التقنية .. أولاً

التقنية .. أولاً

المسلة كتابات – محمد زكي ابراهيم:

ربما لم يعد يخطر في بالنا أن حضارة ما، غير الحضارة الأوربية، يمكن أن تنشأ الآن، بالقرب منا، أو نكون نحن جزءً منها. فقد اعتدنا أن نسمي الحضارة القائمة الآن في أي مكان من العالم، حضارة أوربية أو غربية. حتى تلك التي نهضت في اليابان ودول شرق آسيا، لسبب بسيط هو وفرة النتاجات الفكرية الغربية التي تصل إلينا.

والواقع أن الشرق الآن وليس الغرب، هو مصدر كل سلعنا وأدواتنا ومكائننا ومصانعنا وسياراتنا وملابسنا وطعامنا. حتى العقود الحكومية التي كانت تشترط منشأ غربياً، أدارت ظهرها للغرب، واتجهت نحو الشرق، لأسباب عديدة، أهمها ازدياد الثقة بالمنتج الشرقي.

وما إن ظهر العملاق الصيني على الخارطة حتى بات الغربيون أنفسهم زبائن دائميين له. أي أننا لسنا الوحيدين الذين ولوا وجوهم شطر الشرق، وعزفوا عن التعامل مع الغرب، بل إن الأرض بأجمعها فعلت ذلك.

ويبدو من هذا أن الشرقيين لم يشعروا بالحاجة إلى نتاج فكري يوازي ما أنتجوه من سلع. فبالنسبة إليهم لا يوجد ما هو أهم من الإنتاج الصناعي أو الزراعي أو السياحي. وليس لديهم وقت يضيعونه .. على الثقافة! لأنهم يعلمون أنهم استعبدوا بسبب الفائض الصناعي الغربي. ويعلمون كذلك أنهم إذا ما حققوا وفرة مالية كافية، فسيكون بوسعهم عندئذ المشاركة في الإنتاج العقلي. وهذا هو بالضبط ما حدث في نصف الكرة الآخر. فجميع ما أنتج من معارف إنما جاء بعد سقوط غرناطة في نهاية القرن الخامس عشر، وإغلاق المنافذ البحرية أمام العرب، وحرمانهم من الموارد التجارية التي جعلتهم سادة البحار قروناً طويلة. حتى تضاءلوا، وانكمشوا، وأصبحوا صيداً سهلاً لإمبراطورية بني عثمان. وعندئذ تحولت موارد التجارة إلى البرتغاليين والهولنديين والإنكليز، وغيرهم. وظهرت معها الفنون والآداب والمدارس والجامعات والعلوم التي لم يعرفوها من قبل. وهكذا انقلبت الموازين، وبتنا نعيش في عصر الحضارة الأوربية.

ومع كل هذا مانزال نسمع في بلادنا العربية من يرجع أسباب هذا التخلف إلى العرب أنفسهم. ولا يكتفي بذلك بل ينسبه إلى التراث العقلي الذي ورثوه عن أسلافهم، باعتباره نقيض الحداثة. ويشكون من أنه – أي هذا التراث – شل عقول النخبة، وأغرقها بالثوابت والقيم والتصورات التي تتناقض مع تغير العصور، وانتقالات الزمن!

إن جمعاً كبيراً من المفكرين العرب انشغلوا في عصرنا هذا بالدعوة إلى أفكار لا تتلائم مع العقل العربي في شئ، وكان أن استفزته في مواطن كثيرة، وجعلته يجنح في قليل أو كثير نحو السلفية، مثل العلمانية والليبرالية والماركسية والوجودية والحداثة وما بعد الحداثة، وغير ذلك كثير. وقد اعتنقت أجيال كثيرة من العرب هذه الحركات، وأنشأت أحزاباً خاصة بها، نجح بعضها في الاستيلاء على السلطة، لكنه لم ينجح في ردم هوة التخلف، ولا إدخال البلاد في خانة الحضارة. بل انشغلت في نزاعات داخلية لم تخلف سوى الدمار، والموت، واليأس. وبمرور الوقت وجد عدد كبير من الشبان أن لا سبيل سوى الهجرة إلى الغرب، لتحقيق أحلامهم التي بقيت حبيسة الصدور!

لقد ضل العرب طريقهم دون شك، ونسوا أن ما يحتاجونه الآن ليس نظريات وأفكاراً غريبة، تقف على النقيض مما تربوا عليه، ولا ممارسات شاذة لا تنفعهم في شئ. بل مصانع ومكائن وآلات وتقنيات تنتج لهم ما يحتاجونه من السلع والغذاء. وتضع حداً للبطالة والجوع والحرمان والتخلف. وتخلق خبرات ومهارات وقيماً جديدة لتغيير الواقع، وتطوير القدرات.

ولا يعير هؤلاء المفكرون اهتماماً بهذا الجانب ولا يعدونه من الأولويات. فبالنسبة إليهم نبذ التراث، وإحراق كتب الأولين، والتنكر للدين والأخلاق والقيم الاجتماعية، هي مفاتيح الانتقال إلى العصر الأوربي.

وكنت أتمنى لو أن واحداً منهم عني بتجارب دول جنوب شرق آسيا، وبرهن على أن اعتناقهم للماركسية أو الوجودية أو العلمانية أو البنيوية، نقلهم إلى مصاف النمور، وصنع لهم المعجزة الآسيوية. لكن الجميع يعرف أن هذا لم يحدث أبداً. فالصينيون لم يتقدموا إلا حينما أداروا ظهرهم للماركسية وعادوا إلى “صينيتهم”. ولم يتبن اليابانيون أياً من هذه الأفكار في سنوات التنمية. حتى أنهم لم يعنوا بترجمة كتب الماركسيين التي ازدهرت على حدودهم الغربية في الصين وكوريا وفيتنام وكمبوديا على امتداد القرن العشرين.

ومايزال الهنود الذين أصبحوا في عداد الشعوب المتقدمة يجلون آلهتهم القديمة، ويضعون الأوثان في واجهات المصانع، ويعزون الفضل في نجاحهم إليها. بل إن هذه المصانع تتعطل أياماً طويلة كل عام احتفالاً بذكرة “ميلادها”. وأذكر أنني كنت هناك عام 2015 وحلت ذكرى ميلاد الإله غنيش Ganesh بن الإلهة شيفا. فتوفقت المصانع التي تضم مئات العمال عن الإنتاج. وانطلقت الاحتفالات الصاخبة في الشوارع. ولم يكن هذا الإله المحبوب سوى .. فيل!

ما نحتاج شراءه من الدول المتقدمة الآن شئ آخر غير الفلسفة والنقد والفن والثقافة، وهو التقنية الصناعية والزراعية والإدارية والعمرانية. وهي أمور معروضة للبيع والتداول. يتعلمها أبناؤنا في المدارس والجامعات، ويقومون بتطويرها بمرور الزمن. وماعدا ذلك محض رفاهية لا قبل لنا بها اليوم، ولا نحتاجها إلا بعد مرور وقت طويل!

 

ينشر موقع “المسلة كتابات” جميع ما يرد اليه، شرط أن يكون خاليا من السب والشتم والأوصاف غير اللائقة على الجهات والشخصيات.

“المسلة كتابات” لا يتحمل مسؤولية الأفكار والآراء الواردة. المقالات والنصوص المنشورة تعبّر  عن وجهة نظر الكاتب فقط. 

Please follow and like us:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *