أُنبِئُكَ عليَّاً أنَّ شعب العراق راح يموت جوعاً

أُنبِئُكَ عليَّاً أنَّ شعب العراق راح يموت جوعاً

المسلة كتابات – علي الشكري:

ليس من المتقدمين والمتأخرين ، ومن الاتباع والأضداد ، ومن المتبعين والباغضين ، ومن العلماء والجاهلين ، من لا يُقر بزهد علي ” عليه السلام” ، وعدله ، وقسطه ، وكرمه ، وبلاغته ، وشجاعته ، ونبله حتى مع عدوه ، تولى الخلافة وهو باغض لها ، زاهد فيها ، مترفع عنها ، قانط من مآلها ، تولاها وهو يعلم أن المكوث فيها قصير ، وخطرها يسير ، وملكها حقير ، كما الدنيا ، السلطة عند علي ، اختبار وليس اختيار ، في مستنقعها يهوي كثير ممن بايع وناصر وتصدى وقاتل وعارض وزج في غياهب السجون ، فهي غاوية مغرية ، تقطع الوصل ، وتبعد القريب ، وتقتل الصاحب والرفيق، ليس أعلم من علي بمحذور السلطة وهو من عايش النبي ، ولامس الفتن التي لاحقت حكم الراشدين من الخلافاء ، وليس أعلم منه بتاريخ الحكم والحكام ، قَبِلَ السلطة طمعاً برضا الله ، وقسط الرعية ، صّد عنها فتبعه العرش ، ولازم المنزل ، فجيء به الى المسجد حيث البيعة . تصدى لها وهو عالم بفتنتها ، واختبارها ، وخطرها ، ومشقتها ، فأبى حملها ، لكنها ألقت بعبئها عليه فكان لها . فراح التاريخ يؤرشف لحقبة القسط والعدل والنزاهة والحكمة والترفع .

فلم يُحدّث التاريخ عن قسط بالرعية كما قسط علي ” عليه السلام ” وهو الذي يوصل الليل بالنهار للوقوف على حاجة الرعية ، ورد الظلم عنها ، وأخذ الحق ممن غصب واعتدى وأخذ بغير حق، فقد مّر علي في إحدى الليالي الحالكات لتفقد المدينة واهلها فسمع بكاء أطفال وقد اسدل الليل ظلمته وسكن الناس ، وانقطع الطريق الا للمضطر والحارس والحامي ، فطرق الباب واذا بمرأة تسأل عن الطارق ، فأجابها المبتلى بهم الدنيا وغمها ، ولي أمر المسلمين ، ففتحت الباب وراح الإمام يسأل عما يُبكي الأطفال ، فقالت له يا أمير المؤمنين أنهم عيال أيتام وقد قتل أباهم في إحدى المعارك ، ولم يترك لهم ما يقتاتون عليه ، وقد وضعت قدر الماء على النار لأوهمهم عسى أن يتعبوا من كثر البكاء فينامو ، فخرج الإمام علي مسرعاً حيث بيته فأحضر ما فيه من مؤنة ، واعطاه المرأة لإطعام الأطفال ، وجالسهم حتى تنتهي من الطهي ، وقد قرّبَ غده من النار حتى اكتوى وراح يسأل نفسه عن ظلم الرعية ، والصد عن شأنها ، والتغاضي عن ظلاماتها ، وابى الذهاب الا أن يطعم اليتامى بيديه الشريفتين ، لكن أحدهم اكل وشبع وراح يبكي ، فسأله وما يبكيك فقال أن لجاري حصان يركبه وأنا ليس لي حصان ، فأركبه أمير المؤمنين على ظهره وراح يدور فيه حتى نام الطفل ، وخرج الإمام يكمل جولته لتفقد الأمانة.

سلاماً عليك سيدي علي، يوم ولدت ويوم نُصّبت ويوم اتخذت من الكوفة حاضرة للمسلمين، فسّطرتَ فيها مبادئ كانت ولما تزل وستبقى إنموذجاً للقسط والعدل والنزاهة والزهد، فلم تخرج منها الا وأنت محمول على الاكتاف لترتقي الى بارئ أعلى ابتلاك فأجتزت، واختبرك فنجحت ، دخلتها بلباسك ولم تخرج منها بسواه، وأنت من قلت لو خرجت بغيره لخنت الأمانة ، أُنبئُكَّ إمامي ، أن الغالب ممن أعتلى وتربع وتصدى وشارك في السلطة بعد التغيير الأكبر، راح يتخذ من الدين غطاء ، ومن سيرتك ذكر للتضليل، ومن زهدك انمذجاً للحاكم العادل ، ومن عدلك مثالاً للقسط، وقد انتشر الفقر، وازدادت الظلامات ، وتفشى الفساد ، وامتلئت الخزائن بالسحت ، واضحت الجريمة تسجل اعلى مستوياتها ، بعد غياب العمل، وحلول البطالة، وقلت المال ، وشح الفرص ، حتى بغضت الرعية حديث الدين، ومظاهر التدين ، فراح الجميع في نظر الرعية فاشل فاسد، ودب اليأس في قلوب من قاتل الظلم ، وتصدى للظالم ، وابى الا أن يقول الحق، فكوفئ بالإقصاء والأبعاد والاتهام ، بل اضحى مُستهدف مُستقصد مخرب ، ويحدثونك عن العهد الجديد ، وتعويض الظلامات ، وطي صفحة الماضي، وقد افترشت الأرامل الشوارع طلباً لسد الرمق، وامتلأت التقاطعات بأطفال الشوارع ، الذين امتهنوا التسول بحق وباطل، ويحدثونك عن طبقات الشعب الأولى بالرعاية وشبكات الإذلال ، عجيب أمرك شعب العراق خرجت من حكم ظالم ، فدخلت في نفق من الظلامات ، عاصمتك الاسوء عمراناً، والأكثر خطراً، والأقل تطوراً ، شعبك الأغنى بثروته، الأفقر بدخله ، شعبك دخل الهبة الديموغرافية، وشبابك عاطل معطل لا يجد حتى حقير العمل ، جامعاتك تنتج وتخرج وتبني وتضخ الاكفأ ، وأجيالك تفترش الرصيف ثم ساحات الاعتصام طلباً للكرامة ، وما سُرق من استحقاق، ويحدثونك عن المستقبل والغد وتعويض ما فات ، وقد حل اليأس محل الأمل ، والبطالة محل العمل ، والفشل محل النجاح والتميز، ويحدثونك عن روح المواطنة ، والتعلق بالوطن والتشــــــــبث بالأرض ، والدفاع عن العرض ، والتصدي لمن كاد وراح يكيد ، فلا مواطنة دون وطن يعز، ولا وطن يعز دون شعب قادر على التغــــــــيير، ولا ازدهار وغد مشرق، دون شعب يؤمن إن الله لا يغير ما بساسة حتى يغير ما بشعبهم، فالتغيير المصحح ذلك الذي يأتي بيد شعب لا بيد أجنبي.

 

ينشر موقع “المسلة كتابات” جميع ما يرد اليه، شرط أن يكون خاليا من السب والشتم والأوصاف غير اللائقة على الجهات والشخصيات.

“المسلة كتابات” لا يتحمل مسؤولية الأفكار والآراء الواردة. المقالات والنصوص المنشورة تعبّر  عن وجهة نظر الكاتب فقط. 

Please follow and like us:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *