحول إلى قانون، مع ما يترتب عليه من إنتاج واستعداد لإنتاج الرخويات في مفاصل الدولة والسلطة والمجتمع. وهي الحالة التي عايشتها دول الخليج العربية واستبطنت صيرورتها السياسية في كل مجرى النصف الثاني للقرن العشرين. لكنها أخذت بالتحول إلى إشكالية مقلقة للدولة الخليجية تمس من حيث الجوهر بنيتها ومستقبل وجودها اللاحق.

فقد كشفت التجربة العراقية عن أن الخروج على منطق الدولة والمجتمع والهوية الوطنية هو مجرد سحق لها عبر تضخيم كيان السلطة. وهي حالة تؤدي بالضرورة إلى إخلال التوازن في مكونات الدولة والمجتمع والثقافة كفيل بسحق هذه المكونات. أما في الدول الخليجية العربية، فان هذه المكونات لم ترتق بعد إلى مصاف الوجود الذاتي، ولم تتشكل منها منظومة التفاعل الحي، أما السلطة فإنها تقف فوق الجميع دون أن تدخل في صراع عنيف ضدها. وهو مصدر القلق والرخوية فيها. وهي الحالة التي ميزت سلوك السلطات في كل مجرى النصف الثاني من القرن العشرين وحتى الآن، بمعنى العمل من اجل التأقلم السلبي مع الأحداث بوصفها أخطارا “خارجية”. وهو السبب الذي جعل منها على امتداد عقود من الزمن عدوا شرسا ومختبئا وراء المراكز الكولونيالية القديمة والجديدة في مواجهة العالم العربي والنفس على السواء. من هنا سلسلة المواجهة الخفية والعلنية ضد الحركات القومية العربية والشيوعية واليسارية والديمقراطية واللبرالية، كما انهمكت في مواجهة مصر الناصرية والعراق في مختلف مراحله وبالأخص في مرحلة الجمهورية. بل نعثر عليه حتى بعد القضاء على الدكتاتورية التي ناصبتهم العداء، بما في ذلك احتلال الكويت.

إذ نرى هجومها الاشد شراسة بعد ذلك ضد العراق تحت يافطات “الشيعة” و”الصفوية” و”التبعية لايران” و”ابن العقلمي” وكثير غيره. ودعمت الارهاب تحت يافطة “الدفاع عن السنّة”، ومن ثم وّسعت وعمّقت تيار الصراع المذهبي والطائفي. وأحرقت العراق لكي تبقى “آمنة منه”!

إن مشكلة دول الخليج والسعودية تقوم في أنها لا تعالج الضعف المتأصل في المنطقة نفسها بل تعول على فشل “التهديد الخارجي” وهذا في أحسن الأحوال ضرب من الأمنيات لكنه لا يعتبر استراتيجية بالتأكيد.

إن دول الخليج والسعودية لا تلين الا مع ازدياد قوة العراق. وبالتالي، فانه لا يمكن الثقة بها على الاطلاق. وليس مصادفة ان تستمر الكويت في المطالبة “بحقوقها” على الغزو العراقي الصدامي إلى آخر دولار لحد الآن! لهذا من الغباء السياسي توقع النية السليمة من قبل انظمة عائلية طائفية خاضعة للمراكز الكولونيالية التدميرية بشكل تام.

اذ لا يمكن الاعتماد على رخويات ايا كان شكلها وملبسها. وهي ظاهرة ونتيجة ينبغي أن تدفع مهمة مطالبة العراق بتعويضات هائلة على تدخلها ومساهمتها في الغزو الامريكي للعراق. وهو غزو جرى الاعتراف به رسميا من جانب هيئة الامم المتحدة على انه غزو لا حقوق فيه ومتعارض مع الحقوق الدولية. وبالتالي لا يختلف عما قامت به السلطة الصدامية والدولة العراقية انذاك من غزو وتخريب وسرقة الكويت. فما قامت به دول الخليج والكويت ايضا اكثر بكثير مما قامت به الدولة العراقية زمن الحكم الصدامي.

إن العراق يدفع الثمن لأن ما قامت به السلطة الصدامية يتحمله العراق. وهو المبدأ الذي ينبغي للعراق أن يطالب به أيضا. ونفس الشيئ، بل اولا وقبل كل شيئ ضد الولايات المتحدة. فالخسارة الاقتصادية والبشرية والمعنوية التي تعرض لها العراق يعادل ثمن نصف الكويت وقطر والامارات والسعودية وولاية امريكية.

 

ينشر موقع “المسلة كتابات” جميع ما يرد اليه، شرط أن يكون خاليا من السب والشتم والأوصاف غير اللائقة على الجهات والشخصيات.

“المسلة كتابات” لا يتحمل مسؤولية الأفكار والآراء الواردة. المقالات والنصوص المنشورة تعبّر  عن وجهة نظر الكاتب فقط. 

Please follow and like us:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *