التناقض في الإيمان

التناقض في الإيمان

المسلة كتابات – محمد أبو النواعير :

ما يميز وضعنا الشيعي العراقي، في اطار ادوات حفظ التشيّع وادامة زخم التواصلية المعرفية بين اشكال الالتزام الديني، وبين استيعابها وهضمها من قبل الفرد والجماعة، وفي مرحلة متقدمة: النجاح في خلقها كتَمَثّل واعي في السلوك والفعل الاجتماعي، انما تعتمد وبالدرجة الاولى على وجود المنابر الحسينية التي كان لها الدور الاكبر في تحمل مسؤولية هذا الخَلق لهذه الانماط من التواصليّة المعرفيّة المستمرة.

ما اكتشفته مؤخرا، ومع الأسف، ان هناك بونا لا يستهان به، بين الحقائق الشرعية من حيث موضوعيتها ومصداقيتها وعلميتها المعتمدة في اروقة البحث الفقهي في الحوزة الشريفة، وبين ما يتم طرحه على المنابر الحسينية، التي اخذت دور التصدي المعرفي التعليمي (الجماهيري والنخبوي) بشكل يكاد يكون شبه أوحد.

بل وصل الحال الى ان يصرّح الكثير من فضلاء حوزتنا الشريفة، ان ما يتم طرحه على المنابر، ليس كل ما فيه دقيق من حيث سند الرواية ورواتها، او من حيث صحة الحدث التأريخي للأحداث، او من حيث صحة النتائج والتوجيهات !

وبما ان المنبر الحسيني يكاد يمثل التواصليّة المعرفية الوحيدة (اقصد المخصصة للجمهور العام)، فان عدم انطباق كل مضامينه المعرفية وبدقة، مع ما توصلت اليه جهود العلماء والفقهاء والمؤرخين في حوزتنا الشريفة، سيقود الى شرخ معرفي كبير، قد يؤدي الى تحقق حالة تناقض نفسي ووجداني لدي الفرد الذي يستقي من المنبر، اغلب مواد بناء عقيدته ومنظومته الاخلاقية والعرفية السلوكية.

فما يأخذه الفرد من كم معرفي كبير من المنبر، والذي هو عبارة عن كم كبير من الروايات والاحداث التاريخية والنصائح والتوجيهات، ويهضمها كتمثّل ديني وأخلاقي، يضرب اعماق وجدانه الأخلاقي، ثم يحاول نقلها كمسلمات الى الآخرين (العائلة، الاصدقاء، النقاشات الخاصة)، ثم يصطدم في كل مرة وفي كل رواية ينقلها، بنصل التقييم الحوزوي المنهجي الحاد و العميق، الذي يصدمه بانها روايات وأحداث: غير موثوقة، غير صحيحة، ضعيفة السند، غير معتمدة، ثبت بطلانها، لا اساس لها، خيالية، لا تمثل القاعدة الفقهية الصحيحة، الخ الخ؛ كل ذلك يقوده الى هزة وجدانية وقد تكون اخلاقية عنيفة، عندما يكتشف ان المؤسسة الاولى التي ضبط بموجب معارفها، سلوكياته وأخلاقياته وعقائده، هي غير رصينة، ولا تمثل بشكل كامل يطمئن له، الجنبة الشرعية الفقهية والأخلاقية التي يمكن الاعتماد عليها.

إن هذا التناقض الذي يقع فيه الفرد او المجموعة، هو ليس مجرد تناقض معرفي يحصل لباحث عادي عن الحقيقة، او لمطّلع يحاول زيادة رصيد معلوماته، بل إن هذا التناقض يمثل ضربة في عمق بنية الوعي والتمثّل الديني والأخلاقي، الذي تم بناء لبناته تحت اعواد المنابر، خاصة اذا كان البناء من الطفولة والنشأة. !

إعادة ترصين الوعي الفردي والجماهيري، يحتاج الى تحقيق حالة الانطباق التام بين المؤسسة الأم (الحوزة)، وبين الفرع (المنبر الحسيني)، لنصل لمرحلة يتمكن فيها الفرد من مناقشة طالب العلم الحوزوي (ولو في جزئيات بسيطة)، لنضمن له حالة استقرار انفعالي معرفي، يتسلح به الفرد والجماعة الشيعية، عندما يكتشف (وبالاختبار)، ان ما لديه من معلومات كثيرة استقاها من المنبر، يمكن الاعتماد عليها والثقة بها، كونها مثّلت جانبا من بناء شخصيته الاخلاقية والعقائدية والدينية.

 

ينشر موقع “المسلة كتابات” جميع ما يرد اليه، شرط أن يكون خاليا من السب والشتم والأوصاف غير اللائقة على الجهات والشخصيات.

“المسلة كتابات” لا يتحمل مسؤولية الأفكار والآراء الواردة. المقالات والنصوص المنشورة تعبّر  عن وجهة نظر الكاتب فقط. 

Please follow and like us:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *