في‭ ‬التسعين‭..‬هل‭ ‬أصاب‭ ‬الكاظمي‭ ‬أم‭ ‬أخفق؟

المسلة كتابات – د . مهند الجنابي:

مراهنات‭ ‬على‭ ‬الزمن‭ ‬في‭ ‬ملفات‭ ‬الانتخابات‭ ‬المبكرة‭ ‬وسلاح‭ ‬المليشيات‭ ‬والعلاقات‭ ‬الخارجية

بينما‭ ‬ينهي‭ ‬رئيس‭ ‬الحكومة‭ ‬العراقية‭ ‬مصطفى‭ ‬الكاظمي‭ ‬اليوم‭ ‬التسعين‭ ‬على‭ ‬منحه‭ ‬الثقة‭ ‬رئيساً‭ ‬لمجلس‭ ‬الوزراء‭ ‬في7‭ ‬أيار‭ ‬الماضي،‭ ‬يظهر‭ ‬تقييم‭ ‬الأشهر‭ ‬الثلاثة‭ ‬الماضية‭ ‬مؤشرات‭ ‬مهمة‭ ‬لقياس‭ ‬مدى‭ ‬قدرة‭ ‬الحكومة‭ ‬على‭ ‬انجاز‭ ‬المهام‭ ‬الموكلة‭ ‬اليها،‭ ‬وما‭ ‬سيؤول‭ ‬اليه‭ ‬مصيرها،‭ ‬فبينما‭ ‬جاءت‭ ‬هذه‭ ‬الحكومة‭ ‬نتيجة‭ ‬ثورة‭ ‬تشرين‭ ‬لمعالجة‭ ‬أزمات‭ ‬عاجلة‭ ‬من‭ ‬قبيل‭ ‬‭(‬الانتخابات‭ ‬المبكرة،‭ ‬حصر‭ ‬السلاح‭ ‬بيد‭ ‬الدولة‭ ‬ومحاسبة‭ ‬قتلة‭ ‬المتظاهرين‭)‬‭ ‬وأخرى‭ ‬بنيوية‭ ‬تجذّرت‭ ‬في‭ ‬هيكل‭ ‬النظام‭ ‬السياسي‭ ‬العراقي،‭ ‬وجد‭ ‬الكاظمي‭ ‬نفسه‭ ‬في‭ ‬سباق‭ ‬مع‭ ‬الزمن‭ ‬لاحتواء‭ ‬أزمات‭ ‬جديدة‭ ‬جاءت‭ ‬كنتيجة‭ ‬طبيعية‭ ‬مثل‭ ‬جائحة‭ ‬كورونا‭ ‬والاختناق‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬وازمات‭ ‬مفتعلة‭ ‬مثل‭ ‬الإصرار‭ ‬على‭ ‬المساس‭ ‬بهيبة‭ ‬الدولة‭ ‬وسيادتها‭ ‬وتهديد‭ ‬حياة‭ ‬المواطنين‭ ‬والأجانب‭ ‬افراداً‭ ‬ومؤسسات‭ ‬والضغط‭ ‬على‭ ‬الالتزامات‭ ‬الأمنية‭ ‬للحكومة‭ ‬مع‭ ‬حلفائها،‭ ‬ينفذها‭ ‬محور‭ ‬الخاسرين‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬عملية‭ ‬اصلاح‭ ‬سياسي‭ ‬وعلى‭ ‬رأسهم‭ ‬الفصائل‭ ‬المسلحة‭ ‬ومن‭ ‬خلفهم‭ ‬الأحزاب‭ ‬الفاسدة،‭ ‬مما‭ ‬يعقد‭ ‬عملية‭ ‬التقييم‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬انقسام‭ ‬نخبوي‭ ‬واسع‭ ‬الى‭ ‬الحد‭ ‬الذي‭ ‬يذهب‭ ‬فريقاً‭ ‬لاعتبار‭ ‬الكاظمي‭ ‬واجهة‭ ‬ناعمة‭ ‬لمشروع‭ ‬ايران‭ ‬في‭ ‬العراق،‭ ‬استناداً‭ ‬الى‭ ‬عدم‭ ‬تحقيق‭ ‬أي‭ ‬انجاز‭ ‬يذكر‭ ‬ومهاجمة‭ ‬صقور‭ ‬ايران‭ ‬العراقيين‭ ‬له،‭ ‬بينما‭ ‬يذهب‭ ‬فريق‭ ‬آخر‭ ‬الى‭ ‬المبالغة‭ ‬بالتفاؤل‭ ‬في‭ ‬الآمال‭ ‬بقدرات‭ ‬الحكومة،‭ ‬وبين‭ ‬هذين‭ ‬الاتجاهين‭ ‬يتأسس‭ ‬التقييم‭ ‬الموضوعي‭ ‬بناءً‭ ‬على‭ ‬فهم‭ ‬البيئة‭ ‬السياسية‭ ‬التي‭ ‬تولى‭ ‬فيها‭ ‬الكاظمي‭ ‬رئاسة‭ ‬مجلس‭ ‬الوزراء،‭ ‬ومقارنة‭ ‬ما‭ ‬قام‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬الأشهر‭ ‬الثلاثة‭ ‬الماضية‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬القدرات‭ ‬الفعلية‭ ‬التي‭ ‬يمتلكها‭ ‬والصلاحيات‭ ‬الدستورية‭ ‬الممنوحة‭ ‬له‭. ‬

الكاظمي

في‭ ‬بيئة‭ ‬سياسية‭ ‬ملغومة

ورث‭ ‬الكاظمي‭ ‬تركة‭ ‬ثقيلة‭ ‬من‭ ‬الحكومات‭ ‬السابقة‭ ‬تمثلت‭ ‬سياسياً‭ ‬بضعف‭ ‬كبير‭ ‬لمنصب‭ ‬رئيس‭ ‬مجلس‭ ‬الوزراء‭ ‬تسببت‭ ‬به‭ ‬الأحزاب‭ ‬المسيطرة‭ ‬التي‭ ‬عمدت‭ ‬بناء‭ ‬آليات‭ ‬عمل‭ ‬حكومي‭ ‬تتيح‭ ‬لها‭ ‬التدخل‭ ‬في‭ ‬عمل‭ ‬السلطة‭ ‬التنفيذية‭ ‬واضعافها‭ ‬وقت‭ ‬ما‭ ‬تشاء‭ ‬والتحكم‭ ‬حتى‭ ‬بمكتب‭ ‬رئيس‭ ‬مجلس‭ ‬الوزراء،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬انعدام‭ ‬تام‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬17‭ ‬عام‭ ‬لأي‭ ‬تعريف‭ ‬واضح‭ ‬ومحدد‭ ‬لمفهوم‭ ‬المصلحة‭ ‬الوطنية‭ ‬العراقية،‭ ‬هذه‭ ‬المصلحة‭ ‬التي‭ ‬تمثل‭ ‬البوصلة‭ ‬في‭ ‬توجيه‭ ‬سلوك‭ ‬الحكومات‭ ‬داخلياً‭ ‬وخارجياً،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬دفع‭ ‬الكاظمي‭ ‬الى‭ ‬العمل‭ ‬على‭ ‬ترتيب‭ ‬هذه‭ ‬الأوضاع‭ ‬تمهيداً‭ ‬لامتلاك‭ ‬كامل‭ ‬صلاحياته‭ ‬الدستورية‭.‬

على‭ ‬المستوى‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬ورث‭ ‬الكاظمي‭ ‬ايضاً‭ ‬هدراً‭ ‬واسع‭ ‬النطاق‭ ‬للمال‭ ‬العام،‭ ‬وفسادا‭ ‬متجذرا‭ ‬في‭ ‬اغلب‭ ‬التعاملات‭ ‬الحكومية،‭ ‬وسيطرة‭ ‬حزبية‭ ‬على‭ ‬اغلب‭ ‬مصادر‭ ‬إيرادات‭ ‬الدولة‭ ‬من‭ ‬منافذ‭ ‬حدودية‭ ‬وخدمات‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬الأنشطة‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬وسوء‭ ‬التخطيط‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬اتفاقيات‭ ‬اقتصادية‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬المصلحة‭ ‬الوطنية‭ ‬تثقل‭ ‬أعباء‭ ‬التزاماتها‭ ‬اية‭ ‬قدرات‭ ‬تمكّن‭ ‬الحكومة‭ ‬من‭ ‬التحرك‭ ‬والإصلاح‭.‬

إلا‭ ‬ان‭ ‬التركة‭ ‬الاثقل‭ ‬هي‭ ‬التركة‭ ‬الأمنية‭ ‬المتمثلة‭ ‬بمصادرة‭ ‬دور‭ ‬وزارتي‭ ‬الداخلية‭ ‬والدفاع‭ ‬لصالح‭ ‬قيادات‭ ‬العمليات‭ ‬المنتشرة‭ ‬في‭ ‬العراق،‭ ‬وهو‭ ‬نهج‭ ‬انتهجه‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬الأسبق‭ ‬نوري‭ ‬المالكي،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬مؤسسة‭ ‬الحشد‭ ‬الشعبي‭ ‬التي‭ ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬ترهل‭ ‬اداري‭ ‬وبشري‭ ‬واختلال‭ ‬هيكلي‭ ‬لم‭ ‬تفلح‭ ‬الحكومتان‭ ‬اللتان‭ ‬سبقتاه‭ ‬بأوامرها‭ ‬الديوانية‭ ‬في‭ ‬إصلاحه،‭ ‬والصعود‭ ‬الكبير‭ ‬للفصائل‭ ‬التي‭ ‬تندرج‭ ‬ضمن‭ ‬محور‭ ‬‭(‬المقاومة‭)‬‭ ‬ودورها‭ ‬في‭ ‬اضعاف‭ ‬التزام‭ ‬الحشد‭ ‬كمؤسسة‭ ‬بالقائد‭ ‬العام‭ ‬للقوات‭ ‬المسلحة‭ ‬ومصادرتها‭ ‬لأغلب‭ ‬تضحيات‭ ‬أبناء‭ ‬الحشد‭ ‬والالوية‭ ‬المنضبطة‭ ‬في‭ ‬معارك‭ ‬التحرير‭ ‬خدمة‭ ‬لمصالحها‭ ‬الضيقة‭ ‬ومغامراتها‭ ‬السياسية‭ ‬والأمنية‭ ‬التي‭ ‬تندرج‭ ‬ضمن‭ ‬ولائها‭ ‬لإيران،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الفصائل‭ ‬عبئاً‭ ‬باهض‭ ‬التكاليف‭ ‬على‭ ‬الدولة‭ ‬العراقية‭ ‬بسبب‭ ‬نفوذها‭ ‬الكبير‭ ‬للغاية‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬ولكونها‭ ‬تحولت‭ ‬لورقة‭ ‬ضغط‭ ‬إيرانية‭ ‬في‭ ‬علاقاتها‭ ‬مع‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الامريكية‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬اخرى‭.‬

وفي‭ ‬ظل‭ ‬هكذا‭ ‬أجواء،‭ ‬يدرك‭ ‬الكاظمي‭ ‬ان‭ ‬الكوابح‭ ‬التي‭ ‬تعوق‭ ‬تحركاته‭ ‬اكثر‭ ‬من‭ ‬الفرص‭ ‬المتاحة‭ ‬امامه،‭ ‬وتعززت‭ ‬هذه‭ ‬الرؤية‭ ‬عندما‭ ‬خاض‭ ‬اول‭ ‬اختبار‭ ‬لمواجهة‭ ‬كتائب‭ ‬حزب‭ ‬الله‭ ‬في‭ ‬ليلة‭ ‬الجمعة‭ ‬26‭ ‬حزيران‭ ‬الماضي‭ ‬وما‭ ‬تلا‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬انتشار‭ ‬واسع‭ ‬لعناصر‭ ‬الفصائل‭ ‬المسلحة‭ ‬في‭ ‬مشهد‭ ‬يرسخ‭ ‬الصورة‭ ‬الفوضوية‭ ‬للعاصمة‭ ‬بغداد،‭ ‬ويفتح‭ ‬النقاش‭ ‬حول‭ ‬صراع‭ ‬الدولة‭ ‬–‭ ‬اللادولة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬اكثر‭ ‬المطالب‭ ‬اصراراً‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬ثوار‭ ‬تشرين‭ ‬ومناصريهم‭ ‬بشعارهم‭ ‬الخالد‭ ‬‭(‬نريد‭ ‬وطن‭)‬‭ ‬وقدموا‭ ‬في‭ ‬سبيله‭ ‬مئات‭ ‬الشهداء‭ ‬عشرات‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬الجرحى‭.‬

التوازن‭ ‬الخارجي‭ ‬وسياسة‭ ‬القضم‭ ‬الداخلي‭. ‬

في‭ ‬ظل‭ ‬الأجواء‭ ‬آنفة‭ ‬الذكر،‭ ‬ربما‭ ‬يحتاج‭ ‬رئيس‭ ‬وزراء‭ ‬مثل‭ ‬الكاظمي،‭ ‬بقوته‭ ‬المحدودة،‭ ‬وقتاً‭ ‬أطول‭ ‬كي‭ ‬يبني‭ ‬جسور‭ ‬ثقة‭ ‬مع‭ ‬الخارج‭ ‬تحيّد‭ ‬الى‭ ‬درجة‭ ‬كبيرة‭ ‬فاعلا‭ ‬إقليميا‭ ‬مؤثرا‭ ‬للغاية‭ ‬‭(‬ايران‭)‬‭ ‬وتغمس‭ ‬فاعلا‭ ‬إقليميا‭ ‬آخر‭ ‬منكفئا‭ ‬الى‭ ‬حد‭ ‬كبير‭ ‬‭(‬العمق‭ ‬العربي‭)‬،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬طمأنة‭ ‬الفاعل‭ ‬الدولي‭ ‬المركزي‭ ‬‭(‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الامريكية‭)‬‭ ‬ان‭ ‬العراق‭ ‬اصبح‭ ‬شريكاً‭ ‬موثوقاً‭ ‬يمكن‭ ‬الاعتماد‭ ‬عليه‭ ‬بشكل‭ ‬افضل‭ ‬مما‭ ‬سبق،‭ ‬ليتفرغ‭ ‬الى‭ ‬تصفية‭ ‬الأجواء‭ ‬الداخلية‭ ‬وترتيب‭ ‬المتطلبات‭ ‬الضرورية‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬هادئة‭ ‬وصولاً‭ ‬الى‭ ‬انتخابات‭ ‬مبكرة‭ ‬بقانون‭ ‬يرضى‭ ‬عنه‭ ‬أبناء‭ ‬الشعب‭ ‬العراقي‭.‬

والى‭ ‬حدٍ‭ ‬كبير،‭ ‬استطاع‭ ‬الكاظمي‭ ‬الخوض‭ ‬في‭ ‬بدايات‭ ‬العمل‭ ‬على‭ ‬التوازن‭ ‬الخارجي،‭ ‬بعد‭ ‬نجاح‭ ‬الجلسة‭ ‬الأولى‭ ‬للحوار‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬مع‭ ‬واشنطن‭ ‬بداية‭ ‬حزيران‭ ‬الماضي،‭ ‬وزيارة‭ ‬وزير‭ ‬الخارجية‭ ‬الإيراني‭ ‬محمد‭ ‬جواد‭ ‬ظريف‭ ‬الى‭ ‬بغداد‭ ‬لاستباق‭ ‬أي‭ ‬انقلاب‭ ‬عراقي‭ ‬قد‭ ‬يتحقق‭ ‬في‭ ‬الزيارة‭ ‬المؤجلة‭ ‬للكاظمي‭ ‬الى‭ ‬السعودية،‭ ‬وما‭ ‬تلا‭ ‬ذلك‭ ‬بأيام‭ ‬من‭ ‬زيارة‭ ‬الاخير‭ ‬الى‭ ‬ايران‭ ‬التي‭ ‬حققت‭ ‬نوعاً‭ ‬ما‭ ‬مكاسب‭ ‬سياسية‭ ‬تمثلت‭ ‬في‭ ‬ادراك‭ ‬صانع‭ ‬القرار‭ ‬الإيراني‭ ‬انه‭ ‬امام‭ ‬تغييرات‭ ‬جدية‭ ‬في‭ ‬العراق،‭ ‬وان‭ ‬مصالح‭ ‬ايران‭ ‬الحيوية‭ ‬تتطلب‭ ‬تغييراً‭ ‬في‭ ‬أساليب‭ ‬إدارة‭ ‬سياستها‭ ‬تجاه‭ ‬العراق،‭ ‬ويمكن‭ ‬ان‭ ‬يحدد‭ ‬ذلك‭ ‬وفق‭ ‬تصريحات‭ ‬الرئيس‭ ‬حسن‭ ‬روحاني‭ ‬بقوله‭ ‬‭”‬اننا‭ ‬امام‭ ‬مرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬مع‭ ‬العراق‭”‬،‭ ‬واهتمام‭ ‬الأوساط‭ ‬السياسية‭ ‬الإيرانية‭ ‬بهذه‭ ‬الزيارة‭ ‬كونها‭ ‬بداية‭ ‬جديدة،‭ ‬وبانتظار‭ ‬ما‭ ‬ستحققه‭ ‬زيارة‭ ‬السعودية‭ ‬من‭ ‬فتح‭ ‬افاق‭ ‬اقتصادية‭ ‬من‭ ‬المؤمل‭ ‬ان‭ ‬تعزز‭ ‬المصالح‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬وتفتح‭ ‬افاقاً‭ ‬كبيرة‭ ‬في‭ ‬مساعدته‭ ‬على‭ ‬تجاوز‭ ‬الازمة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الخانقة‭ ‬ودعم‭ ‬امنه‭ ‬الوطني،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬زيارة‭ ‬واشنطن‭ ‬واستكمال‭ ‬الحوار‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬الذي‭ ‬قد‭ ‬يؤسس‭ ‬ايضاً‭ ‬الى‭ ‬تحرر‭ ‬أوسع‭ ‬من‭ ‬قيود‭ ‬ايران‭.‬

على‭ ‬الصعيد‭ ‬الداخلي،‭ ‬وبعد‭ ‬احداث‭ ‬منطقة‭ ‬الدورة،‭ ‬بدأ‭ ‬الكاظمي‭ ‬بالتحوّل‭ ‬من‭ ‬سياسة‭ ‬المواجهة‭ ‬غير‭ ‬محسوبة‭ ‬النتائج‭ ‬الى‭ ‬سياسة‭ ‬القضم‭ ‬في‭ ‬قدرات‭ ‬الفصائل‭ ‬المسلحة‭ ‬والأحزاب‭ ‬التي‭ ‬تصادر‭ ‬القرار‭ ‬السياسي،‭ ‬ويبدو‭ ‬ان‭ ‬هذا‭ ‬القضم‭ ‬اسهم‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر‭ ‬في‭ ‬ابراز‭ ‬التصدّع‭ ‬الكبير‭ ‬الذي‭ ‬تعاني‭ ‬منه‭ ‬هيئة‭ ‬الحشد‭ ‬الشعبي‭ ‬بين‭ ‬فصائل‭ ‬منضبطة‭ ‬تسعى‭ ‬لتحرير‭ ‬نفسها‭ ‬من‭ ‬أخرى‭ ‬ولائية‭ ‬تدّعي‭ ‬انتمائها‭ ‬الى‭ ‬الحشد‭ ‬وتستغل‭ ‬ذلك‭ ‬الانتماء‭ ‬لعملياتها‭ ‬الولائية‭.‬

ولعل‭ ‬فتح‭ ‬معركة‭ ‬اقتصادية‭ ‬بالتزامن‭ ‬مع‭ ‬تغييرات‭ ‬إدارية‭ ‬في‭ ‬هيكل‭ ‬الأجهزة‭ ‬الأمنية‭ ‬سيساعد‭ ‬نسبياً‭ ‬في‭ ‬رفع‭ ‬الغطاء‭ ‬عن‭ ‬تلك‭ ‬الفصائل‭ ‬الولائية،‭ ‬إذ‭ ‬ان‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬منافذ‭ ‬محافظة‭ ‬ديالى‭ ‬وواسط‭ ‬مع‭ ‬ايران‭ ‬ومنافذ‭ ‬البصرة‭ ‬معها‭ ‬ومع‭ ‬الكويت‭ ‬والخليج‭ ‬العربي‭ ‬يعد‭ ‬احد‭ ‬الإجراءات‭ ‬التي‭ ‬تعزز‭ ‬رقابة‭ ‬هيأة‭ ‬المنافذ‭ ‬الحدودية‭ ‬وسيطرة‭ ‬الحكومة‭ ‬نسبياً‭ ‬على‭ ‬إيراداتها،‭ ‬مع‭ ‬الإبقاء‭ ‬مؤقتاً‭ ‬على‭ ‬منافذ‭ ‬محافظة‭ ‬الانبار‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬الأردن‭ ‬وسوريا‭ ‬التي‭ ‬تشهد‭ ‬سيطرة‭ ‬فعلية‭ ‬لصقور‭ ‬الفصائل‭ ‬المسلحة‭ ‬‭(‬كتائب‭ ‬حزب‭ ‬الله‭ ‬والفصائل‭ ‬المتحالفة‭ ‬معها‭)‬‭ ‬ومنافذ‭ ‬إقليم‭ ‬كردستان،‭ ‬تجنباً‭ ‬لفتح‭ ‬اكثر‭ ‬من‭ ‬جبهة،‭ ‬كما‭ ‬ان‭ ‬التغييرات‭ ‬في‭ ‬قيادات‭ ‬المؤسسات‭ ‬الامنية‭ ‬التي‭ ‬ترتبط‭ ‬بعلاقات‭ ‬وثيقة‭ ‬للغاية‭ ‬مع‭ ‬المحور‭ ‬الإيراني‭ ‬بقيادات‭ ‬قريبة‭ ‬الى‭ ‬الشعب‭ ‬العراقي‭ ‬ومتخصصة‭ ‬نسبياً‭ ‬قد‭ ‬يزيد‭ ‬من‭ ‬اذابة‭ ‬النفوذ‭ ‬البارز‭ ‬لهذا‭ ‬المحور،‭ ‬الى‭ ‬الدرجة‭ ‬التي‭ ‬من‭ ‬المحتمل‭ ‬ان‭ ‬تسمح‭ ‬للحكومة‭ ‬في‭ ‬الأشهر‭ ‬الثلاثة‭ ‬القادمة‭ ‬تنفيذ‭ ‬إجراءات‭ ‬اكثر‭ ‬جدية‭ ‬واعمق‭ ‬مصداقية‭ ‬في‭ ‬طريق‭ ‬الإصلاح‭.‬

على‭ ‬ان‭ ‬الإنجاز‭ ‬الأبرز‭ ‬الذي‭ ‬يحسب‭ ‬لهذه‭ ‬الحكومة‭ ‬ويؤخذ‭ ‬عليها‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬عملت‭ ‬عليه‭ ‬الحكومة‭ ‬في‭ ‬الأيام‭ ‬العشر‭ ‬الاواخر،‭ ‬بدءاً‭ ‬من‭ ‬إعلانها‭ ‬تشكيل‭ ‬لجنة‭ ‬تحقيقية‭ ‬في‭ ‬احداث‭ ‬ساحة‭ ‬التحرير‭ ‬التي‭ ‬شهدت‭ ‬اعتداءً‭ ‬مباشراً‭ ‬على‭ ‬المتظاهرين‭ ‬

وإعلان‭ ‬النتائج‭ ‬خلال‭ ‬ثلاثة‭ ‬أيام،‭ ‬وما‭ ‬تلا‭ ‬ذلك‭ ‬بيومين‭ ‬من‭ ‬اعلان‭ ‬موعد‭ ‬الانتخابات‭ ‬المبكرة‭ ‬في‭ ‬6‭ ‬حزيران‭ ‬2021‭ ‬والايفاء‭ ‬بتوفير‭ ‬متطلبات‭ ‬نجاحها‭ ‬كافة،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬لقاء‭ ‬رئيس‭ ‬الحكومة‭ ‬معتصمين‭ ‬يحتجون‭ ‬على‭ ‬إجراءات‭ ‬وزارة‭ ‬الدفاع‭ ‬في‭ ‬تعيينهم،‭ ‬فالانجاز‭ ‬الأول‭ ‬رغم‭ ‬ما‭ ‬يؤشره‭ ‬من‭ ‬وفاء‭ ‬للحكومة‭ ‬بواجباتها،‭ ‬الا‭ ‬انه‭ ‬يكشف‭ ‬ان‭ ‬إجراءات‭ ‬الكشف‭ ‬عن‭ ‬قتلة‭ ‬المتظاهرين‭ ‬منذ‭ ‬1‭ ‬تشرين‭ ‬الأول‭ ‬2019‭ ‬سهل‭ ‬للغاية،‭ ‬

وهو‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬الحكومة‭ ‬في‭ ‬موقف‭ ‬حرج‭ ‬في‭ ‬الإيفاء‭ ‬بوعدها‭ ‬الذي‭ ‬قطعته‭ ‬على‭ ‬نفسها،‭ ‬وفيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالانتخابات‭ ‬المبكرة،‭ ‬ينتظر‭ ‬العراقيون‭ ‬افعالاً‭ ‬لا‭ ‬اقوالا‭ ‬تمس‭ ‬صلب‭ ‬الممارسة‭ ‬الديمقراطية‭ ‬في‭ ‬صيف‭ ‬العام‭ ‬القادم،‭ ‬من‭ ‬قبيل‭ ‬انهاء‭ ‬هيمنة‭ ‬المليشيات‭ ‬او‭ ‬تحييدها‭ ‬في‭ ‬الحد‭ ‬الأدنى،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬إقرار‭ ‬القانون‭ ‬المنتظر‭ ‬‭(‬قانون‭ ‬الانتخابات‭)‬‭ ‬وملحقاته‭ ‬التشريعية‭ ‬المتمثلة‭ ‬بقانون‭ ‬المفوضية‭ ‬وآليات‭ ‬الانتخابات‭ ‬بطريقة‭ ‬تضمن‭ ‬الاستقلالية‭ ‬والنزاهة‭ ‬في‭ ‬اجراء‭ ‬هذه‭ ‬الانتخابات‭.‬

ان‭ ‬تقييم‭ ‬الأشهر‭ ‬الثلاثة‭ ‬الأولى‭ ‬لحكومة‭ ‬الكاظمي‭ ‬يظهر‭ ‬ان‭ ‬هذه‭ ‬الحكومة‭ ‬نجحت‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬الازمات‭ ‬العراقية،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ادراكها‭ ‬لقدراتها‭ ‬وامكانياتها‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬وواجباتها‭ ‬والتزاماتها‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭ ‬والاقدام‭ ‬على‭ ‬تنفيذ‭ ‬تلك‭ ‬الواجبات‭ ‬والالتزامات‭ ‬بأقل‭ ‬الكلف،‭ ‬أي‭ ‬بمعنى‭ ‬ان‭ ‬الإدارة‭ ‬الناجحة‭ ‬لأزمات‭ ‬العراق‭ ‬تتأسس‭ ‬على‭ ‬ادراك‭ ‬مفاده‭ ‬ان‭ ‬لا‭ ‬حلول‭ ‬عسكرية‭ ‬مع‭ ‬من‭ ‬يصادر‭ ‬القرار‭ ‬السياسي‭ ‬ويهدد‭ ‬الامن‭ ‬الوطني،‭ ‬انما‭ ‬المصلحة‭ ‬الوطنية‭ ‬تتطلب‭ ‬حلولاً‭ ‬استخبارية‭ ‬–‭ ‬اقتصادية‭ ‬–‭ ‬اجتماعية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬عملت‭ ‬عليه‭ ‬هذه‭ ‬الحكومة‭ ‬عبر‭ ‬سياسة‭ ‬القضم‭.‬

على‭ ‬ان‭ ‬ضبط‭ ‬دفة‭ ‬هذه‭ ‬الإدارة‭ ‬الناجحة‭ ‬ومواجهة‭ ‬التحديات‭ ‬التي‭ ‬تخلق‭ ‬لعرقلتها،‭ ‬يتطلب‭ ‬خطوات‭ ‬عاجلة‭ ‬على‭ ‬الكاظمي‭ ‬الإسراع‭ ‬في‭ ‬حسمها،‭ ‬من‭ ‬أهمها‭ ‬المواجهة‭ ‬مع‭ ‬قتلة‭ ‬المتظاهرين‭ ‬كأفراد‭ ‬وليس‭ ‬جماعات،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬الانتقال‭ ‬الى‭ ‬مواجهة‭ ‬ارتباطاتهم‭ ‬السياسية‭ ‬والعسكرية،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬ارسال‭ ‬تعديلات‭ ‬ضرورية‭ ‬على‭ ‬قانون‭ ‬الانتخابات‭ ‬وليس‭ ‬المطالبة‭ ‬بالمصادقة‭ ‬عليه‭ ‬لما‭ ‬يحمله‭ ‬هذا‭ ‬المشروع‭ ‬من‭ ‬مواد‭ ‬تمّ‭ ‬سنّها‭ ‬لخدمة‭ ‬أحزاب‭ ‬الفساد،‭ ‬بالإضافة‭ ‬الى‭ ‬تصعيد‭ ‬الإجراءات‭ ‬الحكومية‭ ‬ضد‭ ‬قوى‭ ‬اللادولة‭.‬

ويبقى‭ ‬استمرار‭ ‬زخم‭ ‬الثقة‭ ‬الشعبية،‭ ‬بحاجة‭ ‬الى‭ ‬عملية‭ ‬نوعية‭ ‬تستهدف‭ ‬نقاط‭ ‬ضعف‭ ‬الفصائل‭ ‬المسلحة‭ ‬لضمان‭ ‬استمرار‭ ‬توفير‭ ‬الأجواء‭ ‬الهادئة‭ ‬لعمل‭ ‬الحكومة‭ ‬وإنجاز‭ ‬واجباتها‭ ‬بشكل‭ ‬سليم‭.‬

 

ينشر موقع “المسلة كتابات” جميع ما يرد اليه، شرط أن يكون خاليا من السب والشتم والأوصاف غير اللائقة على الجهات والشخصيات.

“المسلة كتابات” لا يتحمل مسؤولية الأفكار والآراء الواردة. المقالات والنصوص المنشورة تعبّر  عن وجهة نظر الكاتب فقط. 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *