‎النخبة العراقية وصعود الطبقة الوسطى

المسلة كتابات – ‎مظهر محمد صالح:

‎ان ولادة الطبقة الوسطى في ‎تاريخ العراق الوطني الحديث جاءت إبتداءً من روح الامة العراقية وجدليتها التاريخية العابرة للمذاهب والعرقيات والقوميات الضيقة وفي خضم دايلكتيك تاريخ تطور العراق الحديث في حقبة النصف الاول من القرن العشرين .فقد استطاعت تلك الطبقة الوسطى ان تفرز (نخبة مستقلةindependent elite)لا محالة،وحملت تلك النخبة بثوابتها ومتغيراتها معادلة مشروعها الوطني ليعبر بصدق عن روح الامة العراقية في بناء عقد اجتماعي جديد موحد ،جوهره الدفاع عن مستقبل الإنسان وضمان وجوده وتقدمه وسعادته ،وكان بمقدور المشروع الوطني النخبوي المستقل ان يوفر بنية موضوعية لاستدامة العدالة الانسانية وضمان الحريات وتوفير العيش المزدهر للانسان في العراق.

‎ومنذ ان تمزقت الطبقة الوسطى وتحولت للاسف الى مشاريع واستقطابات مذهبية وعرقية وغيرها من صراعات النصف الثاني من القرن العشرين ،افتقرت النخبة العراقية (ذات التقاليد العريقة) إلى ضمان زخم عامل قوتها :وهو الاستقلال وحاضنته الطبقية الوسطية .
‎يومها خلعت الطبقة الوسطى بنفسها ثوب برنامجها الوطني وتغطت بمذهبيات واديولوجيات متحيزة وضيقت نفسها في حلبات الاستقطاب الحزبي والتمزق المذهبي والتشتت القومي وهي بلاشك قد مزقت بدورها وشائج نسيج النخبة المستقلة واستبدلته بفواصل اجتماعية وسياسية شديدة التباعد عن معتقد ديمومة الاستقلال.

‎وهكذا فقدت النخبة العراقية منذ نصف قرن والى اليوم واحدة من اهم مقومتها ،وهي هوية استقلاليتها ، بعد ان انتهت الطبقة الوسطى هي الأخرى كمشروع وحاضنة للنخبة المستقلة وتشتت الى التعددية
Pluralism
‎السياسية .وبهذا غدت (النخبة التاريخية )مجرد شتات او نقاط صغيرة شديدة التلون وعنصر عشوائي ذي ضوضاء بيضاء stochastic في معادلة التوقعات السياسية المتصارعة،ولاتمتلك ان وجدت زخم استقلاليتها الذي يعني ضمان وحدتها .وان نشوء النخب الحالية يمثل اندماجاً عشوائياً مع تعدديات سياسية ونزعات مناطقية او عشائرية متحيزة معادية لمذهب النخبة واستقلاليتها. ولاسيما بعد ضياع النخبة لمحيطها الطبقي الاوسط ومناخها الحيوي او فقدان وجودها بوحدتها الطبقية الاوسطية الواسعة.

فمن صفوة القول، ما زالت تلك الاجزاء النخبوية متعلقة وحتى اللحظة باجنحة التحيزات السياسية والطبقية والمذهبية او القوميات الضيقة وغيرها.

‎وان ولادة نخبة عراقية مستقلة في القرن الحادي والعشرين هو بأمس الحاجة الى ولادة طبقة وسطى عراقية حقيقية عابرة للقوميات والمذاهب كشرط ضرورة necessary condition ليولد عبرها ومن خلالها قوى المشروع الوطني المستقل ،تقوده النخبة العراقية الصاعدة كشرط كفاية sufficient condition تهتدي به الديمقراطية العراقية التعددية كمجال فكري وحركي ذي صدى وطني واسع وليس العكس.

 

ينشر موقع “المسلة كتابات” جميع ما يرد اليه، شرط أن يكون خاليا من السب والشتم والأوصاف غير اللائقة على الجهات والشخصيات.

“المسلة كتابات” لا يتحمل مسؤولية الأفكار والآراء الواردة. المقالات والنصوص المنشورة تعبّر  عن وجهة نظر الكاتب فقط. 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *