التفسير الدستوري لإطلاق اسم “المحكمة” على المحكمة الاتحادية العليا ج3

التفسير الدستوري لإطلاق اسم “المحكمة” على المحكمة الاتحادية العليا ج3

المسلة كتابات – حسن الياسريح:

القولُ الفصلُ في دور خبراء الفقه الإسلامي وفقهاء القانون

في المحكمة الاتحادية العليا

– دراسةٌ دستوريةٌ تأصيليةٌ معززةٌ بتجارب المحاكم الدستورية في العالم –

   كنَّا قد عرضنا في الجزءين الأول والثاني من هذا القسم الحجَّة الأولى التي يستند إليها الفريق القائل بعدم جواز دخول فقهاء القانون وخبراء الفقه الاسلامي في المحكمة الاتحادية العليا، وهي قولهم إنَّ الدستور أطلق اسم (المحكمة ) عليها.

وفي معرض الرد على هذه الحجَّة قلنا إنها لا أساس لها من الدستور والقانون، وقد عرضنا ثلاثة ردود لتفنيدها، وخلاصتها : الأول إنَّ للدستور الحاكمية ،وهو الذي يُحدِّد المصطلح وأبعاده.والدليل الثاني إنَّ إطلاق اسم (المحكمة) على هذه الهيئة لا يتعارض مع خصوصية تأليفها من الناحية الدستورية ؛ ذلك أنَّ الغاية من الإطلاق أنها تمارس وظيفةً قضائيةً بالمحصِّلة ؛ لأنَّ لها الولاية العامة من جهةٍ ،ولأنَّ قراراتها تحوز قوة الشيء المقضي فيه وتكون حجةً على الكافة من جهةٍ أخرى. والدليل الثالث ومفاده إنَّ التجربة الدستورية الدولية لا تمانع من ممارسة الوظيفة أو العمل القضائي من أعضاء ليسوا بقضاةٍ، بل ويُطلق عليهم (قضاة) وعلى الهيئة (محكمة)، وكذا القانون لا يمانع من إطلاق اسم (المحكمة) على الهيئة ،وممارسة الوظيفة القضائية من أعضاءٍ ليسوا قضاةً ، وقد عرضنا لعدة محاكم بعض أعضائها ليسوا من القضاة . وسنكمل في هذا الجزء الدليل الرابع :

رابعاً : الدليل الرابع : من المعروف أنَّ للقضاء أنماطاً ثلاثةً : فثمة قضاءٌ عادي ، وقضاءٌ إداري ، وقضاءٌ دستوري.

فالأول -القضاء العادي- :

هو القضاء الذي يختصُّ بالنظر في كلِّ أنواع المنازعات،باستثناء ما يتمُّ النظر فيه من قبل القضاء المتخصِّص، ونعني به القضاء الإداري والقضاء الدستوري .

ويتمثَّل القضاء العادي بالمحاكم على اختلاف أنواعها ودرجاتها  ، بدءاً بالمحاكم الابتدائية ،ومروراً بمحاكم الاستئناف، وانتهاءً  بالمحكمة العليا -أو كما تسمى في بعض الدول بمحكمة التمييز أو النقض-.وهذه المحاكم لا تُمارَس إلا من قبل القضاة. فالصفةُ القضائية تعدُّ في هذا النمط صفةً أصيلةً لازمةً،بل وقيداً على ممارسة هذا النوع من القضاء. ومع ذلك لاحظنا فيما سلف أنَّ بعض القوانين قد تمنح بعض الأفراد من غير القضاة مكنة الولوج إلى هذا القضاء في بعض الأمور التخصُّصية التي عرضناها آنفاً في الجزء الثاني.

والنمط الثاني -القضاء الإداري- :

وهو القضاء المنوط بالإدارة ، ويمثلها في ذلك مجلس الدولة -مجلس شورى الدولة في بعض مسميات الدول- ومؤسساته ،من محكمة القضاء الإداري ومحكمة قضاء الموظفين والمحكمة الإدارية العليا.

وهذا القضاء يُسمى (قضاءً) في كل دول العالم ، ويُصدر قراراتٍ مهمةً وخطيرةً مع أنه لا يضمُّ قاضياً واحداً، بل إنه في كثيرٍ من الدول يتبع وزارة العدل وليس مستقلاً كاستقلالية القضاء العادي.

أما النمط الثالث -القضاء الدستوري- :

فهو القضاء الرامي إلى حماية الشرعية الدستورية وترسيخ سموِّ الدستور وعلويتهِ. ويُناط بالمحكمة الدستورية أو المجلس الدستوري.

ويجنح البعض لتسميته (القضاء السياسي) ؛ وذلك لوجود بعض الأبعاد السياسية التي ربما تظهر عليه،ولا سيما فيما يتعلق بالتكوين واختيار أعضائه. ومع ذلك فهو يُعرف على مستوى العالم باسم (القضاء).ولا يعني ذلك ضرورة ممارسته من القضاة ، بل يعني -كما القضاء الإداري- أنه يمارس الوظيفة القضائية ، المتمثلة باتباع الإجراءات الشكلية والموضوعية في نظر الدعاوى الدستورية، وإعمال القوانين المنظِّمة لهذا العمل ، مثل قانون المرافعات المدنية، وتكون قراراته باتةً وملزمةً ،وتحوز قوة الشيء المقضي فيه ، ولها الحجيَّة على الكافة ؛ وذلك هو معنى إطلاق صفة (القضاء) على النمطين الثاني -الإداري- والثالث-الدستوري-.

فهو إذاً قضاءٌ دستوريٌ يمارِسُ القضاء الدستوري، وينهضُ به متخصِّصون ، وليس قضاءً عادياً يمارِس القضاء العادي المقصور على القضاة فحسب.

ولعلَّ أبرز معلمين يفرقان هذا القضاء عن القضاء العادي يتمثَّلان بالتخصُّص والبتات .أمَّا التخصُّص فهو ،كما أسلفنا ، يعني أنَّ هذا النمط يختصُّ دون غيره بحماية الشرعية الدستورية والفصل في دستورية القوانين. وأمَّا البتات فيعني أنَّ أحكام هذا النمط تكون نهائيةً ، باتةً ، قطعيةً ، ليس لها طعنٌ، ولا عليها معقِّبٌ ؛ خلافاً لأحكام القضاء العادي ، الذي يكون  التقاضي فيه على درجاتٍ ، إذ يبدأُ الحكمُ ابتدائياً -محاكم البداءة- ثم يصيرُ استئنافاً -محاكم الاستئناف- ثم يُعرضُ تمييزاً (نقضاً ) -محكمة التمييز أو النقض -. حتى عُدَّ هذا التقاضي -المتسلسل- سمةً بارزةً من سمات هذا القضاء.

ولعلَّ عدم تمييز أغلب العراقيين بين القضاء الدستوري ، وشروط ممارسته وكيفيتها ، والقضاء العادي ، وشروط ممارسته وكيفيتها ، كان من الأسباب الرئيسة للوقوع في الخطأ والاعتقاد بأنَّ المحكمة الاتحادية العليا -الدستورية- يجب أن تكون مقتصرةً على القضاة ، وربما كان هذا الاعتقاد هو الذي أفضى إلى تكلُّف كلُّ الذين خاضوا في الموضوع وإلى ميلهم لإيجاد مسوغاتٍ غير دستوريةٍ وغير منطقيةٍ، ولجوئهم لحرف الدستور عن مساره وإهمال النص الصريح ؛ إذعاناً لذلك الخطأ والخلط !!

وتأسيساً على كل ما تقدَّم من الأدلة الأربعة المذكورة تباعاً  في الأجزاء الثلاثة من هذا القسم؛ لا يعدُّ اطلاق الدستور لمصطلح أو اسم(محكمة) على المحكمة الاتحادية العليا ووصفها بأنها (هيئةٌ قضائية) ،دليلاً على أنَّ أعضاءها يجب أن يكونوا من القضاة فقط ،بل تعني أنَّها تمارس وظيفةً قضائيةً بالمحصِّلة ؛ لأنَّ لها الولاية العامة من جهةٍ ،ولأنَّ قراراتها تحوز قوة الشيء المقضي فيه وتكون حجَّةً على الكافة من جهةٍ أخرى، وأنَّ القضاء الممارس من قبلها هو قضاءٌ دستوريٌ متخصِّصٌ  ،يختلف جذرياً عن نمط القضاء الممارس من قبل القضاء العادي، من حيث التكوين والعضوية والآثار .

وسترون حينما نتكلم في القسم الرابع في التجارب الدولية في تكوين المحاكم الدستورية واختيار أعضائها كيف أنها تتكون من فئاتٍ متعددةٍ، وليس من القضاة فحسب، بل ستُفاجَئون حينما ترون أنَّ القضاة لا يمثِّلون سوى الأقلية في أغلب هذه التجارب الدولية ،وأكثر من هذا ليس ثمة قاضٍ واحدٌ في بعضها -كما سيتضح لاحقاً إنْ شاء الله -.

وبناءً على هذا تسقط من الناحية الدستورية -الدولية والمحلية- والناحية القانونية حجَّة استعمال الدستور لمصطلح (محكمة) ووصفها بأنها (هيئةٌ قضائية) ، على أنَّ أعضاءها يجب أن يكونوا قضاةً فحسب، ولا مجال للاستدلال بها البتة.

وسنعرض في القسم الثاني من هذه الدراسة إن شاء الله الحجَّة الثانية المتعلقة بإطلاق الدستور صفة (خبراء) على ممثلي الفقه الإسلامي؛ بغية مناقشتها والرد عليها بحسب المنهجية المتقدِّمة.   

 

ينشر موقع “المسلة كتابات” جميع ما يرد اليه، شرط أن يكون خاليا من السب والشتم والأوصاف غير اللائقة على الجهات والشخصيات.

“المسلة كتابات” لا يتحمل مسؤولية الأفكار والآراء الواردة. المقالات والنصوص المنشورة تعبّر  عن وجهة نظر الكاتب فقط. 

Please follow and like us:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *