الامام العسكري حارس القرآن الكريم

الامام العسكري حارس القرآن الكريم

المسلة كتابات – طاهر باقر:

ان يتحمل الانسان مسؤولية قراره السياسي هو امر طبيعي حتى لو ادى ذلك الى عواقب وخيمة لكن ان تحكم السلطات على شخص بالاقامة الجبرية منذ طفولته وحتى آخر يوم من حياته فهذا قرار مجحف لم يرتكبه حتى المغول في هجمتهم الوحشية على البلاد الاسلامية.

الجريمة التي ارتكبتها الدولة العباسية بحق الامام الحسن العسكري لم تحدث اطلاقا في اي بلاد العالم، لانها احتجزت الامام العسكري وفرضت عليه الاقامة الجبرية منذ كان صغيرا وحتى آخر من حياته، ولقد سمي بالعسكري لانه تم احتجازه في منطقة يسيطر عليها العسكر يعني ان يكون تحت عيون ومراقبة السلطة مدة اربع وعشرين ساعة.

امر المتوكل العباسي بجلب الامام الهادي وابنه الحسن العسكري عليهما السلام الى “سمر من رأى” (سامراء) ويضعه نصب عينيه حتى لايقوم باية حركة معارضة للسلطة، بعد ان وصلته التقارير السرية بشان محبوبية الامام، وميلان الناس في المدينة الى الاقتداء به والاخذ بامامته.

ومنذ ذلك الوقت عرف الشيعة نظام الوكلاء، فقد كان الامام يرتبط بشيعته والموالين اليه عن طريق وكلاء ثقاة كان الامام يختارهم لهذه المهمة وكانوا ينوبون عنه في تبليغ مسائل الحلال والحرام وتوزيع الخمس والزكاة على فقراء المسلمين.

وبرغم من معرفتهم ان ائمة اهل البيت يقودون حركة توعوية ثقافية، لكنهم مع ذلك كانوا يشددون على الائمة ويضعونهم في السجن ويعرضونهم للتعذيب من قبل زبانية غلاظ.

وهناك مواقف كثيرة تظهر معرفة خلفاء بني العباس بحقيقة آل الرسول صلوات الله عليهم وعلى تقدمهم في كل علم بما لايقدرون عليه ولاحتى وعاظهم، ولكل امام مع ذلك حكاية ومنها ماحدث مع الامام العسكري عليه السلام، عندما اشتكى الناس قلة المطر فاستسقوا فلم يستجب دعاءهم.

وقال المؤرخون انه في زمن الامام العسكري واجهت “سر من رأى ” القحط فأمر الخليفة العباسي اهل المملكة ان يخرجوا للاستسقاء فخرجوا ثلاثة ايام متوالية الى المصلى فما استجيبت دعواتهم فخرج حبر النصارى الجاثليق ( وهو كبير الاساقفة) في اليوم الرابع ومعه النصارى والرهبان وكان فيهم راهب فلما مد يده هطلت السماء بالمطر فشك اكثر الناس وتعجبوا وشكوا في دينهم.

فبعث الخليفة إلى الإمام العسكري وكان محبوساً فاستخرجه من محبسه وقال : إلحق أمة جدك فقد هلكت، فقال : اني خارج في الغد ومزيل الشك إن شاء اللـه تعالى، فخرج في اليوم الثالث والرهبان معه وخرج الامام العسكري مع نفر من أصحابه فلما شاهد الراهب وقد مدّ يده أمر بعض غلمانه ان يقبض على يده اليمنى ويأخذ ما بـين أصبعيـه ففعل، وأخذ من بين سبابيته عظماً أسودا فاخذ الحسن عليه السلام بيده ثم قال : استسق الآن، فاستسقى فتقشعت غيم السماء وطلعت الشمس بيضاء. فقال الخليفة : ما هذا العظم يا أبا محمد قال عليه السلام : هذا رجل مرّ بقبر نبي من الأنبياء ، فوقع إلى يده هذا العظم ، وما كشف من عظم نبي إلاّ وهطلت السماء بالمطر . بحار الأنوار : ( ج 50 ، ص 271 ).

وعندما يتعرض القرآن الكريم للتعدي ينبري حماة الدين للدفاع عنه ويصدون موجة التشكيك من خلال العقل والمنطق وهاهو الامام الحسن العسكري عليه السلام ينبري للدفاع عن القرآن الكريم ويوقف حركة التشكيك ويمنع انتشار مدرسة معادية للقرآن الكريم من خلال استدلال منطقي مفحم، وذلك عندما عزم فيلسوف العراق آنذاك “إسحاق الكندي” بحسب المؤرخين تأليف كتاب في تناقضات القرآن الكريم، وكان الامام على اتصال بعدد من تلامذته وجرى بينهما هذا الحديث بحسب “أبو القاسم الكوفي” في كتابه التبديل: أن إسحاق الكندي كان فيلسوف العراق في زمانه أخذ في تأليف تناقض القرآن، وشغل نفسه، بذلك، وتفرد به في منزله، وإن بعض تلامذته دخل يوما على الإمام الحسن العسكري عليه السلام فقال له أبو محمد عليه السلام: أما فيكم رجل رشيد يردع أستاذكم الكندي فيما أخذ فيه من تشاغله بالقرآن؟ فقال التلميذ: نحن من تلامذته كيف يجوز منا الاعتراض عليه في هذا أو في غيره؟

فقال أبو محمد عليه السلام: أتؤدي إليه ما ألقيه إليك؟ قال: نعم، قال: فصر إليه، وتلطف في مؤانسته ومعونته على ما هو بسبيله، فإذا وقعت الأنسة في ذلك فقل: قد حضرتني مسألة أسألك عنها فإنه يستدعي ذلك منك، فقل له: إن أتاك هذا المتكلم بهذا القرآن هل يجوز أن يكون مراده بما تكلم به منه غير المعاني التي قد ظننتها أنك ذهبت إليها؟ فإنه سيقول إنه من الجائز لأنه رجل يفهم إذا سمع فإذا أوجب ذلك فقل له: فما يدريك لعله قد أراد غير الذي ذهبت أنت إليه، فتكون واضعا لغير معانيه.

فصار الرجل إلى الكندي وتلطف إلى أن ألقى عليه هذه المسألة، فقال له: أعد علي! فأعاد عليه، فتفكر في نفسه، ورأى ذلك محتملا في اللغة، وسائغا في النظر، فقال: أقسمت عليك الا أخبرتني من أين لك هذا؟ فقال: انه شيئ عرض بقلبي فأوردته عليك فقال: كلا، ما مثلك من اهتدى إلى هذا ولا من بلغ هذه المنزلة فعرفني من أين لك هذا؟ فقال: أمرني به أبو محمد، فقال: الآن جئت به، وما كان ليخرج مثل هذا الامن ذلك البيت، ثم إنه دعا بالنار وأحرق جميع ما كان ألفه. المناقب (ج 4 ص 424).

وكان الامام العسكري عليه السلام واسع الصدر، ولايصد عن نفسه مذنبا او جانيا، واعجب قصة له هو ماحدث مع شارب الخمر، عندما صدر من احد اصحابه ووكلائه موقفا مستنكرا من قبله في صد عن بيته “شارب خمر” وقد ورد في تاريخ “مدينة قم” للحسن بن محمد القمي قال: رويت عن مشايخ قم أن الحسين بن الحسن بن جعفر بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق عليه السلام كان بقم يشرب الخمر علانية فقصد يوما لحاجة باب أحمد بن إسحاق الأشعري وكان وكيلا (للامام العسكري) في الأوقاف بقم فلم يأذن له ورجع إلى بيته مهموما.

فتوجه أحمد بن إسحاق إلى الحج فلما بلغ “سر من رأى” استأذن على أبي محمد الحسن العسكري عليه السلام فلم يأذن له فبكى أحمد لذلك طويلا وتضرع حتى أذن له، فلما دخل قال: يا ابن رسول الله لم منعتني الدخول عليك؟ وأنا من شيعتك ومواليك؟ قال عليه السلام: لأنك طردت ابن عمنا عن بابك، فبكى أحمد و حلف بالله أنه لم يمنعه من الدخول عليه إلا لان يتوب من شرب الخمر، قال:

صدقت ولكن لابد عن إكرامهم واحترامهم، على كل حال، وأن لا تحقرهم ولا تستهين بهم، لانتسابهم إلينا فتكون من الخاسرين.

فلما رجع أحمد إلى قم أتاه أشرافهم، وكان الحسين معهم فلما رآه أحمد وثب إليه واستقبله وأكرمه وأجلسه في صدر المجلس، فاستغرب الحسين ذلك منه و استبدعه وسأله عن سببه فذكر له ما جرى بينه وبين العسكري عليه السلام في ذلك.

فلما سمع ذلك ندم من أفعاله القبيحة، وتاب منها، ورجع إلى بيته وأهرق الخمور وكسر آلاتها، وصار من الأتقياء المتورعين، والصلحاء المتعبدين، وكان ملازما للمساجد معتكفا فيها، حتى أدركه الموت، ودفن قريبا من مزار فاطمة رضي الله عنهما.

وافضل شهادة ماشهدت به الاعداء وقد وصف وزير البلاط العباسي في عصر المعتمد أحمد بن عبيد الله بن خاقان جلاله وعظمة شأن الامام العسكري عليه السلام ، فقال: «ما رأيت ولا عرفت بسر من رأى من العلوية مثل الحسن بن علي، ولا سمعت بمثله في هديه وسكوته وعفافه ونبله وكرمه عند أهل بيته والسلطان وجميع بني هاشم وتقديمهم إياه على ذوي السن منهم والحظ وكذلك القواد والوزراء والكتّاب وعوام الناس، وما سألت عنه أحداً من بني هاشم والقواد والكتّاب والقضاة والفقهاء وسائر الناس إلاّ وجدته عندهم في غاية الإجلال والإعظام والمحل الرفيع والقول الجميل والتقديم له على أهل بيته ومشائخه وغيرهم، ولم أر له ولياً ولا عدواً إلاّ ويحسن القول فيه والثناء عليه» الصدوق؛ (كمال الدين وتمام النعمة، ج 1، ص 40).

 

ينشر موقع “المسلة كتابات” جميع ما يرد اليه، شرط أن يكون خاليا من السب والشتم والأوصاف غير اللائقة على الجهات والشخصيات.

“المسلة كتابات” لا يتحمل مسؤولية الأفكار والآراء الواردة. المقالات والنصوص المنشورة تعبّر  عن وجهة نظر الكاتب فقط. 

Please follow and like us:

One Comment

  1. لا اجد في هذا الطرح المسهب ما ينتفع منه فقراء القوم …اليوم هناك تردي في اسس المجتمع وانحلال اخلاقي لم يشهده العراق من قبل …ما نفعنا من مظاهر تدين زائف اربك المحتمع وزرع الفتنه وشرد الملاين واتاح المجال للصوص لسرقة قوت الفقراء ..هؤلاء اللصوص من اصحاب الشأن المستوزرين بنهج الطائفه التي غدرت بالفقراء من ابناء جلدتها …كانت تدعي ان ابعادها عن الحكم خلق مجتمعا مترديا ….وهي اليوم فتكت بطائفتها وكعلتها تستنجد باليهود لانقاذها مز حكم الادعياء ….لا مدارس ولا اخلاق ولا تطور ولاثقافه ..فقر مدقع وانحلال اخلاقي وقوانين غير محترمه وسلطات تخشى ان تطبق القانون …وعشائر بسنن باليه تستقوي على الضعفاء وتستنزف قوتهم بل وتشردهم بحكم متخلف من رئيس عشيره لا يتمكن القانون من ردعه …ما نفعنا اليوم بما تكتبه عن رجل كان له شان لكن الخونه هم من وشوا به عند الحاكم …هناك قاعده في الاسلام تقول ان تمكن الحاكم من الحكم على الرعيه الطاعه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *