الاثار القانونية لعدم اقرار الموازنة

الاثار القانونية لعدم اقرار الموازنة

المسلة كتابات – ايناس عبد الهادي الربيعي:

رحى نقاش قانوني مع الاستاذ حيدر طارق حميد

تحديات تواجهها الموازنة العامة في العراق بتخصيصات باتت تتضخم لتستحوذ النفقات التشغيلية على النسبة الاكبر مسببة ترهل الهيكل الاداري الحكومي لأسباب سياسية لا علاقة لها بالدواعي الاقتصادية لتأتي من بعدها التخصيصات الاجتماعية لتتحول الموازنة لمجموعة من التخصيصات التي لا تحوي جدوى اقتصادية بمضمونها ،اذ تتمثل دورة الموازنة العامة في اعدادها من قبل الحكومة ممثلة بوزارة المالية والتخطيط واقراراها من قبل السلطة التشريعية بتوقيتات يجب على السلطتين الا تتعداها ، الا ان ما يجري على ارض الواقع يظهر تأخر اقرار الموازنة لأسباب عدة تراوحت بين اقتصادية واجتماعية وسياسية ومناطقية لتمثل بمجموعها متغيرات ذات اثار تمس الاقتصاد العراقي بمجمله ،ولنكون على بينة من الامر يتطلب الموضوع بيان بعض الاوليات ذات الصلة ومنها لفظة الموازنة ( Budget ) المشتقة تاريخيا من مصطلح الحقيبة الجلدية ( Leather bag) كلفظ متداول في القرن التاسع عشر على الحقيبة الجلدية التي يحملها وزير المالية في كل من الولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا حاملا فيها الوثائق المتضمنة لاحتياجات الحكومة من نفقات ومصادر تمويلها ليصبح هذا المصطلح يطلق على الوثائق داخل تلك الحقيبة والتي تتضمن النفقات الحكومية وتمويلها المقدمة للسلطة التشريعية للموافقة عليها ، لنكون امام مفهومين الموازنة العامة وقانون اعتماد الموازنة العامة ، فالموازنة العامة كعمل اداري يتخذ شكل قرارات تتخذها السلطة التنفيذية وصولا لأعداد بيانات والاقام خاصة بالقطاعات الاقتصادية والاجتماعية للدولة ،في حين يمثل قانون اعتماد الموازنة العامة قانونا يقر من قبل السلطة التشريعية يتم عبره المصادقة على مشروع الموازنة المقترح من قبل الحكومة للعمل به لسنة مقبلة لتكمن اهميته بكونه يمثل سلامة التصرف بالأموال من قبل الحكومة وعدم الاسراف بها لارتباط اعدادها مسبقا بأهداف محددة تكون الموازنة وسيلة تحقيقها في اطار الاستراتيجية الوطنية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية بمت يعني ان الموازنة هي اداة اساسية في تنفيذ تلك الاستراتيجية عبر برنامج تنموي قصير الاجل كأجراء مؤسسي وقانوني لها ، لذا فان غياب المعطيات والمؤشرات الدقيقة وغياب البيانات الموثوق بها بهذا الشأن لتقيم الاداء الاقتصادي ولا سيما في العراق اضافة لبعض الاوليات الوطنية الغير متفق عليها من قبل الكتل السياسية الممثلة في مجلس النواب والذي لا ينظر اليه من باب الالزام الوطني كلها معطيات ادت لتأخر اقرار الموازنة من قبل السلطة التشريعية بدءا منذ عام 2008م ولحد الان على الرغم من كون الموازنة العامة هي من اهم اساسيات الدولة لكونها تمثل انعكاسا لتوجهها الاقتصادي والسياسي ليكون موضوع تأخر اقرارها ازمة يعاني منها الاقتصاد العراقي ، لكن ما هي حقيقة اسباب تأخرها ولا سيما ان ذلك التأخير يرتبط بتأثير سلبي على الاقتصاد العراقي.

منذ عام 2004 وصدور قانون الادارة المالية والدين العام بالأمر الاداري لسلطة الائتلاف المؤقتة والمرقم (94) والذي عرف الموازنة العامة بانها : ( برنامج مالي يستند الى التخمينات السنوية للمقبوضات والمدفوعات والتحويلات النقدية والمعاملات العينية للحكومة) وهو ما تم اعداد موازنة عام 2005م وما تلاها من سنوات بموجبه عبر استعانة وزارة المالية بالمؤسسات والشركات الدولية مع اقاف القوانين السابقة الخاصة بإعداد الموازنة في العراق ليحدد ذلك القانون مبادئ اربع رئيسية للموازنة العامة العراقية وهي كل من الشفافية بان تقدم الموازنة بطريفة تسهل تحليل السياسة المالية وتعزز الثقة بها من خلال اطلاع الجمهور على الاهداف المرجوة من السياسة المالية العامة للدولة عبر الاطلاع على الانشطة الحكومية الموثقة والشاملة والقابلة للمقارنة على المستوى الدولي لتقييم مركز الحكومة المالي بدقة مع الالمام بالتكاليف وما يترتب عنها من منافع حقيقية وتأثير كل ذلك اقتصاديا واجتماعيا على المستقبل القريب ، اما الجانب الثاني فيتعلق بالسلطة التشريعية المطلعة على الموازنة العامة بكافة تفاصيلها الامر الذي يسهل موضوع تدارسها تمهيدا لإقرارها ، اضف الى ذلك شموليتها بان تغطي كافة المؤسسات الحكومية لتقدم بذلك رؤية موحدة ومتناسقة عن ما تحتويه ليتم التصويت عليها وفقا لذلك من قبل السلطة التشريعية ، واخيرا وحدتها بما يعني ان يتم عرضها كوثيقة متكاملة على السلطة التشريعية بما تتضمنه من نفقات وايرادات لتكون بذلك تمثيلا حقيقيا للمركز المالي للدولة عبر عرض بنودها وبيان العجز وطرق تمويله ، وما يميز الموازنة العامة في العراق انها مرت بمراحل عدة كانت بمجملها موازنات غير متجانسة ، وبالعودة لقانون الادارة المالية الملحق (أ) وفق ما بيمنه المادة الثالثة من القسم السادس نجدها تنص على قيام وزير المالية بالتشاور مع وزير التخطيط والتعاون الانمائي بتعميم لوائح داخلية واهداف السياسة المالية لوحدات الانفاق لغرض اعداد ميزانيتها بالاستناد الى اوليات السياسة المالية المحددة من قبل مجلس الوزراء ووفقا لذلك يقوم وزير المالية في بداية الشهر الخامس من كل سنة بإصدار تقرير عن اوليات السياسة المالية للسنة التالية ويقدم لمجلس الوزراء للمصادقة عليه ، وخلال الشهر السادس من كل عام يعمد وزير المالية للتشاور مع وزير التخطيط والتعاون الانمائي لتعميم لوائح داخلية تبين اهداف السياسة المالية للوحدات الحكومية لغرض اعداد موازناتها استنادا لأوليات السياسة المالية المتبعة من قبل الحكومة مع وضع جدول زمني لأعداد الموازنة متضمن بيان اجمالي مستوى النفقات لكل وحدة من الوحدات الحكومية بالاعتماد على بيانات السنة او السنوات السابقة بزيادة تعادل 10% من التقديرات السابقة اخذة بنظر الاعتبار المتغيرات الاقتصادية وهو ما نجده ذو اثر سلبي اذ سيكون ذلك دافعا لاخفاء الكثير من الاموال المراد بها تلبية احتياجات مهمة يمكن ان تستجد مستقبلا لتكون عملية المساومة التي تلجأ اليها وزارة المالية لتخفيض او ابقاء التخصيصات المحددة للوزارات والجهات الحكومية تمثيلا حقيقيا لعدم وجود معايير او مؤشرات علمية يمكن اعتمادها عند وضع التقديرات وهو ما يدفع تلك الجهات للمغالاة في تقدير تخصيصاتها لتجنب التخفيض الذي يمكن ان يتم من قبل وزارة المالية ليكونوا امام التقدير الاقرب للواقعية ولا سيما ان موضوع تقدير الايرادات النفقات العامة لا يمكن ان يكون تمثيلا حقيقيا لأرقام الموازنة العامة وذلك لعدم توفر البيانات والمعلومات المحاسبية والاحصائية وغيرها من المؤشرات الاقتصادية الدقيقة والتي يمكن ان تكون الاساس لذلك، وفي العراق فان الاسلوب المتبع في اعداد الموازنة العامة يرتكز اساسا على المدخلات دون المخرجات ومحاولة الربط بينهما لذا فان تقييم الاداء في هذه الحالة يعتمد على الالتزام بالتخصيصات السنوية وعدم تجاوزها لكون ذلك يعطي مؤشرا على سوء تصرف الادارة اضف الى ذلك ان مجريات العمل تظهر وجود موازنين كتعبير سليم عن مصطلح الموازنة العامة في العراق احداهما تعدها وزارة المالية هي الجارية والاستثمارية التي تعدها وزارة التخطيط والتعاون الانمائي لتعد تلك الموازنتين لاعتبارات واجراءات مختلفة وهو ما يظهر الصعوبات في تحقيق الاهداف الاقتصادية لكلاهما ولا سيما ان هيمنة النفقات التشغيلية على الاستثمارية بحجم متزايد كان ذو اثر سلبي في تقلص حجم النفقات الاستثمارية على الرغم من اهميتها في تغير الهيكل الاقتصادي وتحديد معدل النمو الاقتصادي ، اذ تعود الضخامة في تلك النفقات لأسباب عدة اهمها الاعتماد على العائدات النفطية وهي بذلك تمثل حالة شاذة عاكسة لطبيعة الاقتصاد الريعي المعتمد على اسواق النفط العالمية وهو ما يدفع لتكون الموازنة اسيرة لأسعار النفط العالمية لذلك فعندما تصاب الموازنة بصمة جراء انخفاض اسعار النفط تكون الحصيلة التأثير على حصة النفقات الاستثمارية وهو مؤشر سلبي على الموازنة العراقية اما النفقات التشغيلية والتي تواجه ارتفاع ملحوظا منذ عام 2004 اخذة بالتزايد في عام 2009 ليسجل اعلى نسبة في مشروع موازنة عام 2020 وهو ما يظهر الاثر الواضح والجلي للفساد الاداري والمالي على الموازنة العامة وما يرتبط بها من خطط تنموية اذ زاد الانفاق العام مع انخفاض القدرة التشغيلية مع اعاقة لعملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية وهو ما يرتبط بكفاءة الاجهزة الادارية العاملة على تنفيذها وهو ما نقف على حقيقته في منشورات هيئة النزاهة والتي اظهرت وجود هدر يقدر بحوالي سبعة مليارات ونصف المليار دولار في الوزارات حصرا للفترة الواقعة ما بين عامي (2008- 2009) هذا من الجانب المنظور اما الجانب الغير منظور فيقدر بالضعف لذلك نجد ان الفساد المالي والاداري هو المسبب الرئيسي في اضعاف الكفاءة الاقتصادية لأجهزة الدولة وايقاف تطورها ونموها الامر الذي ينعكس سلبا على اعادة بناء المجتمع وهو ما يتأكد لنا تقارير منظمة الشفافية العالمية التي وضعت العراق في المرتبة الثانية عربيا والثالثة عالميا في تفشي الفساد المالي والاداري منذ عام 2010 وفقا لمؤشر مدركات الفساد ( (CPI ليكون ذلك احد اهم ابواب الهدر في المبالغ المخصصة للموازنة العامة بما يشكل ضغطا عليها مستنفذا مواردها.

وبالعودة لأسباب تأخر اقرار الموازنة العامة نجدها تتأرجح بين اسباب اقتصادية وفنية وسياسية فاللجان النختصة في مجلس النواب تناقش النفقات الموضوعة من قبل وزارة المالية دون الاخذ بعين الاعتبار مراجعة ودراسة اسعار النفط العالمية ولا سيما انها تعتمد بالأساس على النفط كمصدر رئيسي لتمويل نفقاتها دون الاخذ بعين الاعتبار ما قد يطرأ من تغيرات على تلك الاسعار ، اضافة لذلك عدم وجود معايير ثابتة وموثوقة يتم اعتمادها عند توزيع التخصيصات المالية بين الاقاليم والمحافظات الغير منتظمة بإقليم اذ يتم اللجوء لبيانات البطاقة التموينية دون الاعتماد على المعايير الحقيقية المحددة لتلك الحاجات ، والاهم ان مجلس الوزراء يعمد لترك بعض الفقرات في مشروع قانون الموازنة لمجلس النواب دون حسم لاعتبارات سياسية وهو ما يسهم هو الاخر في اقرار الموازنة ، ونقطة اخرى تتجد في كل سنة الا وهي تخصيصات اقليم كردستان والتي تمثل عوامل شد وجذب بين الكتل السياسية في البرلمان العراقي ليكون ذلك بمجمله ذو اثر اقتصادي خطير اذ ينخفض النشاط الاقتصادي ليدخل البلد في حالة من الانكماش لتوقف الانفاق الحكومي ليتم الانتقال لمرحلة التوسع في الانفاق بعد اقرار الموازنة العامة، لذلك نجد ان الاعتبارات السياسية تقدم على الاعتبارات المهنية في عملية اقرار الموازنة الامر الذي يعمد لأضعاف دورها الاقتصادي والاجتماعي المرجو تحققه لافتقار العملية السياسية للنضج وغياب الحس الوطني في عملية مناقشتها والتي عادة ما تتحول لمناسبة لتصفية الحسابات بدلا من جعلها مناسبة لإصلاح الوضع الاقتصادي والاداء المالي وهو ما يظهر الحاجة الى ان تتحول النخب السياسية الحاكمة من حالة النزاع والتناحر الى حالة المشاركة الوطنية وتغليب تلك المصلحة على ما سواها ، دعوات نأمل ان تأخذ حيزا من الاهتمام تغليبا للصالح العام دون غيره.

 

ينشر موقع “المسلة كتابات” جميع ما يرد اليه، شرط أن يكون خاليا من السب والشتم والأوصاف غير اللائقة على الجهات والشخصيات.

“المسلة كتابات” لا يتحمل مسؤولية الأفكار والآراء الواردة. المقالات والنصوص المنشورة تعبّر  عن وجهة نظر الكاتب فقط. 

Please follow and like us:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *