التغيير ليس وليد اليوم

التغيير ليس وليد اليوم

المسلة كتابات – رحيم العكيلي:

التغير ليس وليد اليوم ، بل هي تراكمات لقرون من السنين مضت ، بدءت منذ هجرة الفلاح لارضه ، او بالاحرى اجباره على ترك ارضه ، لان الفلاح مستحيل ان يترك روحه ، وهي الارض الا اذا كانت هناك قوى قاهره ، فهو مثل الصياد لايمكنه الابتعاد عن النهر او الماء ، ولو لايام ، لان العشق بينهما ، حب عذري صادق وقاتل في نفس الوقت.

بدايه هجره الريف للمدينه ، ظهرت ايام السلطان سليم الاول عندما جلب قبائل العبيد والجبور وغيرهم من موطنهم في شمال وغرب العراق ، واسكانهم داخل بغداد ، بعد ان منحهم اراضي خصبه ، وبسند ملكيه هو الاول من نوعه ، لغرض ايجاد توازن طائفي فيها ، بعد ان حدثت الكثره للطرف الاخر ، بسبب التدخلات الايرانيه المتكررة.

اما في العصر الحديث ، فقد شاعت هذه الظاهره بعد دخول بريطانيه للعراق عام 1914 ، واخذ الكثير بالعمل معهم بصفة عمال او اجراء او ارباب عمل ، وبعد قيام الحكومه الوطنيه عام 1921 ، زادت هجرة الناس الى المدن ، للتخلص من ظلم الاقطاع وتوفر فرص العمل وتعليم اولادهم ، او حصولهم على مهنه او عمل مناسب ، او حتى العمل بالجيش او الشرطه او في الكثير من دوائر الدوله ، التي قامت بعد قيام الدوله العراقيه الحديثة.

ولكن تلك المشكلة تفاقمت بعد سقوط الملكيه والقضاء على الاقطاع ، وسن قانون 80 وتوزيع الاراضي بشكل عادل على الفلاحين ، ولكن حدث شيء غير متوقع للقياده الوليده انذاك ، فبدلا من التشبث بالارض التي منحت لهم بصفة عقود مع الدوله هجروها وتركوها خاليه ، واتجهوا صوب المدن يحاولون بشتى السبل تطوير نفسهم وفق ما يتصوروه ، تاركين الارض التي سقوها بعرقهم ودماءهم نهب (السبخه) والاملاح ، ليتحول العراق ولاول مره في تاريخه في مطلع الستينات ، من مصدر لاغلب انواع الحبوب ، الى مستورد للقمح من استراليا وروسيا ، وتفاقمت نسبة البترول تصاعديا في الدخل القومي ، ليصبح النفط عماد ميزانية العراق منذ ذلك الوقت ، وتتراجع السلع الاخرى الى الوراء مما سبب هو الاخر ، سببا في الهجره المستمره كون المنتج الزراعي ، اصبح في اغلب الاحيان يعطي مبالغ زهيده لاتساوي التعب والمال المبذول من اجله ، ولا يسد حاجة الفلاح وعياله للمال مما دفعه للهجره وترك الارض والبحث عن وظيفه او عمل حر بعيد عن الريف والارض.

ان تراكمات سنين من الهجرات ، ولد احياء من العشوائيات والضواحي ، تفتقد لابسط مقومات الحياه ، وذات كثافه سكانيه عاليه ، مما ولد ضغطا هائلا على المدارس والمشافي والخدمات البسيطه المقدمه لهم ، ادى بالاخير الى تاخرهم في كل شي باقي ابناء المدن ذات الخدمات الكامله والجيده مقارنة لما يعاني له هولاء البسطاء.

فمن هذا الكم المتلاطم ، ظهر المطرب والفنان ولاعب الكره والاسطه والعامل ورجل الدين ، وحتى المجرم والمزور وصاحب السوابق ، كون البيئة بيئة حاظنة لكل شيء بطبيعتها وفطرتها المعهودة.

لهذا وقبل كل شي ادت هذه التراكمات ، الى هبوط المفردة الدارجة فقد قرر الكثير من هولاء ادخال مفردات الريف للمدينه ، ولكن ليس بصيغتها الاصلية فاضاعوا الاثنتين فظهرت مفردات هجينه ودارجه وسوقيه ، بعضها عربيا وبعضها اعجميا ، ولكنها بشكل عام ادت الكثير منها لخدش الحياء العام ، والمساس بخصوصية المفرده العراقية المجردة سواء كانت ريفية او حضرية ، ولهذا نسمع الكثير من هذه المفردات بشكل يومي ، بل وصلت لمجالسنا الادبية الشعبية ودخلت الجامعات من اوسع ابوابها ، واصبحت تردد ليل نهار ، دون ان يعير لها الشعب اي اهتمام لاستمرار استعمالها ، فاصبحت واقع حال ليس في بغداد فحسب ، بل لاغلب المدن الكبرى كالبصره والموصل والناصريه والحله وغيرها.

 

ينشر موقع “المسلة كتابات” جميع ما يرد اليه، شرط أن يكون خاليا من السب والشتم والأوصاف غير اللائقة على الجهات والشخصيات.

“المسلة كتابات” لا يتحمل مسؤولية الأفكار والآراء الواردة. المقالات والنصوص المنشورة تعبّر  عن وجهة نظر الكاتب فقط. 

Please follow and like us:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *