العراق في ساحات الجيل السادس من الحروب

المسلة كتابات – د. محمد القريشي:

اضطرب أداء أجهزة الطرد المركزية فجأة في مفاعل “نانتيز” الأيراني خلال احد ايام عام ٢٠١٠ وتزايدت سرع دورانها بمعدلات جنونية، الامر الذي أدى الى خرابها و تعطيل البرنامج النووي الإيراني لفترة تقدر بعامين بسبب فيروس يسمى “ستوكسنيت” تم إدخاله بشكل مقصود في منظومة الادارة الالكيترونية للمفاعل المذكور. وعلى الرغم من صعوبة تحديد الجهات الفاعلة من النواحي الفنية والقانونية الا ان أصابع آلاتهام توجهت حينها لأميركا وإسرائيل بسبب الخصومة التقليدية.

وقبل ذلك بسنوات (عام ١٩٩٨) تعطلت أنظمة الدفاعات الخاصة بالطائرات في سيبيريا على أثر عملية اختراق تخريبية تمت بواسطة فيروس الكيتروني اتهمت الولايات المتحدة الأميركية بتنفيذها. وفي سياق هذه الهجمات الإليكترونية، تعرضت المواقع الحكومية الاسبانية عام ٢٠٠٧ لهجوم شلَٓ مفاصلها بشكل خطير وتوجهت الاتهامات الى روسيا في هذا الحدث واتهامات مماثلة تخص اختراق روسيا لأنظمة الانتخابات في اكثر من بلد غربي. وفي عام ٢٠١٢ تعطلت تماماً المنظومة الإليكترونية لادارة شركة أرامكو السعودية للنفط بواسطة فيروس سبب لها خسائر فادحة.

تندرج تلك العمليات في إطار ما يسمى ب”حروب الجيل السادس 6GW ” وهو مصطلح يشير الى النهج المتبع خلال الفترة الحالية في الخصومات بين الدول والمؤسسات المتضمن إحداث أقصى درجات الأذى في صفوف الخصوم عن بعد، وهو مصطلح أطلقه لأول مرة الجنرال الروسى فلاديمير سليبتشينك عبر فيه عن استخدام الدول لأنظمة تسليح عالية الدقة كما حدث فى الحرب على العراق عام ١٩٩١ وحروب يوغسلافيا وأفغانستان ولكنه تطور بعد ذلك بشكل سريع مع تطور التقنيات الرقمية ليتعدى استهداف الجيوش ويشمل استهداف المنظومات الإدارية للعدو المتعلقة بمختلف جوانب حياة أفراده ومؤسساته اليومية .

وهي حروب يُدار الكثير منها عن بُعد وبأساليب عدة تنتج عنها أضرار اقتصادية او نووية او صناعية او خدماتية او معلوماتية جسيمة وقد تستهدف المجموعات أو الأشخاص ، وهذا ما يُطلَق عليه No contact warfare.

مصطلح “حروب الجيل السادس” يأتي في سياق تطور الحروب بصورة عامة ، حيث مثل الجيل الاول منها الحروب التقليدية بين جيوش نظامية اعتمدت على المواجهة المباشرة على أرض المعركة بالأسلحة التقليدية ومثل الجيل الثاني منها الحروب التي أعقبت نهاية الحرب العالمية الأولى 1918 وتغيير النظام الدولي وظهور الثنائية القطبية وحالة الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي السابق حيث برزت التكنولوجيا بشكل متطور على الساحة وأصبحت هناك أسلحة نارية تقتل عن بعد بشكل بالغ القوة والدقة والخطورة ومتنوع الساحات كاستراتيجية قتالية للقطبين من خلال حروب الوكالة تجنباً للاشتباك المباشر الذي يقود الى الدمار الكبير.

. وقد جاء الجيل الثالث منها بهيئة الحرب الاستباقية أو الوقائية كما بينتها استراتيجية الردع الوقائي الأميركية خلال العقد الاول من ألقرن الحالي والتي نصت على إمكانية تنفيذ ضربات على الأهداف استباقياً في أكثر من دولة لتحقيق مصالح محددة بالتعاون مع الحلفاء، تلى ذلك ظهور الجيل الرابع من الحروب المسماة “بالحروب الغير متماثلة” بعد الخسائر الاقتصادية الكبيرة التي تكبدها الاقتصاد الأمريكي نتيجة الحرب على الإرهاب في العالم وغزو العراق وأفغانستان. وهي حروب تتم بأقل التكاليف وأقصى الأرباح وتتميز بعدم المركزية بين أسس أو عناصر الدول المتحاربة وتعتمد أركانها على :الحرب بالإكراه وإفشال الدولة وزعزعة استقرارها ثم فرض واقع جديد يراعي المصالح المبتغاة. حروب الجيل الخامس تدعى “الحروب الهجينة” وفيها يتم دمج مختلف أنماط القتال المعروفة، بما في ذلك: القدرات التقليدية، والتكتيكات والتشكيلات غير المنظمة واستخدام الجماعات من خلال السيطرة على العقول قبل الأرض. وفي هذا النمط من الحروب يتم توظيف صراعات الجماعات العقائدية المسلحة وغيرها ، من أجل استنزاف الخصم وتسهيل مهمة تحقيق الأهداف.

وفي حروب الجيل السادس لا تلجأ بالضرورة الأطراف المتحاربة لطائرات وصواريخ وقنابل كما كانت تفعل خلال الحروب السابقة لاستهداف منشآت العدو ، بفضل ما توفره التقنيات الحديثة من إمكانات اختراقية لمنظومات الأطراف المعادية وتخريب منشآتها وبناها التحتية ( شبكات توزيع المياه او الكهرباء او المصارف وغيرها) من اي مكان في العالم وفي اي وقت.

حروب الجيل السادس هذه، ليست جديدة على العراق والمنطقة العربية فقد عرف العراق ملامحها مبكرا في العملية الشهيرة ( المسماة أوبيرا) التي نفذها الطيران الاسرائيلي في ضرب مفاعل تموز عام ١٩٨١، حين تركزت فكرة التنفيذ حول سيطرة سلاح الجو الاسرائيلي على عاملي (الفضاء والوقت) بآن واحد خلال فترة الهجوم. فعلى الصعيد الميداني، دخلت وقتها الطائرات الإسرائيلية الى الأجواء العراقية مستفيدة من بقعة فضائية صغيرة تدعى ( البقعة العمياء ) خارجة عن تغطية منظومة الدفاع الجوي العراقية عند الحدود العراقية السعودية واستطاعت بعد ذلك من الهيمنة لوحدها على الفضاء العراقي و امتلاك الوقت الكافي لتدمير المفاعل النووي دون علم وإزعاج من منظومة الدفاع الجوية العراقية. وفي السياق ذاته نفذ الطيران الاسرائيلي في أيلول عام ٢٠٠٧، عملية مماثلة اطلق عليها ( اورجارد) استهدفت تدمير المفاعل النووي السوري في منطقة دير الزور من خلال استخدام تقنيات ( الذكاء الإليكتروني ELINT) لاختراق منظومة الدفاع الجوي السورية والهيمنة على الفضاء السوري.

حروب الجيل السادس وأضرارها الكارثية دفعت الكثير من دول العالم الى استحداث وحدات وطنية للدفاع الإليكتروني لحماية مصالحها الحيوية وضمان أمن وسلامة شعوبها.

تلتقي عقيدة حروب الجيل السادس مع قاعدة الحرب الصينية التي وضعها “سون تروز” قبل اكثر من عشرين قرنا في كتابه ( فن الحرب )، والتي تنص : ” بان كل الحروب تستند على الخذلان، فعندما نكون جاهزين للهجوم يتوجب علينا ان نبدو على خلاف ذلك، وعندما نستخدم القوة يجب ان نتصرف بخمول، وعندما نهم بالاقتراب من الخصم يجب ان نظهر وكأننا بعيدين عنه وعندما نبتعد عنه علينا ان نقنعه بأننا قريبين”.

وفي ظل تراجع أهمية الأسلحة التقليدية التي تعتمد على القوى البشرية امام تقدم التقنيات الرقمية الحديثة التي تعتمد على نسب الذكاء العالية وألمهارات العقلية للأفراد، تسعى الكثير من الدول الى رعاية الأذكياء والموهوبين فيها وتوظيف إبداعاتهم في مجال تعزير منظومات أمنها الوطني والحفاظ على وتيرة التنمية من خلال انشاء مراكز متخصصة للدفاع الإليكتروني كما حدث في اميركا وفرنسا والصين وروسيا وإيران وتركيا وإسرائيل وغيرها، الامر الذي يدفعنا الى التساؤل عن موقع العراق في ساحات حروب الجيل السادس ومشاريعه المستقبلية في هذا المجال.

 

ينشر موقع “المسلة كتابات” جميع ما يرد اليه، شرط أن يكون خاليا من السب والشتم والأوصاف غير اللائقة على الجهات والشخصيات.

“المسلة كتابات” لا يتحمل مسؤولية الأفكار والآراء الواردة. المقالات والنصوص المنشورة تعبّر  عن وجهة نظر الكاتب فقط. 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *