الحضارة الجديدة

الحضارة الجديدة

المسلة كتابات – محمد زكي ابراهيـم:

لقد شاع على الألسن منذ سنوات مصطلح الإسلام السياسي. وجرى تداوله بقصد الذم أو الخوف أو الامتعاض. في حين استخدمه آخرون مجرداً من غاياته الحقيقية. ولا ريب أن الذين ابتكروا هذا المصطلح، أو نقلوه عن الأجانب، هم العلمانيون العرب المعروفون بنفورهم من الدين. وهؤلاء لا يجيزون لمعتنقي الفكر الإسلامي الاشتغال بالسياسة. ولا يوافقون على إعطائهم الحق في الترشيح وتولي السلطة، تحت شعار فصل الدين عن الدولة!

والعلمانية لمن لا يعرفها تعني حصر الألوهة بالعقل البشري، أو حلول قوة المادة فيه. وبالتالي فهو المصدر الوحيد للتشريع. وله حق التفكير والفعل وخوض غمار السياسة دون سواه. وكل من يتخذ غير العقل إلهاً بنظر أصحابها ماضوي متخلف، وفاشل بحكم الضرورة.

ولأن الحضارة الغربية صنعها العلمانيون، فإن أي حضارة جديدة في الشرق يجب أن تنحو ذات المنحى. وأن تعلن القطيعة مع الدين، قبل أي شئ آخر.

والواقع أن هذا المعيار أثبت بطلانه في أكثر من موقع، ولا يمكن اعتماده كتفسير وحيد للتاريخ. فالعلمانية التركية التي شحذت أسلحتها ضد الإسلام بشكل لا مثيل له قبل قرن كامل، لم تنجح في بناء بلد متقدم، ولم تستطع صنع الاستقرار فيه، ولم تحظ بعلاقات طيبة مع محيطها الخارجي. في حين نجح حزب ديني هو العدالة والتنمية الإسلامي في تحويل تركيا إلى بلد صناعي يحتل المرتبة السادسة عشرة في العالم خلال أقل من عشرين عاماً. وبات رقماً صعباً لا يمكن إغفاله في التجارة العالمية.

كما لم ينجح علماني آخر تقاطع مع الإسلام ورجاله بشكل واضح هو شاه إيران في إحداث قفزة صناعية في بلاده. وكان وكيلاً للسياسة الأميركية وزبوناً دائماً لما تنتجه من أسلحة وأحلاف وصراعات. وكان يلقى الترحيب والمؤازرة من الجميع. في حين نجح آية الله علي خامنئي، وهو رجل دين من الطبقة الأولى في هذه المهمة، رغم أنه محاط بالأعداء من كل جانب. ومورست ضده شتى أنواع الضغوط والعقوبات.
أي أن العلمانية ليست شرطاً من شروط التقدم، مثلما أن الدين ليس أداة من أدوات التخلف. والصحيح أنهما نظامان عقائديان متناقضان، لكن وسائلهما لبناء الحضارة واحدة. وقد تنجح هذه الوسائل أو لا تنجح، لأن هناك ظروفاً موضوعية للنجاح.

ومن المعروف أن الهدف الأول لجميع الأديان هو إنقاذ المجتمعات من الضعف والجوع والهمجية والانحلال. وهذه العوامل هي معوقات أساسية للتقدم. وهي التي تحول دون بزوغ أي حضارة في العالم. لذا فإن جذور الحضارات الإنسانية – بما فيها الغربية – دينية، رغم ما انتهت إليه من قطيعة مع الدين.

ولعل أهم ما أخرجته الحضارة الغربية للعالم النظام الديمقراطي القائم على الإرادة الشعبية والاقتراع المباشر. وقد ذهب الشرقيون عموماً إلى تصنيف الديمقراطية كأداة لا بد منها للخروج من مأزق التخلف. معلقين كل مشاكلهم على عاتق الاستبداد والحكم الفردي.

إلا أن مثالاً واحداً لا يمكن دحضه، جعل من هذه الفكرة محض خيال، وهو بزوغ نجم الصين المعاصرة. فقد أصبح هذا العملاق الآسيوي القطب الثاني في العالم، وقد يتحول خلال سنوات إلى القطب الأول. ولم يجر في يوم من الأيام انتخابات أو يسمح بتكوين أحزاب أو انعقاد مجالس نيابية. فقد اعتمد نظام الحزب الواحد الذي يدين له الجميع بالزعامة.

وقد سعت دول المنطقة في النصف الثاني من القرن العشرين إلى اقتباس نظام التخطيط المركزي، لأنها رأت فيه الحل الأمثل لمشكلتي الفقر والتفاوت. وقطعت في ذلك أشواطاً بعيدة، في تحجيم المبادرات الفردية، والتحول نحو القطاع العام. لكنها لم تحقق نجاحاً يذكر. ليس لأن الاشتراكية نظام غير ناجح، بل لأن شروط التقدم الأخرى لم تكن متوفرة، مثل الاستقرار الأمني، ونظام التعليم، وغيرهما.

إن الغرض من ذكر هذه التفاصيل بيان وجود طرق مختلفة للخروج من المأزق. فأمام الشرق – ومنه العراق – أكثر من سبيل للحصول على اقتصاد قوي قادر على تلبية مطالب المجتمع، ودفع شبح البطالة والعوز عن أبنائه. إذ أن المعيار الحقيقي لنجاح أي نظام أو حزب أو سلطة هو مقدار ما يحققه من تغيير، بصرف النظر عن اتجاهاته الفكرية.

لا بد أن تسعى هذه الدول إلى بناء حضارة جديدة تنتشلها من وهدة المشاكل وتسير بها نحو شاطئ الرخاء. وهناك وسائل متعددة لبلوغ هذه الغاية. لكنها لا بد أن تراعي خصوصيات الشعوب، وتستجيب لهمومها الثقافية. أما جوانب الحياة المختلفة فهي قابلة للنقاش والمراجعة والأخذ والرد. وليس من حق أحد أن يصادر وجهات نظر الغير، أو يحكم على متبنياته بالفشل دون دليل قاطع!

 

ينشر موقع “المسلة كتابات” جميع ما يرد اليه، شرط أن يكون خاليا من السب والشتم والأوصاف غير اللائقة على الجهات والشخصيات.

“المسلة كتابات” لا يتحمل مسؤولية الأفكار والآراء الواردة. المقالات والنصوص المنشورة تعبّر  عن وجهة نظر الكاتب فقط. 

Please follow and like us:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *