أدبيات النهضة

أدبيات النهضة

المسلة كتابات – محمد زكي ابراهيم:

تختلف المجتمعات الإنسانية في درجة تقبلها لما يهبط عليها من أفكار. وفي قدرتها على هضم ما يردها من مفاهيم. فهي أما ذات بيئة قادرة على التكيف، أو أخرى عاجزة عنه. والمجتمعات الأولى هي التي تملك الرغبة في التطوير أما الثانية فهي شديدة التزمت، كثيرة المحافظة، عاجزة عن مسايرة التحولات الاجتماعية الكبرى في العالم.

والواقع أن الأمر ليس بهذه البساطة دائماً. فهناك من يرى أن المجتمعات تنقسم إلى فئتين : مجتمعات اللادولة التي تنشأ فيها الحكومات من القاعدة، وتقوم الدول فيها من الأسفل. ولا تصدر النهضة إلا عن آليات وحقائق وقوانين خاصة بها. ومجتمعات أخرى تتكون بوجود الدولة، وتنقاد إليها دون شروط. ومعنى ذلك أن الأولى تخلق ظروف نهضتها بنفسها. ولا تستوردها من الخارج.

إن هذا الرأي ربما يبرر ما آلت إليه الأحوال في المشرق العربي، منذ وقوعه تحت الهيمنة العثمانية المباشرة. فلا تأتي أدبيات النهضة العربية في القرن التاسع عشر على ذكر أي إسهام عراقي يعتد به، ولا تشير إلى حدث ثقافي بارز في البلاد. وليس ثمة ما يفيد أن عراقياً زار أوربا، أو قام بدور ما فيها. ولا تحتفظ ببادرة ولو ضئيلة في هذا السبيل. بعكس ما كانت عليه الحال في مصر والشام. مع أن الوجود الأجنبي كان له حضور تجاري وسياسي مؤثر في العراق خلال تلك الحقبة.

وقد حاولت جاهداً أن أتقصى ما فعلته النخبة العراقية في ذلك العهد، فلم أقع إلا على كتابات شعرية ونثرية تحاكي ما كتبه الأسلاف، ولا تكاد تخرج عنها. بل إن مؤرخي تلك الحقبة كانوا مداحين أكثر منهم مؤرخين. وكانوا يدونون الحوادث نثراً ثم يعقبونها بأبيات منظومة ثقيلة الوزن والمعنى. وهم معذورون في ذلك، لأن الخلافات الفكرية في ذلك العهد كانت مغامرة محسومة النتائج.

والمجتمعات المحافظة هي بيئة خصبة للأفكار المنحرفة التي تخرج بين والحين تأسيساً على مقولات قديمة، أو دعوات مضللة. وكثيراً ما يسارع الناس إلى اعتناق هذه الأفكار وينشئون بذلك فرقاً جديدة، لا تقدم لهم سوى المزيد من التفكك والضعف.

لقد قام البعض بعمل مقارنة بين أحوال مصر والعراق في بداية القرن التاسع عشر. وكانت المقارنة في صالح الأولى.. فالمصريون قاموا بخطوات جديرة بالاعتبار بعد انسحاب الفرنسيين من مصر عام 1801. فأرسلوا البعثات التعليمية إلى فرنسا، واستعانوا بمهندسين وضباط جيش فرنسيين. نفذ الأولون بعض مشاريع الري، في ما قام الآخرون بإنشاء جيش عصري، وصنع بعض العتاد الخفيف.

ولم يتخلف أهل الشام عن هذه الحركة. فقد حملوا مشعل التنوير عبر إطلاق مبادرات مثيرة للجدل مثل القومية والعلمانية والجامعة الإسلامية. وأنشأوا جمعيات ثقافية وسياسية في وقت مبكر. وأصدروا بعض الصحف العربية مثل “الجوائب” و”مرآة الأحوال” وغيرهما. وهاجروا إلى مصر فأنشأوا “الهلال” و”المقتطف” و”الأهرام” .. وأحدثوا ردود أفعال قوية في أماكن مختلفة في المنطقة، وطوروا أساليب الكتابة إلى حد كبير.

لقد امتنع العراق عن إدخال مثل هذه السجالات، وبقي تقليدياً صارماً، حتى نهاية المطاف. ولم تستطع الجمعيات الأدبية والسياسية أن تجد لها موطئ قدم فيه تقريباً. فبقيت “العهد” و”العربية الفتاة” مثلاً غريبتين عن العراق. رغم أن العديد من الضباط العراقيين الذين خدموا في الجيش العثماني كانوا على تماس مع زملائهم العرب المنخرطين فيها.

ومن حسن الحظ أن الصراع السياسي حول مواضيع أساسية مثل الاستبداد والحرية قد انطلق عام 1905 في أروقة النجف. وكان هناك جمهوران يقفان خلف الفكرتين من خارج المؤسسة الدينية. وانتهى السجال في ما بعد بحدوث الانقلاب العثماني عام 1908 وما أعقبه من إصلاحات. فكان ذلك إيذاناً ببدء مرحلة جديدة من الوعي. إلا من الصعب القول أن العراق تحول إلى بيئة منفتحة. فذلك أمر سابق لأوانه على ما يبدو. وسيبقى الأمر على ما هو عليه حتى يحدث الزلزال الذي يقلب الموازين، ويجلو الصدأ، وينفخ في العروق روح التمرد والثورة.

 

ينشر موقع “المسلة كتابات” جميع ما يرد اليه، شرط أن يكون خاليا من السب والشتم والأوصاف غير اللائقة على الجهات والشخصيات.

“المسلة كتابات” لا يتحمل مسؤولية الأفكار والآراء الواردة. المقالات والنصوص المنشورة تعبّر  عن وجهة نظر الكاتب فقط. 

Please follow and like us:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *