الطريق إلى السماء

المسلة كتابات – د. خالد الخفاجي:

مَنْ منّا يستطيع أنْ يتنبأ بخارطة الطريق إلى السماء؟ كيف يكون شَكلها، وهل هي طريق وعرة؟ أم هي طريق تحفَّها الأشجار والماء، والغنج المتدلي على حوافها، الشاعرة، هناك من يرى أنَّ حياة الإنسان طالت أو قصُرت على هذي الأرض فهي مُؤقّتة وموبوءة بتفاصيل بائسة وشاقة أكثر ما تنتعش فيها السعادة والاسترخاء، وهناك من يقول بعد الحياة الفانية على هذه الأرض، سينتقل الإنسان إلى حياة أجمل وهي الحياة الخالدة المنشودة، أو يذهب إلى ظلمات الجحيم، وفي ظل هذه الصراعات النفسية يبقى الطريق إلى السماء مجهولًا، وربما الذي لا يدركه الإنسان مهما كانت قيَمهِ الاجتماعية والفكرية والعلمية والثقافية والمالية أنَّ طريقه إلى السماء يبدأ من شعوره بحياته على الأرض، لكني أُفكر وأؤمن بحقيقةٍ أخرى مختلفة جدا، ربما لا يقبلها البعض وهي: أن الحب والكلمة العاشقة للجمال هما وحدهما يرسمان الطريق الخصب المؤدي إلى السماء، وأنا أعيش هذه الحقيقة تذكرتُ ديوان الشاعرة الإيرانية ( فروغ فرخزاد ،، عمدني بنبيذ الأمواج) وفيه ترسم الطريق إلى السماء من خلال ما نزفته من قصائد مثيرة جدا بجمالها، في بعض منها تقول:
كم كانت أرضنا من قبلُ بعيدة
في حجرات السماء..
إلى طريق محفوفة بالنجوم اقتدتني
وأجلستني وراء نجمة..

دائما تستوقفني هذه الرحلة الخضراء إلى السماء التي أعني بها الحب المطلق المتدفق من الأعماق نحو الآفاق التي لا حدود لها، مثل بركان انشق بإرادة عليا. وهذه الحقيقة لا تحتاج منّا سوى الحقيقة التي تمسك بكل المفاهيم الإنسانية والعاطفية والروحية والأخلاقية، بعيدا عن سلاسل التهديد والوعيد، والمعتقلات والسجون، وغرف التعذيب، والأوامر والرعونات المتغطرسة، والأنانية والمباهاة، والتمايز الطبقي، والتجويع وتزوير الحقائق، والدسائس والضغينة وغيرها من الموبقات، ربما دائما تستوقف البعض منّا هذه الحقائق التي هي وحدها تحدد شكل الرحيل بنا إلى السماء بكل جمالها الأزرق، ونفائسها الثمينة، من خلال عودتنا المتكررة من بغداد باتجاه مدينتنا أنا وصديقين رائعين لي، بعد أن نقضي نهارا كاملا بكل مرارته في مراجعاتنا المضنية لبعض مؤسسات الدولة البائسة، ثم نهمّ بالعودة في أذيال النهار إلى حيث انطلقنا، نسلك دروبا ومنعطفات مختلفة تحاشيا الزحامات التي تتخم الطرقات الرئيسية، وهذه الصعلكة دلتنا على طريق جميل في النتيجة يوصلنا إلى حيث نريد، فهو طريق مختصر تحفه الاشجار من جانبيه، ويمتد من حوله بساط أخضر، ونهر يداعبُ أحد كتفيه، وخاصة مع بدء الشمس ببانوراما توديعها لانتهاء مهمتها اليومية المكلفة بها، ينقلب المنظر إلى آيةٍ سماوية في جمالها، وسحر صبغتها، وهنا يتحول المنظر إلى لوحة فنية خلابة تبهر العقول، ونحن الثلاثة في مركبتنا نتعاطى مرةً الشعر والأخرى الحوار في مواضيع مختلفة ولكن يتسيّدها المشهد الثقافي المتراجع الذي يشهده عراق اليوم، قلت أُنظروا إلى الطريق كم هو جميل؟ خاصة مع هذا المنظر الساحر، وإذا بصاحبي الصعلوك الاسمر يهتف بتصريح ربما هو أخطر من المنظر ذاته في جمالهِ، حيث قال: بل هذا هو الطريق إلى السماء، ما أجمل العفوية التي تُثمر عن حكمة مفرطة بالمعنى، وفلسفة مفعمة بالفكر، وصراحة تمتطي صهوة الجمال، وحقيقة تولد النتاجات المبدعة والأفكار، وما هذا المقال إلا هو من ثمار تلك اللحظة الغنية بالعطاء والبراءة والبحث عن الحقيقة الثابتة، وهي بالحب وحده نستطيع أن نصل إلى السماء ونحن نرتدي ثوب النقاء والطُهرِ من القبح بمختلف نواياه الخبيثة والمظلمة.

 

ينشر موقع “المسلة كتابات” جميع ما يرد اليه، شرط أن يكون خاليا من السب والشتم والأوصاف غير اللائقة على الجهات والشخصيات.

“المسلة كتابات” لا يتحمل مسؤولية الأفكار والآراء الواردة. المقالات والنصوص المنشورة تعبّر  عن وجهة نظر الكاتب فقط. 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *