نتائج دراسة النظام الاجتماعي الديني الشيعي

المسلة كتابات – علي المؤمن:

هذه هي الحلقة الاخيرة من دراسة “النظام الاجتماعي الديني الشيعي”، والتي نشرتها في (42) قسماً متسلسلاً. وتتضمن هذه الحلقة نتائج الدراسة وخاتمتها.

أرى أن ما احتوته الدراسة من معلومات وتحليلات ورؤى؛ يجعل منها قاعدة لاستشراف مستقبل النظام الاجتماعي الديني الشيعي برمته، ومدخلاً للاجابة على سؤال: كيف سيكون المشهد في النجف وقم وعموم شيعة العالم بعد عشر سنوات، أي في العام 2030 م، بكل تفاصيله الدينية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية والثقافية؟

ولعل بالإمكان، من خلال الإجابة على هذا السؤال، رسم خارطة طريقة واقعية ودقيقة لإعادة بناء منطقة الشرق الأوسط، عبر إعادة تكوين الواقع السياسي والقانوني والديني والمذهبي لبلدان الحضور الاجتماعي الشيعي، بما ينسجم وقواعد القانون الدستوري وأحكام القانون الدولي، والنظم السياسية العادلة، بمضامينها الإسلامية وأدواتها الديمقراطية اللصيقة بالواقع الاجتماعي والسياسي والعقدي، وهو ما ينبغي أن يكون هدف جميع شعوب العربية والإسلامية.

وقد مهدت الدراسة لهذه الخارطة تمهيداً علمياً موضوعياً، عبر وصف الواقع الشيعي، العربي والمسلم، وتحليل ظواهره الاجتماعية، وأخضاعه للمفاهيم والمعادلات المتعارفة في علوم الاجتماع والانثروبولوجيا. أي أن الدراسة لم تؤسس لنظم ومفاهيم جديدة، ولم تضع قواعد مختلفة، بل أنها اكتفت بوصف الواقع القادم واستشرفت مستقبله، وكشفت معادلاته وحللتها. ولكن – في الوقت نفسه – كانت هناك موضوعات مفصلية، وجدتُ من الضروري أن أوضح فيها رؤيتي للمعادلات الأكثر فاعلية وانسجاماً مع عملية الاصلاح وإعادة البناء.

وبكلمة أخرى؛ فإن الخطاب والفكر والمخرجات التي طرحتُها في دراستي؛ تتفق بالكامل والمداخل العلمية المتعارفة في مناهج العلوم الإنسانية والاجتماعية، بعيداً عن التنظير الذي يتجاوز حقائق التاريخ والجغرافيا، وبعيداً عن اليوتيوبيا التي ينسج من خلالها بعض الباحثين والسياسيين بنى اجتماعية سياسية مثالية أو يائسة تتعارض مع بديهيات الواقع، ونجد في بعضها حنين الى الماضي الذي يعود فيها شيعة العراق ولبنان وسوريا واليمن وغيرها، الى مواقع العزلة الإجتماعية السياسية، والرعب من سوط التمييز والاعتقال والإعدام وإسقاط الجنسية والتشريد، وهو السوط الذي ظلت تلوح به السلطات دائماً، وتؤيدها في ذلك المؤسسة الدينية الطائفية الرسمية والنخب الاجتماعية السياسية الطائفية.

وحين وضعت الدراسة مصطلح “النظام الاجتماعي الديني الشيعي” وصاغت هيكليته وفروعه وأجنحته ومفاهيمه ونظريته الدينية؛ فإنما يدخل ذلك في إطار الكشف والوصف، وليس اختراع نظام جديد والدعوة الى تأسيسه؛ لأن هذا النظام قائم منذ مايقرب من 1400 عاماً. ولا أرى أن وجود هذا النظام يتعارض والنظم السياسية لدول الحضور الاجتماعي الشيعي، ولا مع قواعد القانون الدستوري ولا أحكام القانون الدولي. أما إذا كانت هناك ثمة اشكاليات سياسية وقانونية واجتماعية في هذا المجال؛ فمن السهولة تكييفها وحلها من خلال تظافر جهود طرفي المعادلة، أي الشيعة من جهة، والانظمة السياسية والجماعات السياسية والدينية السنية من جهة أخرى.

أما أن يتم الطلب الى الشيعة بالسكوت على قوانين وأعراف ومفاهيم طائفية تحد من حقوقهم الإنسانية وحريتهم المذهبية، أو السكوت على النظرة الطاردة للأنظمة الطائفية، والقبول بها تعسفاً واضطهاداً؛ فإنه يؤدي تلقائياً الى نفور الشيعة من النظام السياسي الذي يحكمهم وانكفائهم ضده، والى تكريس معادلات النظام الاجتماعي الديني الشيعي واستقلاليته السلبية التي تقود الى مزيد الفصام بين الاجتماع الديني الشيعي والاجتماع السياسي للدول التي تضطهد الشيعة. في حين أن الإستقلال الإيجابي لهذا النظام في إطار احترام الدولة لخصوصياته الطبيعية، يعني انسجاماً طوعياً بين النظام الاجتماعي الديني الشيعي والنظام السياسي للدولة، وتكاملاً وطنياً منتجاً.

هذه الحقائق كشفت عن مجموعة من النتائج التي خلصت اليها الدراسة:

1- لطالما بقي الآخر المذهبي ينظر الى الشيعة العرب في العراق ولبنان والبحرين والسعودية والكويت والامارات وسوريا ومصر والجزائر والمغرب وغيرها من بلدان الحضور الشيعي، نظرة الخروج على مذهب الدولة، وأنهم جيوب اجتماعية معزولة، كما تصفهم الأنظمة الطائفية؛ فلن يحدث أي تغيير ايجابي في واقع المنطقة العربية والإسلامية واجتماعها السياسي والثقافي. أما التغيير الإيجابي والاستقرار السياسي والاجتماعي، فإنهما سيحدثان تلقائياً حين يؤمن السنة وأنظمتهم بأن الشيعة مواطنون مثلهم، لهم حق المشاركة السياسية والقانونية الكاملة في دولة المواطنة والإنسان، وإن من حق الشيعي أن يكون في أي موقع في الدولة دون تمييز طائفي.

وبكلمة أخرى؛ فإن الشيعي كلما تعرض الى الضغوطات والتهميش والارهاب؛ فإنه سيندك أكثر في نظامه الاجتماعي المذهبي ويلجأ الى مؤسسته الدينية وقيادته المرجعية في الشأن العام، وبأشكال ومضامين ربما تتعارض أحياناً مع حرفية القوانين والقرارات السياسية للدولة. وهنا ينبغي عدم انتقاد المواطن الشيعي الذي يبحث عن الحماية والحياة والحرية والمواطنة الحقيقية، بسبب تعامل دولته معه بوصفه مواطناً من الدرجة الثالثة، كونه يتبع مذهباً غير مذهب الدولة؛ بل ينبغي الطلب الى السلطات والنخب والمنظومات التي تخلق الأسباب التي تضطر الشيعي لطلب الحماية من خارج منظومة دولته، أن تغير عقولها ومنظوماتها، قبل أن تغير جلودها.

2- إن الدعوات التي تتوجه الى الشيعة لكي يندمحوا اجتماعياً وسياسياً وقانونياً بأوطانهم وبالاجتماع السياسي والثقافي لبلدانهم، هي دعوات إيجابية وضرورية، لكن عملية الاندماج ليست مهمة أحادية تقع على عاتق المجتمع الشيعي أو الفرد الشيعي في هذه البلدان وحسب؛ بل أنها – بالدرجة الأساس – مهمة أنظمة الحكم السنية والجماعات السياسية والدينية السنية والمجتمع المدني السني، لكي تبادر الى توفير الظروف الموضوعية الواقعية لهذا الإندماج، وإلّا كيف يُطلب من الشيعي أن يندمج في الاجتماع السياسي والثقافي لبلده وهو يتعرض لكل أشكال ومضامين التمييز الطائفي السياسي، والنظرة المذهبية الدونية، واتهامات التكفير والخروج على الدولة، وكأنه مخلوق قادم من كوكب آخر؟. وبالتالي؛ فإن مدخل الاندماج هو تغيير القوانين والأعراف والمعادلات الاجتماعية والسياسية الحاكمة في هذه البلدان، قبل الطلب الى الشيعي أن يندمج في مجتمعٍ ونظامٍ يرفضانه ضمناً، ويميزان بينه وبين المواطن السني والمسيحي.

3- يقع على عاتق النخبة العربية العلمانية والنخبة السنية الإسلامية العبء الأكبر في عملية تصفير المشكلة الطائفية، عبر الضغط على الأنظمة والمؤسسات الدينية والاجتماعية والسياسية السنية؛ لإيجاد التغيير المنشود في منهج تعامل الأنظمة الطائفية السنية والمؤسسات الطائفية السنية والمجتمعات المذهيية السنية مع التشيع كمذهب، والشيعة كمواطنين وبشر، لهم كل حقوق التعبير المذهبي والاجتماعي والسياسي، حالهم حال أي مواطن سني ومسيحي.

4- إن المواطن السني – هو الآخر – مغلوب على أمره عادة، ولا علاقة له بماتقوم به الأنظمة والجماعات السياسية والمؤسسات الدينية الطائفية، بل هو ضحية الشحن الطائفي والدعاية العنصرية لنخبه ونظامه السياسي ومؤسسته الدينية، والتي تجعل المواطن السني العادي ينظر الى مواطنه الشيعي نظرة الغريب والدخيل والمتمرد على المجتمع.

5- في بلدان الأكثريات الشيعية التي حصل فيها تغيير سياسي، كالعراق – مثلاً -، فإن النخب الدينية والسياسية والاجتماعية في دول المحيط الإقليمي، لاتزال تصر على دعايتها الطائفية التي تصف العراق بأنه عراق السنة، وعراق الرشيد والمنصور وأبو حنيفة وصلاح الدين، والذي يجب أن يتفرد السنة في حكمه، وأن الشيعة يجب أن يظلوا محكومين ورعية، لأنهم متخلفون لايصلحون للحكم، وان السنة يولدون حكاماً وقادة وسياسيين ناجحين. بل أن النخب السنية العراقية المشاركِة في حكم البلد، لايزال أغلبها غير مقتنع بمشاركة الشيعة في قيادة الدولة، ويحاول بكل وسائل الإفشال والتخريب والدعاية أن يقنع المواطن الشيعي العراقي بأن الشيعة لايصلحون للحكم؛ بل للطم فقط، وأن نخبتهم السياسية هي سبب دمار العراق وخرابه.

 

ينشر موقع “المسلة كتابات” جميع ما يرد اليه، شرط أن يكون خاليا من السب والشتم والأوصاف غير اللائقة على الجهات والشخصيات.

“المسلة كتابات” لا يتحمل مسؤولية الأفكار والآراء الواردة. المقالات والنصوص المنشورة تعبّر  عن وجهة نظر الكاتب فقط. 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *