الامام علي (عليه السلام) والمدينة الفاضلة

الامام علي (عليه السلام) والمدينة الفاضلة

المسلة كتابات – طاهر باقر:

لقد وضع الامام علي عليه السلام المخطط الذي لوسارت عليه الانسانية لوصلت الى طريق بناء المدينة الفاضلة التي تغنى بها العرفاء والفلاسفة والحكماء على طول تاريخ الحياة البشرية.

ولقد ارانا الامام علي عليه السلام النموذج الارقى في بناء الحكومة الفاضلة التي ستساعد الانسان في انجاح مسيرته نحو تحقيق حياته المتكاملة، نفس الحكومة التي تقيم الحق والعدل وتربي الناس كيف يقيمون العدل في حياتهم الاجتماعية.

لقد قدم الامام علي عليه السلام نموذجا للحكومة المثالية، التي يكون فيها الحاكم كاي واحد من افراد المجتمع لاتحيط به الامتيازات والحراسات وربما يكون اليوم هذا المفهوم واضحا لنا لما نشاهده من سلوكيات بعض رؤساء البلدان الغربية الذين لايتكبرون على المجتمع وينزلون الى الشوارع والاسواق ويأكلون الطعام معهم.

لكن المثل الذي قدمه الامام علي عليه السلام قبل اكثر من الف وعدة مئات من الاعوام قلما وجدنا له مايشابهه في التاريخ البعيد والقريب، ان يساوي الحاكم نفسه مع الرعية الى درجة انهم يشتبهون بشخصيته ويقللون من قدره.

في تلك القصة التي اراد الامام علي عليه السلام ان يتدخل لمساعدة تلك الجارية وياخذ لها حقها من البائع الذي رفض ان يعيد اليها مالها، فتدخل الامام نصرة للجارية عندما رآها تبكي خشية العقاب من سيدها، فطلب الى البائع ان يعيد اليها مالها فرفض وغلض عليه بالكلام.

الامام لم يطلب الشرطة لحبس الرجل، ولم يهدده بما يمتلك من مصادر القوة والحكم، لكنه وقف في الجوار واجتمع حوله خلق كبير ، ممن كانوا يعرفونه بانه زعيم اكبر دولة في العالم في ذلك الوقت، ولما شاهد البائع هذا الجمع الكبير من الناس اجتمعوا حول دكانه وكيف كانوا يبجلون الامام ويؤدون له التحية سال عن الرجل من يكون فقالوا له انه خليفة المسلمين امير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام فارتعب الرجل وخشي من العقاب لكن الامام هدء من روعه وقال له بانه لايطلب منه اكثر من اعادة المال للجارية.

لقد سمعنا عن التسامح في الغرب وكيف انهم يسمحون للمعارضين في التعبير عن آرائهم ومواقفهم السياسية، لكن الذين سمعوا عن حرية المعارضة وحرية التعبير عن الرأي في عهد الامام علي عليه السلام هم قليلون.

وكان الامام بين اصحابه يحادثهم بماينفعهم في دينهم ودنياهم واذا برجل من الخوارج “وهم معارضة ذلك الزمن”، شتم الامام وقال “قَاتَلَهُ اَللَّهُ كَافِراً مَا أَفْقَهَهُ ” فَوَثَبَ اَلْقَوْمُ لِيَقْتُلُوهُ فَقَالَ علیه السلام رُوَيْداً إِنَّمَا هُوَ سَبٌّ بِسَبٍّ أَوْ عَفْوٌ عَنْ ذَنْبٍ، وقرأ في خطبة اخرى على الخوارج حقوقهم ومنها ان ياخذوا حقوقهم المالية من بيت مال المسلمين مالم يرفعوا السيف.

فإذا كان المعارضون في البلدان الغربية يحصلون على حق التعبير عن الرأي فهؤلاء المعارضون في زمن الامام علي عليه السلام كانوا يحصلون على الراتب الشهري من بيت مال المسلمين مثلهم مثل بقية المسلمين الذين يتلقون حقوقهم من بيت المال.

لم يكن الولاة في عهد الامام علي عليه السلام يمتلكون الحصانة، فبمجرد ان يخرجوا عن دائرة الحق والعدل كانوا يعزلون بسهولة ومن دون تردد، ولقد تمكنت امراة مسلمة ان تعزل الوالي الذي نصبه الامام واليا على منطقتها بعدما كشفت خيانته، فأرسل الامام كتاب عزل ذلك الوالي بيد المراة نفسها.

ولو اردنا ان نبين الاطار النظري للمبادئ التي روج لها الامام علي عليه الاسلام لبناء الدولة وعدالة الحاكم ومساواته مع بقية الناس لاحتجنا الى تأليف كامل، وكتاب نهج البلاغة فيه الكثير مما يدل على ذلك من كلامه وخطبه وكذلك بالنسبة الى سيرته، ومنها تلك الحادثة التي وجدوا عليه ازار “خلق مرقوع” وهو زعيم اكبر دولة في العالم آنذاك فسالوه عن ذلك فأجاب: “يَخْشَعُ لَهُ الْقَلْبُ وَتَذِلُّ بِهِ النَّفْسُ وَيَقْتَدِي بِهِ المؤمنون”.

هؤلاء الذين يميزون بين الناس على اساس الدين والمذهب يجب ان يعرفوا اخلاق امير المؤمنين عندما مر شيخ مكفوف كبير يسأل، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): ما هذا؟ قالوا: يا أمير المؤمنين نصراني، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): استعملتموه حتى إذا كبر وعجز منعتموه، أنفقوا عليه من بيت المال!

هذا هو الامام علي عليه السلام وهذه مبادئه وقيمه ، ومن يدعي الولاء له يجب ان يكون من اول العاملين والملتزمين بما يدعو اليه، وان تكون الدولة التي يقيمون فيها هي المدينة الفاضلة بحق وليست الدولة الاعظم بالفساد.

الانتماء الى مدرسة علي بن ابي طالب ليس مجرد كلام ندعيه ونرفعه شعارا في الانتخابات لنكسب عطف السذج من الناس، بل هو انتماء يمضي فيه الموالون استمارة الولاء بدمائهم.

نحن لانريد ان نبني مدينة فاضلة في الاوهام والشعارات الجميلة والكلمات المعسلة، نريد ان نرى المدينة الفاضلة بام اعيننا، في الشارع وفي السوق وفي المصنع وفي المزرعة.

يجب ان تتحول بلداننا الى الرتبة الاولى في كل شيئ في التقدم والازدهار والصناعة والاقتصاد وفي الفكر والثقافة والزراعة والتعليم، عند ذلك نستطيع ان نفتخر ونقول باننا اتباع علي بن ابي طالب عليه السلام.

ليس لأن الامام علي يحث على الصناعة الفاخرة والاقتصاد المزدهر ، بل لان مدرسته تصنع الانسان الحقيقي الذي يبني الحضارة ويكون اساس تقدمها، الانسان الذي تمتزج في دمه وروحه الصفات الانسانية.

ان البلد الذي يعتبر من البلدان الاولى في عالم الفساد هو بلا شك لاينتمي الى المدرسة الفكرية والثقافية والعقائدية لمدرسة الامام علي عليه السلام، لانه ببساطة هو بعيد كل البعد عن المنظومة الفكرية والعقائدية التي دعا اليها الامام علي.

هناك فاصلة عظيمة بين المفاهيم التي يدعو اليها الامام علي وبين حياتنا الواقعية، ومن اجل ان نكون موالين حقيقيين لمدرسة الامام يجب ازالة الفاصلة، وتحويل الشعارات والكلمات التي نرفعها الى برامج عملية نشعر ونحس ونلمسها في الواقع.

ولو ظهر الامام علي عليه السلام في اوساطنا لكان الذين يزعمون الولاء له هم اول من سيعارضونه لانه سيهدد مصالحهم واول عمل سيقوم به هو سحب الامتيازات والاموال عن الذين يزعمون الاسبقية في العمل والجهاد مثلما عارضوه اول الامر عندما ساوى بين المسلمين في المال وقالوا هؤلاء كانت لهم الاسبقية في العمل والجهاد.

فأجابهم بكلام له منشور في نهج البلاغة:

لما عوتب على تصييره الناس إسوة في العطاء من غير تفضيل أولى السابقات و الشرف‏ أَتَأْمُرُونِّي أَنْ أَطْلُبَ النَّصْرَ بِالْجَوْرِ فِيمَنْ وُلِّيتُ عَلَيْهِ وَ اللَّهِ لَا أَطُورُ بِهِ مَا سَمَرَ سَمِيرٌ وَ مَا أَمَّ نَجْمٌ فِي السَّمَاءِ نَجْماً وَ لَوْ كَانَ الْمَالُ لِي لَسَوَّيْتُ بَيْنَهُمْ فَكَيْفَ وَ إِنَّمَا الْمَالُ مَالُ اللَّهِ ثُمَّ قَالَ (عليه ‏السلام)أَلَا وَ إِنَّ إِعْطَاءَ الْمَالِ فِي غَيْرِ حَقِّهِ تَبْذِيرٌ وَ إِسْرَافٌ وَ هُوَ يَرْفَعُ صَاحِبَهُ فِي الدُّنْيَا وَ يَضَعُهُ فِي الْآخِرَةِ وَ يُكْرِمُهُ فِي النَّاسِ وَ يُهِينُهُ عِنْدَ اللَّهِ وَ لَمْ يَضَعِ امْرُؤٌ مَالَهُ فِي غَيْرِ حَقِّهِ وَ عِنْدَ غَيْرِ أَهْلِهِ إِلَّا حَرَمَهُ اللَّهُ شُكْرَهُمْ وَكَانَ لِغَيْرِهِ وُدُّهُمْ فَإِنْ زَلَّتْ بِهِ النَّعْلُ يَوْماً فَاحْتَاجَ إِلَى مَعُونَتِهِمْ فَشَرُّ خَدِينٍ وَ أَلْأَمُ خَلِيلٍ .

مؤسف حال الامة التي تدعي انها في رعاية الله وتحت ظله، بينما هي تعاني من التخلف والجوع والكسل والفساد، امة يتهم كل واحد فيها الآخرين بالمسؤولية عما يحدث والكل يتهم الحكومة بكل هذا التخلف الذي يحصل في البلد، لكن ليس هناك من يمتلك الشجاعة ويقول نحن المسؤولون عن كل هذا التخلف الذي يحصل.

لماذا نريد دائما القاء المسؤولية على الآخرين، ونبرء انفسنا مما يحدث في الشارع؟ لماذا لانعترف بالاخطاء التي نرتكبها؟ لماذا نحاول اظهار انفسنا وكأن هناك هالة من العصمة تحيط بنا ولا احد منا يرتكب خطأ ما؟

يجب ان نعترف باخطائنا حتى نستطيع ان نصلح انفسنا لان الاعتراف بالخطيئة هي المرحلة الاولى نحو التغيير واصلاح الذات ومن دون الاعتراف لايمكن ان يحدث اي تغيير في هذه البلدان.

 

ينشر موقع “المسلة كتابات” جميع ما يرد اليه، شرط أن يكون خاليا من السب والشتم والأوصاف غير اللائقة على الجهات والشخصيات.

“المسلة كتابات” لا يتحمل مسؤولية الأفكار والآراء الواردة. المقالات والنصوص المنشورة تعبّر  عن وجهة نظر الكاتب فقط. 

Please follow and like us:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *