النقد.. أيمكن اِختزالُ المرأةِ بالجَسد؟

المسلة كتابات – د. محمَّد حسين الرفاعي:

الجسدُ أوَّلُ الوجودِ الأوَّليِّ للإنسان. وإنه يخترق، في معنى يعبر على، كل ضرب من ضروب وجوده، بَعْدِيَّاً. الجسد، بهذا المضمون، هو بدءُ التَّساؤل عن الوجود الإنساني من جهة كونه ظاهرةً تختفي في ظهورها، وبه. ومن جهة أنَّ الجسدَ مجتمعيٌّ أو لا يكون، فإنَّ ثَمَّةَ ضرورات، ومحدِّدات مجتمعيَّة في ظهوره بوصفه قد أصبح [ظاهرةً- في- التَّساؤل- السُّوسيولوجيّ]، برأسها.

إنَّ التَّساؤل عن الجسد يرتبط بالتساؤل عن العقل- اللوغوس، بنفس الوقت هو يرتبط بذلك بقدر إرتباطه بالعقل في المعنى البائس له أي العقل العاميِّ. البؤس هنا ينبع من كون العقل ليس كذلك إلاَّ لأنَّهُ يتفلَّتُ من كل ضرب من ضروب تحديد [المجتمعيِّ] به، أوَّلاً، وله، ثانياً. إنَّ العقلَ إنَّما هو الحريَّةُ التي من شأن التَّفكير، والتحديد، والممارسة، أو لا يكون. وبهذا المعنى، الجسد الحُرُّ ليس يرتبط بالعقل المجتمعيِّ المحدِّد؛ بل بالعقل في المعنى الخالص Pure، له؛ أي اللوغوس الذي يتوفَّر على شرط إمكان اِختراق الظاهرة المجتمعيَّة، أو البناء عليها.

حينما يندرج المضمون، مضمون العقل، ضمن هذا المنظور النظريّ في الرؤية، والتساؤل، والفهم، نكون أمام تفكُّر جديد كليَّاً: التفكُّر خارجَ تحديدات الموضة بوصفها ضرب من ضروب سَحبِ الذَّات إلى أن تتخلى عن ذاتِ نفسِها العميقة، وتنتقل إلى [المجتمعيِّ]، فتُصبِح لا- شيئاً في ذاتها. وعلى ذلك، متى أُخِذَ الجسد من جذر ماهيَّتِهِ العميقة، يُصبح ظهورُهُ محدَّداً بواسطة ثُنائيَّة [الحُرِّيَّة الذاتيَّة- والحرية المجتمعيَّة].

خلافاً لما يُتصوَّر، لا ثَمَّةَ حريَّة يمكن أن تكون فوضىً واِضطراباً وقلقاً؛ بل الحريَّةُ صيرورة الفعل الذي يعيد تحديد التحديد، أي [التحديد- في- كل- مرة]. واِنطلاقاً من ذلك، تُصبِح الحُرِّيَّةُ فعلاً مجتمعيَّاً له مصادره المجتمعيَّة، وإشكالات، وإشكاليَّاته السُّوسيولوجيَّة. بالضبط كما الضرورة المجتمعيَّة.

إنَّنا نتساءل عن الحُرِّيَّة الجاهزة، تلك التي تُقدَّم بوصفها الحُرِّيَّةَ. ماذا يعني أن تقدَّمَ الحُرِّيَّةُ بوصفها حقلَ وجودٍ جاهزٍ قد تم رسمُ حدوده؟ وبأيةِ معانٍ نتوقف عند الحُرِّيَّة وقد أصبحت سجنَ الذَّات؟ أي حينما تتحول الذَّاتُ إلى سلبِ ذاتِ نفسها العميقة؟

إنَّ الذَّات تتذوت بقدر ما هي تتوحد. التوحُّد هنا يتضمَّنُ معنى السير إلى الذَّات، والاِنطلاق منها نحو الخارج. في الخارج تكون الذَّات ذاتَها العميقة بقدر ما هي تتوقف عند مستوى تحديد المجتمعيّ لها. لكن، لا مجتمعيَّ يحدِّدُ وفقاً لذاته، بل لـ، أي من أجل قواعد، وقوانين، وتقاليد، وأعراف. في الداخل تكون الذَّات ذاتها العميقة فقط لأنها تقطع مع الخارج؛ أو تتوهم ذلك في لحظة غياب: غياب المجتمعيِّ الحاضر في الداخل.

نريد، بوحدة الإشكال والإشكاليَّة هذه أن نسحب الفرضيَّة إلى مستوى الواقع الاِفتراضي في وسائل التواصل المجتمعيِّ، بالاِنطلاق من موضوع ظهور المرأة فيه.

يندرج الاستعراض الجنسي للمرأة في وسائل التواصل، الذي يشمل الإغواء، والإغراء، والدلع، والغنج، والتمظهر بالجسد، ضمن مفاهيم الحرية الشخصية؛ الفرد وقد أصبح محدَّداً بالموضة؛ أي العاميّ. إنه اِعتداء على الإنسان. وهو ليس أمراً بسيطاً. ولا هو عابرٌ؛ إنه موضة أن تكون المرأة إمرأةً. هذا الضرب من الاستعراض إضرابٌ عن أن تكون المرأةُ إنساناً، وهو متى أُخذ من جذره العميق يقوم على:

I- تحويل المرأة إلى سلعة- جسد لا إمكانَ ولا قدرةَ لها غير ذلك.

II- تزييف قيمة الوجود وجعله مقتصراً على، بل محصوراً في الجسد.

III- الانتقال بالمرأة من كونها إنساناً إلى كونها فريسةً- صيداً.

IV- تحويل الرجل إلى حيوان لاهث وراءَ الفريسة.

V- القضاء على مفهوم العائلة ومؤسسة الزواج.

وبناءً على ذلك، نطرح التَّساؤل حول ظهور المرأة بالحرية الجاهزة: أتكون الإمرأة- أو البنت التي تمارس ذلك، بوعيها أو من دونه لا فرق، قد تقع على الضد من المجتمع بعامة، والعائلة بخاصَّةٍ؟ أم هي تذهب إلى أن تُصبِح متصارعةً مع ذاتها اِنطلاقاً من ثُنائيَّة [الحُرِّيَّة الفردية- والحرية المجتمعيَّة]؟

… إنَّ المرأةَ مجتمعُ المرأة، أوَّلاً وفوقَ كُلِّ شيءٍ.

 

ينشر موقع “المسلة كتابات” جميع ما يرد اليه، شرط أن يكون خاليا من السب والشتم والأوصاف غير اللائقة على الجهات والشخصيات.

“المسلة كتابات” لا يتحمل مسؤولية الأفكار والآراء الواردة. المقالات والنصوص المنشورة تعبّر  عن وجهة نظر الكاتب فقط. 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *