البحث عن حلول

البحث عن حلول

المسلة كتابات – محمد زكي ابراهيم:

ثمة خلل ما أصاب حياتنا دون ريب، أحال كل ما اكتنفها من جمال إلى قبح، وقلب كل مذاق جميل فيها إلى مرارة. وجعلنا نضيق ذرعاً بما كنا نحلم به لسنوات طويلة.

ومثل هذا الخلل البنيوي لم يأت فجأة من دون سابق إنذار. فالأخطاء الكبيرة لا تحدث إلا بعد تراكمات ممضة. أي أن الحاضر في جوهره هو غرس الماضي، وابنه، ووريثه الشرعي. وما نقوم به الآن لا يقلل من هذه التراكمات، بل يضيف إليها متاعب جديدة، سيكون على الأجيال القادمة أن تتحمل وزرها أكثر مما نفعل نحن الآن.

والواقع أن الأخطار التي كانت تعصف ببلادنا، وتحيل العيش فيها إلى شظف وقسوة ومعاناة، حدثت لذات الأسباب التي مانزال نتجرع غصصها كل يوم.

ومن البديهي أن الخطر الخارجي القادم من وراء البحار تارة، ومن البراري والسهوب البعيدة تارة أخرى، كان في مقدمة ما أصاب الأجداد من محن لم يكن بوسعهم الوقوف في وجهها، بعد أن بلغ بهم الضعف مبلغه.

إلا أن ما لا يمكن فهمه هو كيف تحول شعب متعلم يبني المدارس، وينشئ الجامعات، ويقيم المكتبات، إلى أمي لا يقرأ ولا يكتب. وكيف آلت مختبرات الكيمياء، وورش صناعة السفن، ومعامل الزخرفة والتحف الفنية، إلى محض مقاه لتزجية الوقت. وكيف انقلبت القصور الفارهة إلى أكواخ من القصب والسعف والطين.

إن إلقاء التبعة على الغزوات الأجنبية التي بدأت عملياً في العصر العباسي حينما جاء المغول من الشرق والصليبيون من الغرب، وبلغت ذروتها في السيطرة على طرق التجارة الدولية وعصر الاستعمار، لن يجدي نفعاً الآن. مثلما أن وضع المسؤولية على عاتق الحكومات المتعاقبة بعد الحصول على الاستقلال، لن يسهم هو الآخر في حل المشكلة. غير أن فهم الأسباب والدوافع والعلل هو مقدمة ضرورية لإصلاح الخلل، وتجنب العيوب. فما نحتاج إليه الآن هو الخروج من المأزق الذي ألفينا أنفسنا فيه. أي أننا نبحث الآن عن حلول تنهض بالواقع، وليس إلى تبريرات لما حدث في الماضي القريب أو البعيد، أو إلى أشخاص نضع عليهم اللوم، ونحاكمهم على ما اقترفوه من أخطاء.

وأول ما يمكن لنا أن نفعله هو طرح المشكلة على النخبة، التي تقود المؤسسات والدوائر الحكومية والجامعات ووسائل الإعلام، لاستكشاف تصوراتها عن المستقبل القريب، وتطوير رأي عام بشأن ما يمكن عمله في هذا المجال.

ومن الواضح أن شيئاً من هذا لم يحدث إلا في حالات نادرة. والكثير مما كتب أو نشر أو اذيع لم ينطلق في مجمله من رؤى علمية أو عقلانية، بقدر ما كان إسهاماً في صراع سياسي على السلطة، أو فئوي على النفوذ. ولم تحاول الطبقة السياسية طرح خطط للتنمية، بقدر ما كانت ترغب في تجنب الأزمات، وإرضاء الآخرين، والمشاركة في إدارة الدولة.

وأذكر على سبيل المثال أن رجال أعمال مهمين، قدموا تصوراتهم بشأن ميناء الفاو وطريق الحرير منذ عام 2003، في وقت لم يستفق فيه العراقيون بعد من حلم التغيير. وكان هذا دليلاً على أن هناك من يفكر بعيداً عن هم السلطة، أو مسألة الاستحواذ على مركز القرار.

وإنني لا أشك أن آخرين يمتلكون مثل هذه القدرة على التفكير في مشاريع عملاقة أخرى ، لتخرج بعد ذلك إلى النور وتصبح مطلباً شعبياً، وقضية رأي عام. فالضجة التي أثيرت حول مشروع الميناء أصبحت الآن اقوى من قدرة اي مجموعة سياسية على التلاعب فيها. وربما كان للقرار المتسرع والغريب الذي حاول تحجيم المشروع، أو تأجيله، أو حتى إلغائه، أثر نافع في زيادة الاهتمام الشعبي به.

إن مشاكل اجتماعية كثيرة ظهرت في العراق بسبب الفوضى الواسعة، والانقسام الطائفي، ومعضلة الفيدرالية. وإذا ما بدأت المبادرات الكبرى في عالم الاقتصاد والعمران والثقافة بالانطلاق، فإن جميع هذه المشاكل ستتضاءل حتى تغدو غير ذات معنى. ولن يجد أصحابها بداً من أن يتخلوا عنها إلى آفاق أوسع وأنفع، وأمضى وأجدى، مما يعتقدون به الآن!

 

ينشر موقع “المسلة كتابات” جميع ما يرد اليه، شرط أن يكون خاليا من السب والشتم والأوصاف غير اللائقة على الجهات والشخصيات.

“المسلة كتابات” لا يتحمل مسؤولية الأفكار والآراء الواردة. المقالات والنصوص المنشورة تعبّر  عن وجهة نظر الكاتب فقط. 

Please follow and like us:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *