استذكار الماضي للحاضر والمستقبل

استذكار الماضي للحاضر والمستقبل

المسلة كتابات – سالم مشكور:

هناك فرق بين أن تعيش في الماضي، وأن لا تنسى الماضي. في الأول فإنك تعيش أسير الماضي، تبقى فيه وتغلق على نفسك أبواب الحياة، بينما الثاني يعني أن تستخدم الماضي أساساً لعيش الحاضر، ومنه تنطلق لتبني المستقبل. تستلهم من إيجابيات الماضي وتطورها، وتستذكر صفحاته الأليمة، لا لتنغيص حياتك، انما لتفادي تكرارها في الحاضر والمستقبل.

لا يمكن للإنسان أن يعيش منقطعا عن ماضيه، بحلوه ومرّه. الحياة هي عبارة عن ماضٍ وحاضرٍ ومستقبل مجهول نحاول جعله سعيداً خالياً مما واجهناه من سوء في الماضي والحاضر. الشعوب تخلّد ماضيها، حتى مآسيه، لتجعله عبرة للأجيال الآتية. في قلب واشنطن، تجد متحف السود، وفيه عرض لما يذكّر بالاستعباد وما عاناه المستعبَدون السود من ظلم واضطهاد على يد الاميركيين البيض، والفصل العنصري الذي استمر حتى الستينيات من القرن الماضي. قريب منه متحف للهنود الحمر، وهم السكان الاصليون لأميركا الشمالية التي تشكل الولايات المتحدة الأميركية اليوم. يعرض المتحف حملات الإبادة التي تعرّض لها هؤلاء على يد المهاجمين من الأوروبيين الذين قتلوهم واستولوا على أراضيهم، ليصبحوا في ما بعد قادة البلاد ويستعبدوا الهنود حتى وقت قريب.

في البلدان التي تتخلص من الدكتاتوريات المتوحشة، تؤسس المتاحف التي تجسّد ممارسات الدكتاتور الساقط وبطشه بمواطنيه. يزوره الناس ويطلعون على معاناة أجدادهم. لا يقول أحد أنهم يعيشون في الماضي، وان عليهم نسيان كل شيء والانطلاق الى المستقبل، بل يعرف الجميع أن هذا التذكير هو للعبرة ومنع تكرار الآلام.

نحتاج الى هذا الوضوح في العراق منذ 2003. وخصوصا الآن، بعدما ظهر جيل جديد لم يعِ مرحلة الدكتاتورية وسياساتها وممارساتها وما سببته من تخريب البلاد والعباد،.

هناك أيضاً بقايا أنصار حقبة الدكتاتورية من معاصريها أو أبنائهم، ممن يحاولون التعتيم على جرائم الماضي عبر إشاعة مقولات واتهامات لمن يذكّر به، بانَّ هذا هو عيش في الماضي واجترار له وإن المطلوب هو التطلع الى المستقبل. اللافت للنظر أن كثيراً ممن يروجون لهذه المقولات و يتهمون الاخرين بالعيش في الماضي هم من مؤيدي تلك السياسات والممارسات انطلاقا من تأييدهم للنظام السابق ككل، وبالتالي فانهم يتحركون بدافع تبرئة ذلك النظام من كل ممارساته، وهذا منهج خطير خصوصا عندما يكون هؤلاء داخل النظام الحالي بينما هم يحملون أفكار ومنهج عمل النظام السابق.

 

ينشر موقع “المسلة كتابات” جميع ما يرد اليه، شرط أن يكون خاليا من السب والشتم والأوصاف غير اللائقة على الجهات والشخصيات.

“المسلة كتابات” لا يتحمل مسؤولية الأفكار والآراء الواردة. المقالات والنصوص المنشورة تعبّر  عن وجهة نظر الكاتب فقط. 

Please follow and like us:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *